التقوى العالمية والإنسانية معيار التفاضل بين الناس

ما بالنا بتأويل الاختلاف إذاً؟ ولِمَ علينا نحت مصطلحات ومفاهيم حول أعراقنا ومعتقداتنا وثقافاتنا، بينما العلم نفسه يفيدنا بأنّ مصطلح "الأعراق البشرية" خاطئ علمياً، أو على الأقل أنّه ليس دقيقاً؛ لأنّ البشر جميعهم من أصل واحد؛ كمخلوقات آدمية، وأنّ لفظ "ثقافي" اتخذناه فيما بيننا؛ لتحديد أجناسنا وهُوياتنا، كما اتخذنا صنوه أو بمقابله "الآخر" سبباً للتفريق فيما بيننا والنظر بشك وريبة إلى دخائل ونوايا بعضنا البعض؟

أنا أرفض هذا المصطلح، أرفض تماماً بأن نكون فيما بيننا أنواعاً وأجناساً، احتراماً للعلم والإنسانية، كما أرفض بأن يقال بأن هناك (نحن) و (آخر)، وأن يتم تمييزنا وتقسيمنا وفقاً لمعتقداتنا، أو ألواننا، أو حتّى ألوان رباط الأحذية التي نفضلها، كلّ هذا الكلام بالنسبة لي، يبدو باهتاً وغائماً، ويفتقر إلى المنطق والموضوعية، بل والكرامة.

في تقديري بأنّ هذا المصطلح، ما هو إلا نتيجة تراكمات تاريخية وزمنية، قد تكون ابتدأت وتيرتها تتصاعد، مذ زمن الحروب الصليبية، عندما ظن أصحاب كلّ دين، بأنّهم مكلّفون بخلاص أرواح الأمم الأخرى، وكان كل حزب بما لديهم فرحون، وكان زمان إمبراطوريات لا دول تنسجم فيما بينها بعلائق دبلوماسية واتفاقات دولية، وتنصهر بينهم بوائق الكراهية لتتحول إلى تعاونات دولية مشتركة، واتفاقيات اقتصادية وسياسية وحدودية، ويصبح المعيار الوحيد لتفاضل الناس فيما بينهم، هو التقوى.

وأنا هنا لا أستخدم كلمة (التقوى) بالمعنى الديني المتعارف عليه بين الناس، بل أمطها وأمدها لتحتوي في بذرتها على جنين شامل لكلّ ما هو إنساني ونافع للبشر، فتقواك الدينية التي تفتخر بها على من غيرك، ينبغي أن تحمل في معادلتها سلاماً ورخاء وسعادة للبشر فيما تحمل، ولا تظنن السيف المصلت على الأمم الأخرى، أو تهديدك الدائم بالبغي والسبي، هو من التقوى العالمية والإنسانية في شيء، على نظرتك الجديدة للتقوى، أن تحمل عمقا ًوجودياً أكبر، وإعماراً وبناء للعالم ولإخوتك من بني البشر، بما تملكه من مواهب وقدرات، وعطايا وسجايا، ولم يعد تسامحك معهم منّة وفضلاً منك عليهم، فضلاً عن أن يكون اختياراً أو طريقاً شئت اتخاذه طواعية لا إجباراً، فالتسامح الآن فرض عين عليك، لأنّه من قيم الإنسان، ولأنّه من مرتكزات الزمن الذي تعايشه، والقرن الجديد الذي ولجت إليه بكامل عدتك من اختراعات وإلكترونيات وأدوية غيرك، فهم في تقواهم الآن وحالياً، يتفوقون عليك، ويمتازون عنك بفائدتهم ونشاطهم وأبحاثهم، وبالتالي، استعلاؤك عليهم ببضع شعائر وطقوس ورثتها عن والديك، لن يحقق لك أو لهم مرامي الأفضلية، والدين الآن وقبل كلّ شيء وأكثر عن ذي قبل، هو المعاملة، لست مولوداً ببطاقة يانصيب رابحة مدون عليها: (أنت دون الطوائف الأخرى، من أصحاب الجنّة، مخلد فيها أبداً)، لا يعيبك أن تعترف بنقائصك، طالما هدفك هو إصلاحها وتعديلها، لتتوافق مع المعايير الحديثة، ولن يهمّك أن يشار إليك بالبنان أو بالزندقة، من ضيّقي الأفق، وممن لم تسع نفسياتهم، كلمة الإنسانية بمفهومها الحقيقي والواسع.

جزء من هوية وكينونة (الآخر)، يرجع إلى نظرة شوفينية وضيقة ومتعصبة، مفرزة تاريخياً وثقافياً من الماضي كما أسلفت، لم ينسَ البعض آثار الاستعمار بعد، ويعيشون حقبة ما بعد الكولونالية، وكأنّهم لا يزالون في صفوف مقاومة العدو الغاشم، البعض يعود بالاتهام إلى جرائم الهنود الحمر، وآخرون يرجعون بالزمن إلى القنبلة الذرية، وثالث قد يعود حتّى إلى طغاة الإمبراطورية الرومانية، وينسى أنّ الناس غير الناس، وأنّ دينه هو نفسه، لا يؤاخذ أناساً بجريرة أناس آخرين، وأنّ كلّ نفس بما كسبت رهينة، ولا تزر وازرة وزر أخرى، لكن هذا الراجع بالزمن، ينسى، أو يتناسى، ويحاول دائما أمام نفسه والبشر، الظهور بمظهر الضحية، ليبدو (الآخرون) في نظره وحوشاً كاسرة، ويحاول نقل هذه النظرة عبثاً وبطرق شتّى، لمن حوله، لتبرئة نفسيته مما يحيق بها من سوداوية مظلمة، وروح ترفض مدّ أواصر التعاون والسعادة مع الآخرين، يرفض التكامل، ويحيي الانشقاق وتعاظم الخلاف، بتحية عسكرية من قدمه، وهذا ديدنه حتى بين بني قومه، الذين قسمهم إلى طوائف وفرق، يكبّ من يشاء منها في نار جهنم، ويحتفظ بمفتاح الفردوس لمن يرضى هو عنهم، فما بالك بأمم وأقوام آخرين، لا يمتّون إليه بصلة، إنه حتى لا يكلّف نفسه مؤنة التعرف إليهم، أو التواصل معهم والاستزادة من علمه بعاداتهم وآدابهم ومجموع ثقافاتهم.

وليت شعري، أين نحن من كلام إمام الأزهر السابق محمود شلتوت رحمه الله، ولم لا يعمم كلامه ويوثّق ويدرّس ضمن منظومتنا التعليمية، وبداخل مناهج تدريسنا؟ يقول الشيخ الفاضل في كتابه (الإسلام عقيدة وشريعة) نصاً ما يلي: (ومن هنا كانت الشعوب النائية التي لم تصل إليها عقيدة الإسلام، أو وصلت إليها بصورة سيئة منفرة، أو لم يفقهوا حجته مع اجتهادهم في بحثها، بمنجاة من العقاب الأخروي للكافرين، ولا يطلق عليهم اسم الكفر.)

وهذا ما أطلق أنا عليه اسم (التقسيم الثلاثي) للناس، لا (التقسيم الثنائي) والذي يكب ما يقرب من ستة مليارات من البشر على وجوههم في نار جهنم خالدين فيها، ليكون ملياري إنسان فقط بمنجاة من العذاب الأليم الأبدي، التقسيم الثلاثي والذي يليق برب سبقت رحمته غضبه، وينزه الله – سبحانه وتعالى – عن البطش بالبشر، لمجرد استيطانهم أراضي لم توفق إلى دين معين، أو عقيدة محددة، رب العالمين، لا رب أفريقيا وآسيا وأمم البلقان المسلمة، رب الجميع.

فمن أين لك يا من نصبت نفسك حاكماً على قلوب الناس ومصائرهم، أنّك الأفضل، وأنّك الأكثر تقوى، والأشدّ حرصاً على مصلحة العالم بأسره، وربّك يقول في محكم آياته في معرض الحديث عن اختلاف البشر: (ولذلك خلقهم)، تدبر، تدبر وارعوِ عن طيشك وغلوائك في تصنيف البشر، يقول الله بأنهم خلقهم مختلفين، وبأنّ هذا عماد الأمر وملاكه كلّه، من أين لك تصنيف البشر إلى (مسلم) و (كافر) فحسب، مستنداً على فهمك القاصر والمحدود لدينك، مفضلاً الانزواء وحدك والانعزال عن إخوانك البشر، بل وفارضاً رؤيتك عليهم، بينما ربّ العزة نفسه بثّ الاختلاف والتنوع في أرجاء العالم، طالباً منك التعارف لا التعارض، يقول محمود شلتوت مجدداً في نص آخر في نفس الكتاب: (والإسلام لا يرى أنّ مجرد المخالفة في الدين، تبيح العداوة والبغضاء، وتمنع المسالمة والتعاون على شؤون الحياة العامة، فضلاً عن أن تبيح القتال لأجل تلك المخالفة).

فأين أنت من هذا الكلام كلّه؟ قد يقول البعض، بأنّ هذه النظرة القاصرة، والبضاعة البائرة، كاسدة بين قومنا، وبأنّ هذه الأفكار لا تجد لها موئلاً أو موطئ قدم، إلا بين القلّة ممن شذّ وانحرف، واتخذ من المقاطعة مع بقية البشر سبيلاً، وأنا أقول: من واقع خبرتي في مجال عملي – أي التدريس - واختلاطي مع فئات ونوعيات مختلفة من البشر، ومما أراه وأسمعه ممن حولي من قصص وحكايات، وما يصادفني في الشبكة العنكبوتية من مهاترات ومخاتلات، أرى الكثير من خطل الرأي، الذي قد لا يصنف انحرافاً بحدّ ذاته، ولا يسمّى شذوذاّ أو كراهية تامّة، ولكنه يحمل البذرة، بذرة العنصرية، بذرة المقت والتفريق، بذرة الأفكار السائدة، والتي ساهم في نشرها ووضعها وتأصيلها وتأطيرها، رجال دين وشيوخ فقه وأحبار وأرباب ملل وعقائد، ترسل كلماتهم وآراؤهم، كرجال ثقات بين الناس، يأنسون بحديثهم، ويصدقونهم في كلّ ما يزرعونه من حنظل ويحصده غيرهم آلاماً ودماراً، هذا الكره السائد، والذي قد لا يؤثّر فيمن هو منشغل بمعاشه ولقمة يومه، لكنه عند الأزمات، ينفجر فيمن حوله، ويشعّ في أعين غيره، لهيباً يعمي عن رؤية الحقّ، ويحول الجريمة إلى عقيدة، يراها الضال المضلّ من ثوابت دينه التي لا يرضى بها بدلاً، ولا يبغي عنها حولاً، حتى لا يكون الأمر تمييعاً للدين على حدّ قوله.

لنعد إلى إنسانيتنا، ولنضع مصطلح (الآخر) جانباً، فما هو إلا من بنات أفكارنا، وبإمكاننا وأده في هوة سحيقة وإيجابية من عواطفنا ومشاعرنا المشتركة، لننظر إلى الأمّ التي ترتجف لأجل حمّى وليدها، نظرة واحدة، ولا نشفق عليها وفقاً للون بشرتها أو معتقدها، لنخلّص أنفسنا من عقد التاريخ، ومن صيرورات الزمن، ولنجعل أحلامنا وآمالنا كلّها متداخلة ومتضافرة، لأجل سعادة البشر وإعمار العالم.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية