التنوّع قيمة مضافة لتكامل المجتمع وليس لانغلاقه وتفككه

تواجه الأمم مخاضاً عسيراً ضمن صيرورة النهوض والارتقاء، فالحضارة الإنسانية لا تخرج في تعريفها عن كونها روحاً كبيرة تنصهر في بوتقتها جميع الأعراق والمكوّنات الثقافية، الدّينية والاجتماعية والقومية؛ مكوّنة نسيجاً حضارياً يحمل روحاً مؤثرة، فيتكامل هذا النسيج عبر العصور، ويصل ذروته ويشقّ طريقه في مسيرة الخلق والإبداع والتأثير. إنّه نتيجة طبيعية لظاهرة التعددية الثقافية وقيم السلم والتسامح ضمن مظلة المجتمع الواحد، وهو عماد الحضارة وحصنها وقوامها.

الحداثة السياسية والاجتماعية والعمرانية تفرض رؤيتها وواقعها ومسوغاتها، وتتطلب وجود شريحة واعية وناضجة، تمتثل لمقومات الانفتاح والتسامح، وتعترف بالتعددية ومقتضياتها؛ كمخرج طبيعي من جدلية الاختلاف وقبول الآخر. وهذا ليس بغريب عن الأمّة العربية الإسلامية التي تحمل بذور التسامح والمحبّة منذ مهد تكوينها، والتاريخ الإسلامي حافل بالشواهد من القرآن الكريم والسنّة النبوية. إلاّ أنّنا اليوم أمام مشهد مختلف من كيل الاتهامات للمجتمعات العربية التي باتت شبه عاجزة عن الدفاع عن نفسها أمام عجلة الحداثة والتطوّر. فما هي التحديات والمخاوف التي تعترضنا اليوم كأمة تحاول أن تتحرّر من شرنقة التعصب؟

 

الاختلاف مسألة طبيعية

شهدت الإنسانية منذ فجر التاريخ مجتمعات وأعراقاً متنوعة ومختلفة في كلّ بقاع الأرض، فالاختلاف الأوّل كان بظهور آدم وحواء من جنسين مختلفين، كما في قول تعالى: "يا أيّها الناس إنّ خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير" (الحجرات - 13). إنّها الحالة الطبيعية للتكوين الإنساني، ثم بزغت الأديان والأعراق والألوان لتشكّل نواة المجتمعات القادمة. ولم يكن يوماً الاختلاف عائقاً أمام أمّة من الأمم ليمنعها عن تقديم أفضل ما لديها من إبداعات فكرية وحضارية على المستويين الثقافي والاجتماعي طوال التاريخ، فحالة التنوير التي عاشتها الأمّة الإسلامية في العصرين الأموي والعباسي؛ من نقل للآداب والترجمات والفلسفات والعلوم من اليونان والهند وغيرها، تعد جميعها خير دليلٍ على انفتاح وتسامح الدين الإسلامي الذي يقرّ بمبدأ الاختلاف وحقّ الانسان في التمايز بالعرق والدين والفكر، حيث يقول الله في كتابه العزيز: "لو شاء ربك لجعل النّاس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين" (سورة هود -118) لنستخلص أن الله فطر الإنسان على هذا الاختلاف ليدفعه إلى البحث عما يتمّم نقائصه وليحقّق تكامله ولينظر إلى هذا التنوّع على أنّه قيمة مضافة لتكامل المجتمع وليس لانغلاقه وتفككه.

العقل والحوار وتجديد الخطاب الإسلامي

إنّ الاعتناء بالفكر هو محرّض أساسي وركيزة مهمة في توجيه الإنسان ضمن مسار التطور الإنساني ليكون فاعلاً مؤثراً وليس مارقاً مستهلكاً عبر العصور. لقد صاغ الإمام محمد عبده أصول العقيدة الإسلامية صياغة عقلية إنسانية حضارية وأعلى من شأن العقل، فقدّم بذلك نموذجاً من الفكر المرِن المنفتح لإعادة النظر في أصول الدين، كما إنّ آلية التفاعل المطلوبة لا بدّ أن تنتظم ضمن سياقها التراكمي وفي نطاقها الحضاري المتآخي مع التيارات والثقافات الأخرى. ويشير القرآن الكريم، إلى أنّ الإسلام دين يحترم العقل وحق الإنسان في اختيار عقيدته بكامل إرادته، تقول الآية: "لا إكراه في الدين"، (هود-256). ما يعني، أنّ ثقافة الإقصاء وحالة التعصب التي تعيشها الأمة مردها إلى حالة الإرباك والنكوص التي أرخت بظلال ثقيلة آلت أحياناً إلى تشرذم وتضعضع، في ظلّ غياب صيغة واضحة للحوار الشفاف الهادف والقادر على مخاطبة العقل وإقناعه ضمن خطاب إسلامي عقلاني متجدّد من خلال العودة إلى البذور الصافية وغرسها في بيئة تلائم متطلبات هذا العصر وتدعمها بأفكار تنويرية حداثية؛ لتكون جذوراً متينة متعمقة في أصول الثقافة الإسلامية. فضلاً عن الحفر والتنقيب في التراث لاستبعاد الشوائب التي تتعارض مع حنيفية الدين، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة". وعن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يُخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدّد الإيمان في قلوبكم". فالتجديد مطلب وحاجة لإعادة هيكلة الدين. لكنّ هذه الهيكلة مرتبطة حكماً بالأصل الذي لا يتعارض مع خصوصية الأمّة الإسلامية. والتجديد هنا يعني الإحاطة بالخطاب وإطلاق الصلاحية له ليكون القرآن والسنة النبوية هما الثابت في بناء قاعدة جديدة مرنة تحمي من الانجرار والانفلات.

العلم للخروج من مأزق الشمولية

قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "أطلبوا العلم ولو في الصين". إنّ الاعتماد على العلم كصيغة حضارية قادرة على مخاطبة متطلبات الحداثة والانفتاح على الآخر، كفيل بإخراجنا من مأزق القصور الفكري والذهنية العشوائية وصولاً للعقلية العلمية التي لا تتعارض مع الدين، بل يتعاضدان ليشكلا تراثاً فكرياً، عندئذ يصبح التفكير المنظم منهجاً نمارسه في حياتنا اليومية وفي علاقاتنا مع الآخرين، ومع العالم المحيط بنا. يقول آينشتاين: "العلم بغير الدين أعرج، والدين بغير العلم أعمى".

المواطنة والمدنية

إنّ دولة المواطنة هي البديل عن الفوضى والخراب، حيث تكون الحرية تحت لواء القانون، فعندما يشرع القانون حقوقاً عادلة بين الجميع على أساس المساواة تكون المواطنة نتيجة طبيعية يصل إليها الفرد، وتصبح ثقافة سائدة في المجتمع فتنعكس على فعالية الإنسان وتؤثّر بشكل إيجابي على حركة التطوّر والنمو التي تقتضيها ظروف العصر. إنّ مفهوم المجتمع المدني بما يحمله من صيغ الاعتدال والاعتراف بالآخر وترسيخ مبادئ الاحترام المتبادل يخفّف من وطأة التعصب، ويسير بركب المجتمع نحو انفتاح يحقّق أسس التسامح والعيش المشترك. إنّه ليس ضعفاً بل نبلاً وكرم أخلاق، ومن هنا نستخلص فكرة ارتقاء الإنسان لقيمه العليا وامتثاله لمنظومة الأخلاق السمحة في دينه والتعالي عن الإساءة ودفع الغلو لفرض جوٍ من المحبّة والإخاء، وربما تكون التجربة الماليزية خير دليل على ذلك.

يقتضي التسامح وجود الوعي والنضج لممارسة هذا الأمر ليس باعتباره فرضاً، بل باعتباره ثقافة، فالاعتراف بالآخر وتقبله ركيزة أساسية من ركائز السلم الاجتماعي المنفتح على عوالم المحبة والتشارك والتثاقف تحت مظلّة المواطنة والعيش المشترك.

إنّ اعترافنا بالآخر يعني الاعتراف بكيانه وحريته واستقلاليته الفكرية، أي الاعتراف بحقوقه المدنية، فالتوجه للمدنية بصورتها الرحبة لتكون دولة المواطنة هي الهدف المنشود الذي يحفظ حقوق الجميع. ويقول الدكتور عبد الله بوصوف في كتابه "الإسلام والمشترك الإنساني": إنّ مبدأ التسامح لم يغب عن مبادئ دولة المدينة في الإسلام، منذ وثيقة المدينة التي أرست قواعد الاحترام المتبادل وتقبل الآخر والمواطنة بين المسلمين واليهود. كما أنّ التعددية والتسامح حاجتان طبيعيتان، قبل أن يكونا صنوان لمفهوم واحد، فعلينا أن ننظر للتعددية كحل وليس كإشكال وأن يكون التسامح لعقلنة ظاهرة الاختلاف والحوار بين الأفراد والجماعات وتقريب وجهات النظر، فإنّ اندماج المسلمين في المجتمعات الأوروبية دليل على ذلك.

إننا اليوم، بأمس الحاجة للتحصين ضد التهديدات التي تواجه أمتنا، وذلك لدرء بذور التطرف والإرهاب، ونبذ كل ما يعيقنا ويشلّ إيقاع نهضتنا. فالحداثة تفرض رؤيتها وواقعها ومتغيراتها، ويتحتّم علينا ربّما، الإحاطة بهذه المقوّمات ومعرفة الأرضية المعرفية لها، لنتشرب فيما بعد أساليب الممارسة الصحيحة. إنه ليس ترفاً اجتماعياً أو مظهراً من مظاهر الحياة العصرية، بل هو حاجة ملحّة للنهوض بمجتمعاتنا من براثن التعصب.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية