هل الدين إلا الحبّ والتعايش والتسامح والحوار؟

 تزخر الكتب السماويَّة بالدعوات إلى التسامح، ويكاد ذلك يكون أبرز سماتها ونقاطها الجامعة. والحاجة إلى التعايش تزداد في المجتمعات المتعدّدة؛ كمجتمعاتنا العربيَّة، وتزداد بالمقابل، وبشكل تناسبيّ، محاولات ضرب هذا التعايش وإسقاطه.                   

ما يبعث على الأسى أنَّ البشريَّة، بعد أن وجدت نفسها قاب قوسين أو أدنى من تحقيق حلم التعايش الكامل بين أتباع الديانات المختلفة، تعود في رحلة عكسيَّة عبر الزمن إلى مرحلة البحث عن حدّ أدنى من تفاهم – يكاد يصبح مستحيلاً – بين الفرق الإسلاميَّة نفسها، في ظلّ ارتفاع أسهم أهل التعصب والغلوّ، وتنامي تأثيرهم على العامَّة؛ بفضل خطاب شعبويّ يدغدغ الغرائز.                                                                              

ولا يخفى على أحد أنَّ أمثال هؤلاء لا يكونون عادةً الأكثر معرفة بأحكام دينهم وتمسّكاً بتعاليمه، وهم إمَّا تابعون تقودهم هواجس مصطنعة ورثوها جيلاً بعد جيل، وإمَّا متبوعون يُلبِسون أفكارهم لبوس الدين لتحقيق مآرب سياسيَّة. وليس في الأمر صدفة أو مفارقة، بل الطبيعيّ والمنطقيّ أنَّ المرء كلما اقترب خطوة من جوهر الدين وحقيقته، وجد نفسه قد ابتعد مثلها عن التعصّب والكراهية.                                                                    

ولا يتحقق التعايش بكثرة الحديث عنه، بل لعلَّ المبالغة في ترداد شعاراته تستبطن اعترافاً صريحاً بالتقصير الفاضح في التطبيق، وهو لا يتحقق بقرار صادر عن جهةٍ ما؛ مهما بلغ شأنها، بل هو فعل إيمان مشروط، بتوافر النيَّة الصَّادقة لدى الجميع؛ دولاً ومؤسسات تعليميَّة وأفراد، وبالتراكم الذي يحتاج الكثير من الصبر.                                             

التعايش يعني قبول الآخر كما هو؛ من دون قناع أو نفاق أو افتعال، وأن لا نستميت في معرفة هويَّته العقائديَّة أو الدينيَّة؛ للحكم عليه من خلالها، وإنّما من أجل مراعاتها وتقديرها حقّ قدرها ومعرفة كيفية احترامها؛ بالمستوى الذي يطمئنه ويجعله مرتاحاً للاقتراب منك بإرادة حرّة؛ تجعل التعاون معه مثمراً لك وله على حد سواء. ما يعني أنّ التعايش هو أن لا نتوقف عند تفاصيل الاختلاف عن الآخر؛ باعتبارها عنواناً للتمايز والأفضليات بينك وبينه، وإنما من أجل أن نساعده في الحفاظ عليها؛ باعتبارها غنى للطرفين.

بمعنى أكثر وضوحاً، التعايش يعني أن لا تعلن الجماعة خطاباً وتضمر عكسه، وأن يكون ما يقال عن الآخر في البيت والمدرسة وبيوت العبادة هو ذاته ما يقال على المنابر، فينشأ الأفراد على قبول الآخر واحترام معتقده منذ نعومة أظفارهم، ولا يضطرون إلى ممارسة النفاق كسلوك يوميّ في انتظار لحظة لا يعلم إلا الله توقيتها، فيتوقد جمر الكره من تحت رماد النفاق أكثر اشتعالاً، وأكثر فتكاً من ذي قبل.                                                                            

ولمزيد من التبسيط، فمن العقبات الموضوعة عمداً في درب التسامح والتعايش في بلادنا؛ لثَني الناس عن سلوكه، تكريس اعتقادات ومفاهيم خاطئة في أذهان العامَّة، قائمة على الخلط بين مبدأ قبول الآخر، وبين تخلي الفرد أو الجماعة عن معتقدها أو خجلها به. ولا يستدعي هذا الخطاب كثير عناء؛ لبيان مدى تهافته وضحالته، ولكن ليس هناك بدّ من المرور عليه في هذه العجالة.                

ولكيلا يضيق العيش أكثر بالسَّاعين إلى المزيد من الألفة والتعارف والتعاون والانسجام بين المسلمين أنفسهم، وبين أتباع الديانات المختلفة، في هذه البقعة العزيزة من العالم وخارجها، فقد وجب توسيع فسحة الأمل؛ بعودة الوعي بضرورة التعايش وأهمية التسامح (دون أن يعني ذلك تنازلاً عن أية حقوق أو حقائق)، وقبول الآخر ما لم يكن معتدياً، ومسالمته ما لم يأتِ محارباً.                                                                     

ولن يتحقق هذا الهدف إلا إذا اضطلع كلّ من مكونات المجتمع بدوره وأدَّى واجبه، فتلتزم الدولة بتحقيق العدالة بين مواطنيها على اختلاف مشاربهم، فلا تخلق بينهم الحسد والبغضاء، وتعمل على إدخال مفاهيم التسامح في المناهج التربويَّة والتعليميَّة؛ بما يكفل تدريب الطلاب في جميع المراحل التعليميَّة الابتدائيَّة والثانويَّة والجامعيَّة على الانفتاح الذهني وحسن الاستماع والإنصات المتبادل والتضامن، ويتحلّى الإعلام بقدر كافٍ من المسؤوليَّة في ترجيح كفة التسامح وحسن تقبّل الغير؛ بدلاً من تحوّل كلّ وسيلة إعلاميَّة إلى ناطق باسم الجماعة التي تمثلها، ومروّج لثقافة العنف، ومحرّض أساسي في "لعبة الموت" تلك، وأن ينسحب ذلك على وسائل الإتصال الجماهيريّ كالخطب والأناشيد التي ينبغي أن تعتمد مضموناً رصيناً ومتسامحاً ومتعقلاً في الحديث عن الآخر المختلف، بحيث ينحصر شحن العواطف وإلهاب المشاعر على حالات الدفاع عن الوطن ضدّ العدوان الخارجيّ، فلا يدخل ضمنه تحريض الإنسان على أخيه في الدين ونظيره في الخلق بغير داعٍ؛ سوى الاختلاف، وتعزيز ثقافة الحوار انطلاقاً من مفاهيم الإسلام الذي يعترف للناس بحقّهم في الاختلاف واعترافه بالحوار والإقناع.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية