صناعة البيئات التفاعلية

ربما كان العالم في لحظة من التاريخ غير مكترث بأبعاد التطرّف الديني؛ رغم تحذيرات النخب في الشرق والغرب؛ من مخاطر استدعاء الدين كمحرّك للأيديولوجيا. ذلك لأنّ العقيدة عندما يتمّ توظيفها دون وعي، تتطوّر ولا تقف عند حدّ، وتخرج عن مسار السلم إلى العنف.

لأنّ العقائد التي يؤمن بها النّاس تقوم على مفهوم صلب مرتبط بـ (الحقّ والباطل)، فيمكننا تشبيهها بالبراكين النشطة، بمعنى أنّه من المرجّح أن تثور متى ما وُجد السبب؛ بالإضافة إلى عوامل أخرى تتعلّق بضعف الوقاية تحديدًا. ومن هذا المنطلق كانت تظهر في العصور الإسلامية المُبكرة، دعوات تنظيمية لإدارة نظام الدولة؛ على اعتبار أنّ السُلطة تحمي للنّاس معتقداتهم أيّاً كانت، وهي المسؤول الوحيد عن رعاية المجتمع وحمايته، فصلح الحديبية، والعام الذي يُعرف بعام الوفود ومنه وفد نصارى نجران، والمعاهدات مع يهود خيبر، وصولًا إلى وثيقة المدينة، كلّها شكّلت خارطة ذهنية حيال مفهوم الكيان، أي أنّ الدولة هي من تحفظ الدين/الأديان وليس ما يُشاع بأنّ الأخير هو من يُشكّل الدولة ويحفظها، ولهذا نجد الدولة في العصر الإسلامي المُبكر مع وجود الخلافات كانت تُعنى بضبط الحياة عبر علاقات محليّة وعلاقات دولية -إن صح التعبير- وما صلاة الغائب على النجاشي إلا تجسيد لهذه الحالة. 

لقد مرّ على العالم مرحلة صراعيّة دينيّة ذهب ضحيتها الكثير، واستمرت لسنوات طويلة تسبّبت في دخول الدول التي تُعاني حالة من الكراهيّة وصعود للعنف، ونحنُ اليوم نرى ظهور لتنظيمات متطرفة، ودعوات مؤدلجة عابرة للحدود لإقامة ما تُسمّى "الخلافة" والتي تشاطرها سياسات تلميحاً وتصريحاً عبر وسائل الإعلام، وشاهدنا أقسى صور التدمير وسقوط لمعاني الإنسانية، جعل الكثير من المنظمات تسارع لتعمل على تخفيف حدّة الصراع، ولقد ساهم رجال الدين المعتدلين من شتّى الأديان بتفعيل لغة "الحوار" كمحاولة للخروج من هذا المأزق وحتّى لا يتحوّل لكارثة يدفع ثمنها الجميع دون استثناء، وعلاوة على ذلك كانت هناك أدوار رياديّة لدول مؤثرة إيجاباً على السلم العالمي بتقديمها مشاريع عالميّة تخدم الإنسانية، تأتي الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة كدول سبّاقة في مجالات مكافحة التطرف ونشر التعايش خاصةً في السنوات الأخيرة التي برز فيها الإرهاب، ولا نُغفل هنا العمل التكاملي لكلّ من شارك في خدمة الإنسان دون تمييز.

ولأنّ التطرّف لن يتوقف - وهذه عبارة صادمة لنا- لكننا نستطيع أن نجعله خامدًا عبر اكتشاف مناطق وجوده، نوعه، قوته، تأثيره، مخاطره المحتملة، والعمل على تمكين وسائل الوقاية منه من خلال (صناعة البيئات التفاعلية الجاذبة) والتي يكون هدفها التعايش المشترك بإيجاد المشاريع التي تبتلع مصادر الكراهية، وتستهدف تحييد الخطر المتوقع حدوثه، وهذه فلسفة يجب الإيمان بها أولًا حتّى يكون العمل وما يتفرّع عنه مُقنعاً.

إنّنا اليوم نعمل على مواجهة مشكلة كبيرة، تتعدّد أسبابها وطرق معالجتها، كما تتباين تفسيرات حدوثها، وهذا يدعونا إلى قراءة أشمل تستقطب المجتمعات في العالم نحوها، وتحقّق قابلية عقليّة وعاطفيّة، ولعلّ هذا يكمن فيما مهّدنا إليه حول تلك البيئات الجاذبة، التي تلغي الجهل بالآخر (كما نظن)، وهي مرحلة أولى يجب القيام بها قبل أيّ شيء آخر.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية