الشعر قادر على تغيير العالم والتاريخ وأنسنة الإنسان

كلّ قصيدة ممهورة بعبق الإنسانية ومخضبة بأرجوان الخلاص هي قصيدة خالدة، نسافر من خلالها إلى كلّ الأزمان، ونتوارثها دهراً بعد دهر، وكلّ قصيدة مسكونة بروح الفلسفة ومشدودة بأوتاد العبقرية، هي قصيدة مكتملة نقرأ فيها سورة الحياة، ونحقق عبرها ذواتنا، وكلّ قصيدة مشبعة برحيق الكينونة ومحلقة بفضاءات الوجود، هي قصيدة متواصلة نجدّد من خلالها هويتنا الحضارية ونصون بها تراثنا وتاريخنا.

لا نريد للقصائد أن تنتهي، لا بل نريد لها أن تواصل رفد النفس بشذا المحبة والوئام والحنين، كما كانت تعبّر عن قيم ومبادئ وشموخ وأمجاد الماضي، وتوثق لحياة العرب الأصيلة والنبيلة والمليئة بالشجاعة والعنفوان والكرم، نريد لها اليوم أن تواجه القباحة بالجمال، وأن تتصدّى للعنف بالرفق، وأن تضمّد الجراح بالعطف والحنو، وأن تضيء شمعة في نفق الظلام؛ لأنّ الشاعر حينما يكتب أروع المعاني والمفردات، يطلق صرخة مدوية في وجه البشاعة والبؤس والجهل، ويحرّك المشاعر الميتة الرازحة تحت نير المظلوميات التاريخية والحضارية. وكلّما أرخت القصائد ظلّها على المجتمع، كلما تفتّحت براعم المحبة والتسامح والرأفة، ويبست أشواك الكراهية والعصبية والرذيلة.

من هنا تحضرني وقفات العزّ لمبدعين وشعراء سخّروا أقلامهم في الدفاع عن قضايا التحرّر والتنوير والنهضة، وضحّوا بأنفسهم من أجل كلمة الحقّ والعدالة والمساواة، من بينهم الشاعر والأديب الفرنسي الكبير فولتير الذي أطلق رسالته الشهيرة في التسامح، فكانت صرخة جريئة في وجه التعصب الديني ومنطق محاكم التفتيش، حيث وقف مدافعاً عن قيم التنوير وحرية الاعتقاد، وتكريس التسامح الديني وقبول الآخر، ومما قال في هذه الرسالة: " كن شديد التسامح مع من خالفك الرأي، فإن لم يكن رأيه كلّ الصواب فلا تكن أنت كل الخطأ بتشبثك برأيك". ويرى فولتير أنّ الحق في التعصب حقّ عبثي وهمجي، وأننا أفنينا بعضنا بعضاً من أجل مقاطع في هذا النص أو ذاك. ودعا في رسالته إلى تعليم الفلسفة بالنظر إليها شقيقة الدين، وهي من نزعت السلاح من أيدي من غرقوا في معتقداتهم الباطلة، فأفاقت العقول البشرية من سباتها.

تحتاج الأمة اليوم إلى مثل هذا النوع من الكلمات التي تهز الوجدان وتوقظ العقل من سباته وتحرّك المشاعر الإنسانية المترمّدة؛ بفعل الجهل وبسبب الحروب غير المجدية، والانقسامات غير المقنعة؛ تحت عناوين وشعارات بالية وواهية، وبات الناس يمشون وراء أهواء مزيفة لا تمتّ للحقيقة بصلة، وبعد أن قادت الأمة حركة التنوير والنهضة والشعر وأنجبت الشعراء وأعظم القصائد وصدّرت الحرف إلى العالم، تحولت اليوم إلى أمّة ضائعة وبائسة لا مكان للشعر أو الإبداع فيها، فالإسلام الذي أعطى درساً كبيراً في التعايش والتعاون والرحمة منذ وثيقة المدينة ومروراً بالعصر العباسي الذي تميز بالازدهار والتعايش والسلم وصولاً إلى هذه اللحظة الراهنة حيث انقلبت الأمور رأساً على عقب، فتعرضت الأمة إلى التقسيم وجرى تذويبها طائفياً ومذهبياً وعرقياً، وانكفأ فيها الشعر وصوت الضمير لمصلحة الخطابات والسجالات التي لا تغني ولا تثمن، وبقدر ما للقيادات الدينية من دور في تصويب البوصلة وتصحيح الأخطاء والمفاهيم، كذلك للشعراء دور كبير في رفع مستوى الوعي والثقافة والتحرّر، وتسجيل لحظات إنسانية تاريخية، لا يمكن نسيانها، لحظات عابرة للكون ومحفورة في الوجدان العالمي.

حين نتحدث عن الشعر، فإنّنا نقف على ضفّة الحكمة وبلاغة القول وجزالة العبارة، لما يكتنزه من معارف وحقائق وأخيلة، وهو يرصد الحياة بكلّ جوانبها، ويواكب المتغيرات، ويدعو إلى القيم الإنسانية والتعاون والإخاء والتآزر، ويزرع الابتسامة في فم الحزن، ويوحد الناس ويلمّ الشتات، ويضيء الدروب باتجاه آفاف إنسانية رحبة، وهو عالمي وفلسفي أكثر من التاريخ كما يقول ارسطو، لكنه لم يتقدّم كبديل من الدين كما يرى أنسي الحاج، ويعبِّر ابن عربي عن مبدأ الحوار ووحدة الأديان وضرورتها لتحقيق السلم في العالم بتعبير شعري بليغ:

لقد صار قلبي قابلاً كُلّ صورةٍ                 فمرعىً لغُزلانٍ ودَيْرٌ لرُهبان

وبيتٌ لأوثان وكعبةُ طائفٍ                     وألواحُ توراةٍ ومُصحفُ قرآنِ

أدينُ بدين الحُبّ أنّى توجَّهَتْ                  ركائبُه، فالحُبُّ ديني وإيماني

 

 

لقد عبّر الشعراء أجمل تعبير عن القيم الكبرى في الحياة، وعن حضارة الفكر الإنساني وعظمته، واهتموا بإعلاء قيمة الأخلاق لنيل العزّة والكرامة والشرف، فالأخلاق قبل التديّن، ولا قيمة للعبادات ما لم تكن محاطة بحسن الخلق، إذ "إنّ تحدي هذا العصر هو المحافظة على الأخلاق" كما يقول معالي الشيخ عبدالله بن بيّه، من هنا مجّد أمير الشعراء أحمد شوقي الأخلاق بقوله:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت                     فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 وقد أكد هذا المعنى في كثير من روائع قصائده.. مثل قوله:

وإذا أصيب القوم في أخلاقهم                  فأقم عليهم مأتماً وعويلاً

وأقول إن الأخلاق ضرورة وسبيل مشترك بين الإنسانية، وهي أقصر الطرق وصولاً إلى تحقيق السلام العالمي، فحيثما تكون الأخلاق، يفرد التسامح أجنحته، وتتقدم العدالة على كلّ شيء، فتتخذ القصيدة من هذا الرقي ثوب الخصوبة والماء، وتستمر في صعودها حتى تخوم العالمية.

يقدر الشعر أن يؤثر في تغيير العالم والتاريخ وأنسنة الإنسان، متى ما تحول إلى طاقة إنسانية متجددة، ومتى ما أنشئت "علاقة جديدة بين الكلمة والكلمة، والكلمة والإنسان" كما يقول أدونيس، ولأنّ دور الشعر متنوع وكبير، فإنه يعدّ وسيلة كونية للتقارب بين الشعوب، مثله مثل الموسيقا التي تمدّ جسور التواصل بين مختلف الحضارات والثقافات، فضلاً عن إسهامه في صنع السلام وإنجاز ما عجز عنه الكثير، لأنّه يحاكي الروح ويدخل في الأعماق ويستقرّ في النفس.

يجسد الشعر أحلامنا عن السلام والعدالة والمساواة والسعادة، "ما هو الشعر إن لم يساعد على الأحلام؟" – بابلو نيرودا، وينقل لنا صوراً جميلة عن حالات تحققت فيها هذه الأحلام بفضل الإرادة والعزيمة والأخلاق والإيمان بأهمية التسامح طريقاً نحو ازدهار الأوطان وتطورها، والارتقاء بقيمة الإنسان الذي هو محور التنمية والنهضة والتنوير، فلا يمكن أن تقوم قائمة لأي أمّة إذا انشغلت عن بناء الإنسان، وعجزت عن مواكبة التطور الحضاري والثقافي، وانغمست في الترويج للأفكار المزيفة والترهات والأساطير، فما فعلته دولة الإمارات العربية المتحدة من خلال ترسيخ مبدأ التسامح في حياتها وأنظمتها هو دليل ساطع على إمكانية تعايش وتعاون مختلف الأديان والثقافات والمعتقدات تحت سقف واحد باحترام ومحبة ووئام، وقد عبّر الشاعر محمد أحمد خليفة السويدي عن ذلك بقوله:

وأصبحت دولة ترنو القلوب لها               فيها التسامح والأخلاق والشيم

هذا هو الشعر الحقيقي الذي عاش من عصر إلى عصر، ومن بيئة إلى بيئة، وبين تحوّل وتغيير، فكلّ شعر ذي رسالة إنسانية لن يمحوه النسيان من الذاكرة، وسيكتب له الخلود في وجدان الأجيال المقبلة، وسيتردد صداه أبد الدهر، فكما عاشت القصائد القديمة في كلّ ضمير وقلب لما كان لها من وقع وتأثير في صنع التغيير، نأمل أن يكون لقصائد اليوم التأثير نفسه، وتلعب دوراً في حوار الحضارات من خلال الترجمة والتبادل الثقافي، فالكلمة أمضى من السيف، والشعر أقوى من كلّ سلاح وحرب، إذ يموت الجميع ويبقى الشعر شامخاً لا يفنى. وأختم مع ابن الرومي الذي عبّر عن دور الشعر بأنه يُحيي المجد والبأس، حيث يقول:

أرى الشعرَ يُحيي المجد والبأس               بالذي تبقِّيه أرواحٌ له عطراتُ

وما المجد لولا الشعر إلا معاهد               وما الناس إلا أعظمٌ نخراتُ


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية