التسامح مع النفس يشق الطريق إلى تفهم الآخر المختل

       يعتقد البعض أنّه حين يسامح، أو يتسامح في معاملة شخص ما، أنه يمنُّ عليه؛ بمكرمة فائضة بالسعادة والسلام النفسي والمعنوي، لكنّ الحقيقة أكبر من ذلك بكثير! فالتسامح؛ وإن منح الآخر شعوراً إنسانياً دافئاً وطاقة إيجابية، لا يختلف عليها أو حولها أحد، إنما النصيب الأكبر من الراحة والسعادة والصفاء النفسي والسلام الداخلي؛ يحصل عليه المتسامح، ويتجلى أثر ذلك الشعور على روحه، وتظهر مؤشرات الاتزان أو التوازن على صحته البدنية والنفسية، ليس هذا فقط بل تقوى مناعته، ويصبح مقاوماً للأمراض، وأكثر قدرة في مواجهتها، حسب الأبحاث العلمية، المتعلقة بأمراض النفس والمناعة وغيرها.

المفارقة اللافتة، أن البعض يتوهم بأنه يُسْعِد الآخر بتسامحه معه، في حين أنه يُسْعِد نفسه أولاً وأخيراً؛ دون أن يدري! ولا أبالغ في القول: لا يعرف السعادة الحقيقية في هذا الحياة من لا يعرف التسامح، ولا يعرف بالضرورة لذة التسامح، من لم يدرك قيمة الاختلاف وجوهره؛ بل ومتعته أيضاً، ولم يفقه حقاً كيف يتعايش مع الآخر المختلف؟! وقد أراد الله سبحانه وتعالى الاختلاف بين الناس، وهو أمر لا يحتاج إلى جهد لإثباته إلا من أصحاب العقول المريضة والنفوس الخربة؛ فتلك مشيئته سبحانه وتعالى، فهذا أبيض وذاك أصفر، هذا مسيحي وذاك بوذي؛ فتلك إرادته ومشيئته في خلقه (ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة)، وما كان أيسر ذلك على الله أن يجعل جميع خلقه أنماطاً ونسخاً مكررة، لونهم واحد ودينهم واحد، لكن حكمته اقتضت التنوع، وقد قال جلّ شأنه في كتابه الكريم "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا"، أي لنتعارف ومن ثمّ نتعاون ونتبادل المنافع والثقافات والعلوم، بل ونتزاوج ونتصاهر ونتشارك فى العمل والحياة، ويدفع بعضنا بعضاً نحو خلافة الأرض وعمرانها إلى أن تقوم الساعة، وكذلك خلق الكون من حولنا على قاعدة التعدد في الأرض والسماء، وما بينهما من الكائنات، وأقر التنوّع ميزة للكون بكلّ ما فيه، فكيف يمكن للإنسان، أي إنسان، مهما كان لونه أو دينه أن يتمّ له ذلك التعارف المذكور في الآية الكريمة؛ بمعناه الواسع دون أن يؤمن مبدئياً بحقّ الآخر المختلف في الحياة والوجود، ومن ثمّ الماء.. الهواء.. الحلم.. الأمل.. العمل، وفي حقّه كذلك أن يكون له وطن؟! فإذا آمن الإنسان بذلك الحقّ للآخر؛ صار التعايش مع ذلك الآخر فريضة عليه تفرضها ضرورة الحياة نفسها؛ قبل أن تفرضها السماء بشرائعها، ويفرضها العقل بمنطقه السليم، وتفرضها الفطرة الإنسانية التي أكدت أنّ الإنسان كائن اجتماعي بطبعه لا يستطيع أن يحيا منعزلاً.

ولعلّ ما يدهشني فعلاً ما أراه من البعض ممن يعتقدون - واهمين - أنّهم يعرفون الله جيداً؛ ربما أكثر ما يعرف الله جل وعلا ذاته، وأنهم يدركون حكمته ومراده من خلقه، أكثر ما يدرك هو نفسه سبحانه وتعالى؛ ذلك المراد وتلك الحكمة، وأنّهم يفهمون رسالة الإسلام وجوهرها أعمق مما يفهمها صاحب الرسالة جلّ شأنه، وأعمق كذلك مما فهمها حاملها إلى الناس، ومبلغها إلى جميع الأنام، سيدنا ومولانا محمد صلوات الله وسلامه عليه! بينما هم في الحقيقة لم يبلغوا من بحر الفهم إلا ما بلل أصابع أقدامهم!

وأرجوك لا تندهش عزيزي القارئ الكريم، فإنّي أكاد أرى السؤال على  شفتيك متأهباً للانطلاق، تريد أن تسأل: "وهل هناك من يجرؤ على الاعتقاد بأنّه أعلم من الله بمراده وأفهم من الرسول الكريم لجوهر الرسالة؟!".. وأجيبك بأنّ نعم.. نعم.. نعم، هناك من يتصور ذلك فعلاً ولو بغير وعي أو قصد فيكونون كالذين "ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا".. ولكن كيف؟.. أجيبك ثانية: هذه الفئة؛ ومن عجب، آمنوا بالله الواحد الأحد خالق الكون، أو هكذا تصوروا، ثمّ أنكروا بذات العقل الذي آمنوا به إرادة الله في الاختلاف والتعدّد، وراحوا ينكرون على أيّ آخر حقّه فى الوجود!!  فيكف بالله عليكم تؤمنون بالله، ثمّ تكفّرون بمراده، وتبدّلون حكمته وتطرحون حكمة بديلة، تقضى بفردانية وجودكم أنتم فقط دون غيركم، وتجحدون حقوق الآخرين في الحياة والاختيار والاعتقاد. وتعمدون إلى إقصائهم وإذلالهم بل وتطهير الأرض منهم، وربما قتلهم والتمثيل بهم فقط لأنّهم "مختلفون" لوناً أو عرقاً أو ديناً أو مذهباً، معتقدين أنّكم تحققون بذلك مرضاة الله، وأنّكم تحافظون على دينه وتحمونه؛ فخورين بما تفعلونه أمام السماء، موقنين في رضا الله والجنّة!! والحقيقة أنّكم تعادون الله ذاته بما تفعلون!

على أنّ التسامح والتعايش الحقيقي يبدأ أولاً بين الإنسان ونفسه المليئة بالمتناقضات والاختلالات المربكة أحياناً، فأنت صباحاً قد لا تكون أنت في المساء؛ يختلف رأيك، يتبدل شعورك، تذهب قناعاتك، فإذا استطعت أن تتسامح أولاً مع نفسك وألا تقسو على روحك، التي تسكن بدنك وتتقلب بين جوانحك؛ كطفل تائه؛ ستكون قد عرفت الطريق إلى تفهم الآخر المختلف، واستيعابه بمشكلاته وأزماته النفسية وهمومه الإنسانية، التي يئنّ منها كما تئنّ أنت تماماً، ومن ثمّ التعايش معه في سلام وإنسانية تشملكما معاً، والآخر هنا مفهوم تنفتح مدلولاته على كل آخر، بدءاً من الأخ ابن أبيك وأمّك إلى الأخ فى الإنسانية مهما كان لونه أو جنسه أو دينه. فالآخر هو الشريك في الوجود قبل أن يكون شريك العمل أو البيت أو الوطن.

إذاً لا تسامح ولا تعايش بدون آخر تتسامح وتتعايش معه، والتسامح منازل ودرجات، فالتسامح مع الآخر المختلف في الدين أو المذهب هو أرقى وأعظم أنواع التسامح الإنساني؛ لأنّه اجتثاث لجذور أشد أنواع التعصب عند الإنسان، وهو التعصب للدين، وهنا نقف لنعيد المقولة من جديد: إنه لا يعرف السعادة الحقيقية في هذه الحياة من لا يعرف كيف يتسامح! ولا يعرف لذة التسامح بالضرورة من لم يدرك بعد جوهر الاختلاف وحكمته الربانية، وقيمة التنوع، وضرورة التعدّد؛ لاستمرار الحياة على الأرض بسلام.

وقد سعدت شخصياً بأن منحتني الظروف أكثر من فرصة لزيارة دولة الإمارات العربية الشقيقة، وانصهرت لأيام طويلة في تجربة تعايش مؤقتة؛ طوال فترة الزيارة، وتعجبت كثيراً تعجباً بطعم الفخر متسائلاً: كيف استطاعت دولة الإمارات صنع تلك الحالة المدهشة من التعايش على أرضها؛ بين ألوان وأجناس البشر على اختلاف هوياتهم ودياناتهم؛ بهذا الشكل الذي يشبه الحلم؟! إذ قدمت نموذجاً راقياً جداً لكيفية التعايش الإنساني الحميم بين البشر من مختلف الهويات والأعراق، تظللهم جميعاً مظلة العدالة والإنسانية، وهو النموذج الذي ربما عجزت عن تحقيقه بعض دول أوربا؛ رغم منجزها الحضاري؛ إذ يظل هاجس العنصرية يطلّ من حين إلى آخر بوجهه الكئيب على غير الأوربيين من المهاجرين، وخاصة العرب والمسلمين هناك. أمّا الإمارات فقد استفادت من منجز الحضارة الغربية والإنسانية بشكل عام؛ لاسيمّا جانبه الإيجابي؛ فيما يخصّ حقوق الإنسان وحريته وحقّه في الحياة الكريمة، وأضفت عليه ميراثها العربي والإسلامي الأصيل، المفعم بالأخلاق والدفء والحميمية والكرم والمروءة؛ لتقدّم للعالم خلطة حضارية سحرية عجيبة ومتفردة فى المنطقة، وضعتها في مصاف الأوطان التي تهاجر إليها القلوب قبل الأجساد والأرواح. حفظ الله أرض الإمارات وشعبها وأطال عمر حكامها ومسؤوليها ووفقهم لما فيه خير الإمارات والأمّة العربية والإسلامية دائماً وأبداً.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية