العلاقات التفاعلية بين البشر ضرورات حياتية وحاجات إنسانية

  • المشتركات العامَّة ميدانٌ فسيحٌ للتعارف والتلاقي يفتح آفاق التواصل بين الشعوب
  • الحرية مطلبٌ إنسانيٌّ أصيلٌ يُمكن أن نجتمع عليه ونتعارف على أساسه
  • العلم أساسَ التفاضُل بين البشر والعمل ثمرةَ الإيمان النابعَ من القلب الصادق
  • العدل بين الناس أحد مُقوِّمات الحياة وهدفُ جميعِ الرِّسالات السماويّة
  • الأفكار البناءة تبني مجتمعاً يقوم على احترام الآخرين ومشاركتهم في الفكر والثقافة والمحبة
  • القيمَ الإنسانيّةَ في الإسلامُ مبادئ أساسية ترفعَ من قيمةِ الإنسان وشأنِه
  • لو طوّعنا أنفسنا على تفهم ومحبة الغير وقبول الاختلاف لكنّا أسعد كثيراً مما نحن فيه

 

       رغم الانشطار المعرفي والثقافي الهائل والمتنوع والواسع الذي وصلنا إليه، ستبقى المعرفة ضالة العالم التي نلهث خلفها ونركض ورائها دون توقف لاكتشاف أسرارها؛ فما بالك ومنذ أن خلق الله البشر، والعالم يبحث عن الإنسانية، ويبحث من خلالها عن الآخر بالتواصل والعلاقات والمعرفة، حيث تكونت الحضارة الإنسانية من جميع المشتركات المعرفية والثقافية التي عبرَ الإنسان من خلالها عن حاجته للآخر معرفياً وإنسانياً؛ ليشكّل معه لغة واحدة تتجاوز كل الاختلافات المعرفية والبحث عن تطويرها.

       بوجود علاقات تفاعليّة بين البشر التي هي من ضرورات الحياة للتواصل بينهم، بغض النظر عن جنسهم أو لونهم أو معتقداتهم، وهذا النمط من العلاقات يحتاجه البشر في حياتهم اليوميّة، حيث إنّ حاجات الإنسان في كثير من الأحيان متعلّقة ومرهونة بما عند غيره من البشر. وقد مرت العلاقات البشرية بمراحل متعددة حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن، وتطور هذه العلاقات يخضع تلقائياً للعصر ومنجزاته، وهناك آثار تترتب على إيجابيّة العلاقات بين البشر.

ومن أهم مبادئ الإنسانية: أن احترم إنسانيتك، وتحترم إنسانيتي؟!

       فهل فهمها الإنسان فعلاً على وجه العموم دون ذكر جنسه؛ لونه؛ معتقده؛ وحتى عرقه؛ إنّ الإنسان هو الإنسان خلق من روح وجسد وعقل، ولكن حين يحرم الإنسان من إنسانيته كيف يكون؟!

       إنَّ المشتركات الإنسانية العامة هي الأمور التي يشترك في أصولها وفروعها كلُّ الناس، والذي لا يحمل هذه المشتركات هو في الحقيقة ليس إنسانًا! وهذا يعني أنّ هذه المشتركات ضروريَّة تماماً للحياة، والتعرُّض لها بالأذى أو الضرر لا يعني إلَّا شيئاً واحداً هو الحرب والصدام! لكن في الوقت نفسه يُمكن للبشر جميعا بسهولة أن يجتمعوا على هذه المشتركات؛ لأنَّهم يُقدِّرونها ويحرصون عليها. ومن المؤكد أنَّ البشر جميعاً يشتركون مع بعضهم بعضاً في عددٍ كبيرٍ من المشتركات تحت مسمى "المشترك الإنساني"، وكان أول وأهم هذه المشتركات هو العقيدة،  مع اختلافات في التصور الإلهي بين الأديان السماوية.

       فهذه المشتركات العامَّة ميدانٌ فسيحٌ للتعارف والتلاقي، يفتح للجميع آفاقًا كثيرةً للتواصل بين الشعوب، فالمشتركات الإنسانيَّة العامَّة تشمل: الاحتياجات الأساسيَّة المادية للجسد الإنساني التي تحميه لكي يعيش، والعقل، والأخلاق الأساسيَّة، والتملُّك، والكرامة، والحريَّة، والعلم، والعمل.

       ما الاحتياجات الأساسية التي لا يُمكن للإنسان أن يعيش من دونها هي: الطعام، الشراب، اللباس، النوم، المكان الذي يأويه، وقد وضعتُ هذه الاحتياجات على قمَّة المشتركات العامَّة، على الرغم من أنَّ هذا قد يُغضب بعض العلماء والفلاسفة الذين يرفعون القيم الأخرى فوق الطعام والشراب، وعلى الرغم -كذلك- من أنَّ هذه المشتركات لا يشترك فيها الإنسان مع أخيه الإنسان فقط، بل يشترك فيها كذلك مع الحيوان، وهو الأدنى مرتبةً من الإنسان، فلهذه الاحتياجات حتميَّة لا يُمكن تأجيلها بحالٍ من الأحوال، ولا يُمكن الصبر على فواتها؛ ولذلك فالصراع عليها سيكون أعتى وأشدَّ، وثانياً: شيوع هذه الاحتياجات في كلِّ البشر، بينما يُمكن أن تجد بعض الأقوام تنتكس فطرتهم فلا يهتمُّون ببقيَّة المشتركات العامَّة -على عظم أهميَّتها- لكنَّهم لن يستطيعوا إغفال حاجتهم للاحتياجات الأساسيَّة، وثالثًا: لأنَّ بقيَّة المشتركات العامَّة تحتاج إلى ذهنٍ صافٍ، وعقلٍ متَّقدٍ، وبالٍ هادئ، ولا يُمكن الوصول إلى هذه الحالة النفسيَّة في ظلِّ تهديد الاحتياجات الأساسيَّة، ورابعاً: لأنَّ الله عزّ وجل عندما أدخل آدم الجنة - كما حكى القرآن الكريم - طمأنه على أهمِّ ما سيشغله عند دخوله الجنة، فقال له: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى* وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى) طه: 118، 119، وقال: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا) الأعراف: 19، فقد علم الله عز وجل أنَّ هذا الخَلق الجديد سينشغل أوَّل ما ينشغل بقضايا الطعام والشراب واللباس والسكن والزوجة، فوَفَّر له كلَّ ذلك من البداية، ولتصبح هذه هي كبرى اهتمامات بني آدم بعد ذلك.

       وليس في تقديم الاحتياجات الأساسيَّة على غيرها من المشتركات أيُّ نوعٍ من التدنِّي في الإنسانيَّة، فهذه غريزةٌ يفنى الجسد من دونها، وتضيع نعمة "الحياة" كلها، وقد أَمَرَت كلُّ الأديان بالحفاظ على النفس، ولم يُخالف في ذلك عالِمٌ ولا فيلسوف.

       أما المشترك العام الثاني فهو العقل، وهو الذي يُمَيِّز الإنسان على بقيَّة المخلوقات، وبه يُصبح الإنسان مسؤولاً عن تصرُّفاته وأفعاله، وغياب العقل يرفع التكليف والمسؤوليَّة من على الإنسان، من هذا المنطلق جاءت النظرية التي تدعو الشعوب إلى الالتقاء على الأمور التي يقبلها العقل بشكلٍ عامٍّ.

       أمَّا المشترك الإنساني العام الثالث فهو الأخلاق الأساسيَّة هي: الصدق، الأمانة، العدل، الكرم، الشجاعة، الصبر، والحلم، لكن من منطلق النظريَّة أبحث عن الشيء الذي لا يختلف عليه شعبان في الدنيا؛ ومن ثَمَّ أعتبره مشتركاً إنسانياً عاماً، ويُمكن عندها أن نلتقي عليه، وأن نتعارف على أساسه، ويُمكن كذلك أن نُدرِك أنَّ التعدِّي عليه لا يعني شيئاً سوى الصدام.

       ويأتي "حُبُّ التملُّك" كمشتركٍ إنسانيٍّ عامٍّ رابع يجتمع أهل الأرض جميعاً على الاهتمام به واحترامه.. وهو مشتركٌ يبدأ من الأيَّام الأولى لأيِّ طفلٍ مولود، ويستمرُّ مع الإنسان حتى آخر لحظات حياته، بل يُؤْثِر الإنسان أن يجعل ملكيَّة ما حَصَّله على مدار السنين لعقبه وأولاده من بعده، الذين هم جزءٌ منه، فكأنَّه ما زال يملك بعد موته، بل إنَّ بعض الأقوام - كالفراعنة مثلًا- كانوا يدفنون مع الميِّت المجوهرات والأشياء الخاصَّة التي كان يمتلكها الميِّت قبل وفاته؛ لتستمرَّ ملكيَّته لها حتى بعد مفارقته لحياة الناس! فإنَّها غريزةٌ عند كلِّ البشر!

       أمَّا المشترك الإنساني العام الخامس فهو الكرامة، وهو مشتركٌ بين كلِّ البشر كذلك، ويعلو عند البعض، ويقل عند آخرين؛ نتيجة عوامل تربويَّةٍ معيَّنة، لكنَّه موجودٌ على كلِّ حالٍ في كلِّ الناس، ولقد ذكر الله عز وجل ذلك الأمر في حقِّ كلِّ الخَلْق، فقال: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) [الإسراء: 70]. وكلُّ الناس بنو آدم، إذًا فالتكريم لكلِّ الناس، بصرف النظر عن دينهم أو لونهم أو جنسهم أو وطنهم أو الزمان الذي عاشوا فيه؛ لذلك اهتمَّ عقلاء العالم بالحفاظ على كرامة الآخرين، وهذا كان يكفل تعارفاً وثيقاً، وتواصلاً حميماً. إنَّ الكرامة لهي من أهم خصائص البشر، بل إنَّها تعلو عند بعض النفسيَّات، وعند بعض الشعوب حتى تربو على الاحتياجات الأساسيَّة من طعام وشراب، وقديماً قالت العرب: "تجوع الحرَّة ولا تأكل بثدييها". فألم الجوع أهون ألف مرَّةٍ من ألم خدش الكرامة، بل الموت أحياناً يُصبح مرغوباً إذا كان دفاعاً عن الكرامة. فالحياة الذليلة ليست في واقع الأمر حياة، ومَنْ لم ينظر إلى هذا المشترك بعين الاعتبار، فهو يبحث عن صدام لا نهاية له!

أمَّا المشترك الإنساني العام السادس فهو الحريَّة، وهي كذلك غريزيَّة في كلِّ إنسان؛ بل يشترك فيها مع الإنسان سائر المخلوقات، وما هذا الحيوان الذي يقبل بحبسه؟ وما الطائر الذي يرضى بتقييد حريَّته؟ فكيف بالإنسان؟!

       إنها من القِيَم التي عظَّمَها الإسلامُ، والتي من شأنها أن تَجعلَ الإنسانَ سيِّداً في الكون، ومُسخَّراً لله تعالى، ومن الجدير بالذكر أنَّ الحريَّة تُحرِّرُ الإنسانَ من كلِّ أنواع الضغط، والذلِّ والقَهْر، وللحريّة عدّة أنواع، منها: الحريّة الدينيّة، والحريّة الفِكْريّة، والحريّة السياسيّة، والحريّة المَدَنِيَّة.

       إن كلُّ سكَّان الأرض بلا استثناء يُقَدِّرون الحريَّة، بل ويُقَدِّرون الشعوب التي تُجاهد من أجل حريَّتها، حتى إنَّنا نرى كثيراً من سكَّان الدول الاستعماريَّة يُنادون حكوماتهم أن يرفعوا أيديهم عن البلاد المحتلَّة، وأن يُعطوا شعوب العالم حريَّتهم.. إنَّها مطلبٌ إنسانيٌّ أصيلٌ يُمكن أن نجتمع عليه، ونتعارف على أساسه.

يُعرِّف الإسلامُ القيمَ الإنسانيّةَ بأنّها عبارةٌ عن مجموعةٍ من المبادئ التي تهتمُّ باحترام الإنسان، وحريّاته، وحقوقه، وعرضه، ودمه، وعقله، ونسله؛ وذلك لأنَّه يَنظرُ إلى الإنسان بوصفه جُزءاً لا يتجزَّأ من المُجتمَع، حيث جاء الإسلام بمجموعة من القِيَم؛ ليرفعَ من قيمةِ الإنسان وشأنِه.

       ويُعتبَرُ العلم من القِيَم العُليا؛ حيث تقوم حياة الإنسان الدينيّة والدنيويّة عليه، كما أنّه طريق الإيمان، وقد جعلَه الإسلام أساسَ التفاضُل بين البشر، واعتُبِرَ أنّ أهل العلمِ هم المُؤهَّلون لتقوى الله وخشيتِه.

       بالنسبة إلى العمل فيُعتبَرُ ثمرةَ ونتيجةَ الإيمان؛ حيث إنَّ الإيمانَ النابعَ من قلبٍ صادقٍ تأتي ثمارُه بالعمل؛ ولذلك نرى الإسلام يَقرِنُ العمل بالإيمان، ويُقصَدُ بالعمل بَذْل الإنسان ما في وُسْعِه لتحقيق الخِلافة في الأرض، وعمارتِها، وعبادةِ الله عز وجل، وهي الغايات التي خُلِقَ من أجلِها.

       أخيراً يمثل العدل أحد مُقوِّمات الحياة الأسريّة، والاجتماعيّة، والدينيّة، كما أنَّه هدفُ جميعِ الرِّسالات السماويّة، ويُقصَدُ به أن يأخذَ كلُّ ذي حقٍّ حقَّه دون تبخيسٍ أو طُغيان، ويكون العدلُ بين الناس، كما أنَّه يكون مع النفس أيضاً، ويُقصَدُ بذلك أن يُوازِنَ الفردُ بين حقِّ نفسِه، وحقِّ ربِّه عليه، ومن صور العدل: العدل في الأسرة بين الأبناء، ومع الزوجة، وعدل الفرد مع من يحبُّ ويكره، بحيث لا تدفعُه عاطفة الحبِّ إلى المُحاباة بالباطل، أو تمنعُه عاطفة الكره عن إعطاءِ الحقِّ لصاحبه.

فنحن البشر جبلنا على فطرة الاختلاف حتّى في البيت الواحد ولو طوّعنا أنفسنا على تفهم ومحبة الغير وقبول الاختلاف لكنّا أسعد كثيراً مما نحن فيه، فالله سبحانه للجميع ونادى في كتبه السماوية بالمساواة والمحبة فنجد في القرآن المجيد قوله تعالى: "إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم".. ويتكرّر مثل هذا في الكتب السماوية الأخرى، فلا نجد صيغة التفريق بين إنسان وآخر وبين أمة وأخرى، ويؤكد نبينا عليه الصلاة والسلام في حديثه الذي يقول فيه: "الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار". فهذه المشتركات الثلاثة هي أساس الحياة وإن تغيّرت وازدادت ونعتز كثيراً بقول الإمام علي رضى الله عنه وكرم وجهه: "الناس إثنان: أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".  فعلينا والحال هذه أن ننظر للآخرين بمنظار إنساني وقلب واسع، فلسنا أفضل من غيرنا، يجب أن نبذر هذه الأفكار البناءة في أطفالنا منذ الصغر حتى تنمو معهم، وبهذا نبني مجتمعاً قائماً على احترام الآخرين ومشاركتهم في الفكر والثقافة والمحبة.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية