الأدب والفن والفلسفة والبحث عن مشترك الإنساني

لعل السؤال الذى يطرح نفسه علينا منذ البداية ما المشترك الإنساني؟ ما الذي يوحّد البشر؛ رغم اختلافاتهم العرقية والمذهبية والدينية والسياسية؟ ما الأبعاد التي يلتقي فيها البشر جميعاً؟ ما الأرض المشتركة أو إن شئنا الأرض السعيدة التي يمكن للبشر أن يصلوا إليها؟

 الإجابة عن هذه التساؤلات تدخل في نطاق الطموحات الإنسانية، وهي طموحات وإن بدت صعبة، إلا أنها ليست مستحيلة، شأنها شأن كلّ الأحلام والتطلعات الإنسانية النبيلة.

 

إنّ فكرة المشترك الإنساني تعكس رغبة الإنسان وتشوّقه إلى الحبّ والسلام والإخاء والعدل والحرية والتسامح، وإلى كلّ ما يقوّي التقارب والتضامن بين البشر. ومن المجالات التي نجد فيها أصدق تعبير عن هذه التطلعات الإنسانية الراقية، الأدب والفن والفلسفة، وكافة مجالات الإبداع الإنساني التي تحرّرت - ولو بصورة جزئية - من كل التحيّزات والانتماءات العرقية والأيديولوجية، فالفن والأدب لديهما القدرة على التعبير عن ما هو عام أو كلي في حياة الإنسان، ولكنه ينطلق مما هو جزئي وخاص في الواقع الإنساني؛ ليصل إلى ما هو عام وكلي في التجربة الإنسانية عموماً. فأعمال دوستويفسكي وشكسبير وغوته وبلزاك وأندريه مالرو وألبير كامو وسارتر وغيرهم، تعبّر عن هذا المشترك الإنساني: الحبّ، الموت، الخوف، الخيانة، الشكّ، اليقين، الآخر، الأمل، الصراع، السعادة، المعنى، العبث، الوجود، العدم، المتعة، الزهد، الحقيقة، الوهم، الحرية، القيود، الحركة، السكون .. إلخ.

    إنّ هذه الأعمال الفنية الأدبية وغيرها من الفنون التشكيلية والموسيقى والمسرح والسينما والشعر .. كلّها تعبّر عن التجارب الإنسانية في عمومها، وتعبّر عن المشترك الإنساني، وتستهدف تجاوز الحدود الزمانية والمكانية والأيديولوجية، إنّها جميعاً تتمرّد على الانصياع أو الخضوع للأيديولوجيا؛ لأنّ المعايير والقيم التي تحكم عملية الخلق الفني، هي قيم الحرية والجمال والسعادة، وهي قيم غالباً ما تكون منافية للواقع، حسب رؤية هربرت ماركيوز، ولذلك فإنّ الفنّ من هذه الناحية لا واقعي، وهو "لا واقعي ليس لأنه أقل من الواقع القائم، بل لأنه شيء أكثر ومختلف نوعياً عن الواقع القائم، وبوصفه عالماً خيالياً ووهمياً، فإنه يتضمن من الحقيقة أكثر مما يتضمن واقع الحياة اليومية".

  والفن إذ ينفي في بنية عناصره ظلامية الواقع القائم، فإنّه في نفس الوقت يبشّر بواقع جديد، متحرّر من قوى القمع والقهر والتشيء، حسب تعبير لوكاتش. هذا الواقع الفنّي المعاد خلقه، "يمثّل نهاية العنف، إنّه الأمل المتجدّد الذي به تختتم تراجيديا شكسبير، الأمل في أنّ العالم ربّما يصبح الآن مختلفاً".

    وعلى الرغم من أنّ أدورنو يعلن أنّ الفنّ صار عاجزاً ومستحيلاً أمام الرعب النازي، وبعد معسكرات الموت في "أوشفيتز"، إلا أنّه مع ذلك لا يُحل الفن من مسؤولية التذكير الدائم بالأمل، بما يمكن أن يبقى حياً؛ رغم معسكرات التعذيب، وكلّ ما يحيط بالإنسان من قهر وخوف. وبهذا المعنى فإنّ أدورنو يضفي على الفنّ بعداً نقدياً وتحرّرياً ، ويرى أنّ الفن يتضمن في بنية تكوينه بعداً سياسياً؛ رغم أنّه قد يبدو ظاهرياً أبعد ما يكون عن السياسة.

   أما ماكس هوركهيمر فيذهب إلى أنّ أصالة الفن لا تكمن فقط في فردية وخصوصية الإبداع الفنّي، ولكن في قدرة هذا الفنّ على مقاومة الهيمنة التي يمارسها النظام الرأسمالي، والتي يحاول من خلالها أن يحيل البشر جميعاً وبطريقة قاسية إلى آلات.

  ووظيفة الفنّ عند هوركهيمر، هي أيضاً سلب أو نفي ما هو قائم، والتبشير بعالم جديد، عالم لم يأت بعد، عالم يستطيع فيه البشر أن يتنفسوا الحرية ويعيشوا بصورة أفضل. وكلّ الفنون حتى أكثرها تحفظاً يحمل تلك الإمكانية المزدوجة، مقاومة القهر الذي يفرضه المجتمع الرأسمالي على الإنسان، وإيقاظ ذكريات الحرية التي تجعل المعايير السائدة تبدو عقيمة وبربرية.

   يتفق مفكرو مدرسة فرانكفورت مع "لوكاتش" في أنّ معركة الفنّ الحقيقية هي مواجهة التشيؤ أو الموت الذي يحيط بالإنسان المعاصر. والتشيؤ كما يصفه ماركيوز مستعيراً كلمات هوركهيمر وأدورنو في كتابهما "جدل التنوير" هو نوع من النسيان: "كلّ تشيؤ نسيان"، وطالما أنّ الفنّ تذكير دائم بالحرية وحنين إلى فردوس السعادة، لذلك فإنّ "الفنّ يخوض معركته ضد التشيؤ بأن يجعل العالم الميت ينطق، ويغني، وربما يرقص".

   إنّ التشيؤ يمثّل بالنسبة لأصحاب النظرية النقدية، الخطر الذي يداهم الإنسان ويفقده إنسانيته، ويجعله ضحلاً في عواطفه، فقيراً في علاقاته الإنسانية، بلا حرية، بلا ذات، بلا كرامة، مجرد دمية سوقية. والفنّ في ظلّ هذا الواقع الميؤوس منه، وفي ظلّ الخطر المزدوج للرأسمالية والنازية، لا بدّ وأن يتخذ موقف السلب والمعارضة، لا موقف الانعكاس والمحاكاة. وعند هذه النقطة الأخيرة يختلف موقف فلاسفة مدرسة فرانكفورت في نظرتهم لطبيعة الفنّ، ووظيفته عن موقف جورج لوكاتش الذي كان يرى أنّ الفن مجرد انعكاس للواقع.

      هكذا يتحوّل الفن عند مدرسة فرانكفورت إلى نوع من الاحتجاج والرفض للواقع القائم، وإلى يوتوبيا تبشّر بعالم جديد، وهذه رؤية طموحة لوظيفة الفنّ ودوره في العالم المعاصر. ولكن ربّما يقول قائل: لقد انتهت النازية وصارت مجرى ذكرى سيئة؛ لسياسة رديئة انتهى عهدها، ما جدوى أن نتحدّث عن شيء ينتمي إلى الماضي؟

   الحقّ أنّ النازية انتهت كمذهب سياسي، لكنها لم تنته كإمكانية بشرية سيئة، يمكن أن تعود إلى الوجود في صورة أخرى جديدة؛ طالما توفرت لها الشروط الموضوعية والذاتية. ولقد كان اليأس والأزمة الاقتصادية هما المحرّك الرئيس لميلاد النازية، وبالطبع يمكن أن نضيف عوامل أخرى مثل: تفكّك ألمانيا والإحساس بالضعف والضياع؛ لدى شعب ينتظر مخلصاً ومنقذاً له، ولقد جاء هتلر بساديته وهوسه بالعظمة (البارانويا)؛ ليلبي حاجات ونداءات تلك الجماهير، المتعطشة للأمل الجديد والمقهورة والمهزومة في آن معاً.

   بقي أن نذكر أنّ الفاشية لا تتناقض مع الرأسمالية، بل كثيراً ما تأتي الفاشية لإنقاذ الرأسمالية من السقوط والموضوع يطول ويتسع ويبتعد بنا عن موضوعنا، ولكن حسبنا أن نذكر أنّ الرأسمالية التى نحيا في كابوسها الآن، ربما تكون أبشع من كلّ الأنظمة الفاشية، إنّها الرأسمالية المتوحشة التى يقودها "رونالد ترامب"، وهي رأسمالية تفرض سطوتها وجبروتها بالقوتين الاقتصادية والعسكرية على الأطراف المهمّشة من العالم، خاصة عالمنا العربي الذي أصبح زائداً على حاجة العالم، خاصة بعد أحداث الربيع العربي، التي أدت إلى مزيد من التهميش والتشرذم والتفكّك؛ إلى الدرجة التي أصبحت فيها دولاً بأكملها (العراق، ليبيا، اليمن، سوريا) مجرّد كيانات هلامية هشّة، تئنّ تحت وطأة الحروب الطائفية والقبائلية، في حروب همجية تشبه ما أسماه هوبز، بحرب الجميع ضد الجميع. لذلك نظنّ أنّ شبح النازية لم ينته، فبالإضافة إلى الإرهاب الذي تمارسه الرأسمالية الأمريكية بلا هوادة تجاه العالم الفقير والضعيف، نجد أنماطاً جديدة من الفاشيات الدينية - السياسية التي تتجاوب مع حاجات الجماهير العربية المقهورة المهزومة التي تتحرّق شوقاً لمجيء مخلص أو منقذ!!

ويبقى السؤال المرّ والصعب: تُرى هل الفنّ، والفن النافي أو المعبّر عن الاحتجاج والرفض، يكفي وحده لتحقيق المشترك الإنساني، هل الفنّ فعلاً بقادر على مقاومة الظلم والقهر وعبودية الإنسان للإنسان، هل يقدّم الفن خلاصاً لإنسان اليوم؟

   لنؤجل الإجابة على هذه الأسئلة؛ حتى نهاية المقال، ونترك الفن، ونتجه صوب الفلسفة ونسأل أيضاً: هل بوسع الفلسفة أن تأخذ بأيدينا إلى أرض المشترك الإنساني، هل لدى الفلاسفة القدرة على تجاوز الصراعات الأيديولوجية والتناحرات الطائفية؟

   ربما لأنّ الفلسفة تتخذ من الكلمة سلاحاً ووسيلة؛ لطرح أفكارها، لذلك تكون مهمتها أسهل من الفنّ، الذي يعتمد تارة على اللون أو الكتلة أو الإيقاع، وأحياناً على الكلمة ذات الصدى الجمالي. الفلسفة تستخدم لغة السرد العادي ولا تبحر كثيراً في الصور البلاغية والجمالية، ولذلك يمكن لها أن تعبّر عن ذاتها وطموحاتها بطريقة أيسر من الفن، ومع ذلك فإنّ ما يجمع بين الفلسفة والفنّ هو أنّ كليهما "رؤية للعالم"، رؤية خاصة لهذا العالم. الفنان مبدع والفيلسوف كذلك. الفنان يفتّش عن ما هو جوهري في الحياة الإنسانية، والفيلسوف أيضاً يتوجه بندائه وأفكاره إلى جميع الناس، وإلى كل البشر، فالفلسفة بطبيعتها تنحاز دائماً إلى كل ما هو إنساني. إلى الإنسان كإنسان وليس إلى طبقة بعينها؛ حتى الفلسفة الماركسية نفسها - كما أسّسها ماركس وإنجلز - لم يكن هدفها إطلاقاً انتصار طبقة على أخرى بقدر ما كان هدفها التمهيد لنهاية الطبقات. ولذلك نجد أنّ الهدف النهائي عند ماركس هو أنّ تقوم البروليتاريا بنفي النظام الطبقي ونفي نفسها كطبقة. نعم إنّ ذلك ظلّ إلى الآن مجرد حلم يوتوبي، لكنه حلم مشروع، والفلسفة تزودنا دائماً بهذا المستودع الكبير من الأحلام والرؤى اليوتوبية، وهي رؤى مشروعة ومطلوبة لتطوير حركة التاريخ، وتنمية الحاجة الإنسانية التي لا تنتهي في البحث عن المشترك الإنساني.

الفلسفة أيضاً تقوم على الحوار والحرية، وهي بدون الحرية كلمة لا معنى لها؛ لأنّ الحرية هي شرط التفكير المستقلّ، وشرط التفكير الإبداعي أو الخلاق ، كما أنّ حرية الفكر هي مقدمة ضرورية للتحرّر بمعناه السياسي والاجتماعي، ولذلك عادة ما تغيب الفلسفة من المجتمعات التي يسودها القمع والإرهاب الفكري، وربّما تفسّر هذه الملاحظة ظاهرة غياب الفلسفة وندرة الإبداع الفلسفي في الثقافة العربية، فمنذ الفلاسفة العظام من أمثال: المعتزلة والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن عربي لم يظهر لدينا فلاسفة بالمعنى الدقيق للكلمة.

   والحرية بالنسبة للفلسفة ليست أمراً خارجياً فحسب، بل أنّها تدخل في بنية التفكير الفلسفي، ولن يتحقق أي ضرب من التفكير؛ بمعناه الفلسفي دون الاعتراف بأنّ الحقّ فوق القوّة، وأنّها­­­­­­­العلاقات البشرية، التي ينبغي أن تقوم على التفاهم والتسامح لا على التخاصم والتعصب. ولعلّ هذا ما قصد إليه أحد الباحثين حينما قال: "إنّ الفلسفة لا تبدأ إلا حينما يتهيأ البشر أن يتنازلوا عن روح العنف والشدّة، لكي يستعيضوا عنها بروح التفاهم والمودّة". وهذا ما يشير إليه جورج طرابيشي أيضاً في دراسة منشورة بمجلة "أبواب" تحت عنوان: "الفلسفة وجدلية التقدّم والتأخر"، حيث يقول: التسامح هو أوكسجين الفلسفة؛ بقدر ما أنّ التعصب هو ثاني أوكسيد فحمها".

    ذلك لأنّ الفلسفة تؤكّد أنّ الإنسان قد صار إنساناً بفضل وعيه بأنّه حرّ، وأنّ الحرية تشكّل جوهر وجوده وحياته، فهو الكائن الأكثر احتياجاً للتحرّر، وقهر حرية الظواهر، وتحطيم القيود والأغلال، التي تقف في طريق حريته. وقد أكد معظم الفلاسفة خاصة في العصور الحديثة قيمة الحرية، فها هو أسبينوزا (1632- 1677) يرى أنّ كلّ إنسان له الحقّ الطبيعي في أن يستخدم عقله بحرية، وأن يحكم على كلّ الأشياء. ولا يمكن لأي فرد أن يحدّد ويصف للآخرين ما يجب أن يسمح به؛ كحقّ أو كزيف. ويجب أن تقترن الحرية الكاملة للتعبير عن الرأي، والحكم بحرية الكلام، وعلينا أن ندافع عن رأينا بالعقل وحده، وليس بالخديعة أو الغضب أو الضغينة، حسب مونيك كانتو اسبيربر.

    ويؤكد جون ستيوارت ميل المعنى ذاته في كتابه عن الحرية (١٨٥٩)، حيث يحدّد ثلاثة أشكال جوهرية للحرية وهي: حرية التفكير، وحرية التعبير عما نفكر فيه، وحرية العيش حسبما يتناسب مع ظروفنا الخاصة. والشكل الأول من الحرية تجري ممارسته في المجال الدقيق للوعي، الذي يتطلب حرية الوعي في أوسع معانيها: حرية أن نفكر وأن نشعر، والحرية المطلقة للآراء والمشاعر حول كافة الموضوعات؛ سواء كانت عملية أو تأملية أو أخلاقية أو دينية. ولا شكّ في أنّ حرية التعبير والإعلان عن الرأي مهمة بنفس القدر، ولا يمكن فصلها عملياً عن الحرية الأولى. وأخيراً فإنّ الشكل الثالث من الحرية يرتبط بكل ما يؤكد استقلالية الأفراد وينمّي طاقاتهم، إنّها حرية أن يحيا الإنسان الحياة التي يرتضيها، وأن يسلك كما يريد، وأن يتحمّل كلّ النتائج التي سوف تنشأ عن هذه التصرفات، حسب تعبير ميل.

ويستدعي موضوع الحرية أهم عناصر المشترك الإنساني، ونعني بذلك علاقة الأنا بالآخر. وفي هذا السياق نجد أنّه لا معنى للكلام عن الحرية إلا من خلال جدلية الأنا والآخر، فعلاقتي بالآخر هي التي تحدّد وجودي وتحدّد أيضاً حريتي، ولقد كان جان بول سارتر مخطئاً عندما أعلن في مسرحية "جلسة سرية"، أنّ "الآخر هو الجحيم"، فليس من الضروري أن تكون علاقتي بالآخر علاقة صراع وتناحر، لماذا لا تكون علاقتي بهذا الآخر علاقة حبّ واحترام وتضامن إنساني. كثيراً ما يقع الإنسان في وهم أنّه لن يكون حرّاً إلا إذا استطاع أن يحطم حريات الآخرين، الأغيار. معظم الطغاة والإرهابيين والمتطرفين دينياً يسقطون في هذا الوهم: وهم أنّهم وحدهم الأحرار؛ لأنهم وحدهم المتحدثون باسم  الحقيقة أو المقدّس، وبالتالي فإنّ برهانهم الوحيد على أنّهم أحرار، هو قدرتهم على إقصاء أو قتل أو تدمير الآخر.

ولا يقف طموح التفكير الفلسفي فقط عند حدود الدفاع عن حرية الإنسان بوصفها الحقّ الأصيل لكافة البشر، بل إنّ الفلسفة تدافع أيضاً عن العقل بوصفه أعدل الأشياء قسمة بين الناس، كما أعلن ديكارت. إنّ المشتركات الإنسانية التي تجعل البشر يتعايشون معاً في سلام وتسامح هي ذاتها المقولات التي تدافع عنها الفلسفة: الحرية، المصير المشترك، التضامن الإنساني، العقل، وحدة المعرفة، حقوق الإنسان، احترام الطبيعة، الخير، السعادة، السلام، التسامح ...إلخ . فضلاً عن ذلك فإنّ المباحث الفلسفية التي عليها يتأسس كلّ بناء فلسفي تشكّل - من ناحية أخرى - أساساً فكرياً ونظرياً لهذا المشترك الإنساني. فمبحث "الأكسيولوجيا" أو القيم يتضمن قيماً تكاد تشكل كلّ القيم التي عرفتها البشرية، وأعنى بذلك قيم: الحق والخير والجمال. ومبحث "الإبستمولوجيا" أو المعرفة، وهو مبحث يدرس حدود المعرفة الإنسانية وقضايا الشك واليقين، وذلك عبر دراسة بنية العقل الإنساني ومسيرة  تطوره عبر التاريخ، ثم مبحث "الأنطولوجيا" وهو مبحث دراسة الوجود: الكون، الله، الإنسان. وهذا المبحث يتخذ في شكله الحديث والمعاصر من الوجود الإنساني موضوعاً وهدفاً أساسياً له.

  إنّ الفلسفة عبر تاريخها الطويل استطاعت أن تقدّم لنا أفكاراً عظيمة وستبقى برغم كافة التغيرات التقنية التي عرفتها الإنسانية، وليست مقولات العولمة والكونية والكوكبية سوى صدى لهذه المبادئ، التي أعلنتها فلسفة التنوير: الحرية، المساواة، احترام كلّ ما هو إنساني، والتحرّر من القهر والظلم والعبودية ... إلخ.

    إنّ العالم لم يزل بحاجة إلى أن يستهلم هذه المبادئ ويؤكدها؛ لأنّ دائرة التاريخ لم تغلق بعد، ولأنّ دعاوى نهاية التاريخ ونهاية الأيديولوجيا؛ مجرد فقاعات هوائية، لا تخرج عن نطاق الأقنعة الأيديولوجية. والفلسفة في معظم لحظاتها التاريخية هي محاولة للإفلات من أسر الأيديولوجيا، فمقولات مثل: الحرية (بمعناها العقائدي والفكري والسياسي)، والعدالة (بشقيها الاقتصادي والسياسي)، والسعادة (بجانبيها الفردي والجمعي)، كلها من وجهة نظري، تشكّل المبادئ العامة أو الأساس الفكري، الذي من خلاله تؤكد الفلسفة مدى انحيازها للإنسان؛ بصرف النظر عن لونه أو جنسه أو ديانته أو انتماءه الطبقي.

   غير أنّ دفاعنا عن هذه القيم أو المقولات، لا يجب أن يفهم منه أننا ندافع عن مطلقية القيم؛ لأنّه لا معنى لأي مطلقات في العالم الإنساني، ولكننا ندافع فقط عن قيم تتمتّع بقدر من الكلية والعمومية، لكنها مع ذلك لا تخرج عن إطار النسبوية. هذه القيم ليست مستقاة من العدم، ولكنها جماع تجربة الإنسان الحضارية الطويلة، ونتاج رحلة النضال البشري الساعي إلى كسب الحرية، والوصول إلى العدالة، وتحقيق السعادة لبني البشر. وبوسعنا أن نعثر على هذه المبادئ والقيم في كلّ الفلسفات التي جعلت الإنسان شاغلها الأوحد.

ومع ذلك يبقى السؤال حائراً أين نحن في واقعنا العربي الإسلامى من هذا الطموح الفنّي والفلسفي لتأسيس المشترك الإنساني؟

   الإجابة بالتأكيد صعبة ومؤلمة؛ لأنّ العقل العربي لم يزل أسيراً لمقولاته الماضوية، ولم تزل الأصوليات النقلية، هي المهيمنة على فهم النصوص الدينية؛ إن لم تكن هي المحتكرة لسلطة فهم النصوص وتفسيرها. ولقد سقط العقل العربي في أزمة عميقة؛ منذ أن تمّ تكفير الفلاسفة والتنكيل بالمتصوفة (السهروردى والحلاج على سبيل المثال). ولا مخرج لنا من هذا المأزق سوى بالتحرّر من هذا الفهم الدغمائي للنصوص المقدسة، والتخلص من وصاية تلك النظرة الأحادية، التي تصادر النص لحسابها؛ بحجة أنّه لا اجتهاد مع النص، وبدعوى أنّ الأصولية هي وحدها الفرقة الناجية.

    لا بدّ من أن نستهلم مرة أخرى المناهج التأويلية العقلانية للمعتزلة والفلاسفة، كما أنّه لا بدّ من إحياء التصوف الفلسفي؛ الذي يمثل تأويلاً خاصاً للدين ينأى به عن أي نزعة تكفيرية إرهابية، ويحقق ضرباً من التواصل والتناغم بين الإسلام وبين الديانات الإبراهيمية الأخرى، ويعيد للخطاب الديني طابعه الإنساني المتسامح؛ بوصفه خطاباً للحرية وللحب وللكرامة الإنسانية.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية