الدين جامع والعصبيّة مفرّقة

هناك اعتقاد شائع يقول، بوجود رابط معنوي كبير بين العصبيّة والدين، وبالتالي فإنّه لا مشكلة حين يتعصّب الإنسان لدينه أو مذهبه. والحقيقة أنّ هذا الاعتقاد الشائع يتنافى مع طبيعة الدين. حيث إن جوهر الدين الإيمان في حين أنّ جوهر العصبيّة الغلب أو المغالبة.

العصبيّة من جوهر سياسي فيما الدين من جوهر روحاني، وشتّان بين هذا وذاك. فالمؤمن يرفع عينيه إلى فوق، متأملاً ما لا يرى، ومحاولاً التواصل الروحاني بالخالق. أمّا  صاحب العصبيّة فينظر إلى تحت  وإلى الأرضيّات، من دون الاكتراث بسواها. منظور كلّ واحد منهما مختلف ومتعارض مع منظور الآخر، ولذلك لا يلتقيان في المبتغى الأبعد لموقفهما الوجودي. فهل لاحظتم مثلاً أنّ كلمة العصبيّة لا ترد بتاتاً لا في الإنجيل المقدّس ولا في القرآن الكريم؟ أهي صدفة؟  بكل تأكيد لا.

يسعى ويجهد المؤمن لإرضاء ربّه بحسب تعاليم دينه؛ أمّا الفرد العصبيّ فيسعى لإرضاء صاحب الشوكة في عصبته. لذلك تكون وضعة المؤمن مختلفة كلياً عن وضعة الإنسان الذي يتصرّف بحسب قوانين العصبيّة. فالمؤمن يحاكي روحياً الخالق الذي لا يراه ويؤمن بوجوده بكلّ قواه فيما لا يؤمن صاحب العصبيّة إلاّ بما يراه، فيلتزم بموجباته.

عند أصحاب العصبيّات مصلحة سياسية ومادية في إتّباع قائدهم ومرشدهم، حيث إنهم ينتظرون منه تحقيقاً ملموساً في مقابل ولائهم له. أمّا المؤمنون فلا يسعون لكسب مادي من وراء موقفهم، بل يصلّون من أجل الاتحاد الروحي بخالقهم. لذلك يلجأ المؤمن إلى الصلاة بصمت، فيما يلجأ صاحب العصبيّة إلى الهتاف بأعلى صوته؛ كي يسمعه جيداً صاحب الشوكة.

في العصبيّة يقوم التواصل بين شخص وشخص آخر، وتكون العلاقة بينهما أفقيّة في جوهرها، حتى لو قامت بين رئيس ومرؤوس. فالهموم المتبادلة بين الطرفين مادية في المقام الأول والأخير. أمّا في الإيمان فإنّ التواصل عمودي، يرتقي فيه شخص إلى فضاء إلهي لا تتحقّق فيه مصالح مادية، بل يتكامل فيه المؤمن مع رحمة غير ملموسة ما بعدها رحمة.

هناك فرق كبير بين الوفاء في دنيا العصبيّات ومثيله في الدين. فالوفاء العصباني ولاء. وهذا الولاء سياسي يتوجَه لشخص بعينه، يرتبط به الفرد رباطاً مصلحياً مباشراً، يقطف ثماره نقداً أو عينياً على هذه اليابسة. أمّا الوفاء في دنيا الدين فوفاء لمبادىء سامية لا قيمة مادية لها.

يتعلّق المؤمن بمبادىء توجّه تأملاته الماورائية، ويتقرّب من أخيه الإنسان بدافع من هذه المبادىء، فيضعه في دائرة الخير. أمّا صاحب العصبيّة فيهتدي بقيم. والفرق واسع بين المبدأ والقيمة. فالقيمة اجتماعية ونسبيّة المضمون. تصحّ في جماعة ولا تصحّ في غيرها أو لغيرها، كالوفاء الذي أتينا على ذكره. في حين أنّ المبدأ الديني فإنساني وشامل ولا يستثني أحداً من العالمين، كالرحمة مثلاً. لذلك بمقدور صاحب العصبيّة أن ينصب العداء لجاره لمجرّد اختلافه معه في منظوره العصبيّ.

العدو في دنيا العصبيّات موجود في كلّ مكان، ذلك أنّ الاستعداد للعداء من أصل العصبيّة. لا يستثني العداء العصبيّ أحداً في دائرة الخارج، حيث إن التواصل العصبيّ، والولاء والوفاء والأخوّة قيم داخلية لا يعيشها الفرد إلاّ ضمن أسوار عصبته. فالفرد العصبيّ يعيش في عالم مغلق بإحكام لا يدخل إليه أو يخرج منه شخص إلاّ بعلم وإذن من صاحب الشوكة.

في المقابل فإنّ دنيا المؤمن فضاء فسيح يتّسع للجميع من دون استثناء. ولا أعداء في فضاء الإيمان الذي يجمع روحياً ولا يفرّق لكون معنى وجوده الأبعد لا يقع على الأرض بل في صور قدسيّة جامعة يعبّر عنها أجمل تعبير الصوفيّون.  فالدين جامع فيما العصبيّة مفرّقة. والسبب يكمن في أنّ معنى الإيمان لا حدود أرضية له، في حين أنّ معنى العصبيّة مطوّق أرضياً وسياسياً ولا يمارس إلاّ بشكله الميداني.

للعصبيّة بعدان، أحدهما طوليّ والآخر عرضيّ. أمّا الإيمان الديني فمثلّث الأبعاد، إذ إنه يتميّز ببعد آخر، ارتفاعي، يشدّ روح المؤمن إلى الأعالي. ومن هذا البعد الثالث ينهل المؤمن آفاقاً سماوية لتفكيره وسلوكه في حياته اليوميّة والعمليّة، التي ستختلف لهذا السبب عن الحياة اليومية والعمليّة التي يعيشها من ليس له في قاموسه سوى أحكام وتصوّرات العصبيّة.

لا يرى صاحب العصبيّة الحياة كما يراها المؤمن. ذلك أنّ هذا الأخير يضفي على أشيائها وناسها مسحة روحية، تعطيها معنى مختلفاً عن ذاك الذي تقتصر عليه العصبيّة، وهو المعنى السطحي والمجازي الذي يأبى التجريد ويمانع الارتقاء. وحيث إنّ العصبيّة عصيّة على التجريد، فإنّها تتمسّك بالقانون الطبيعي المبني على الثنائيّات، ثمّ على تفريع هذه الثنائيّات إلى ما لا نهاية. مبدأ التوحيد الإنساني غائب عن الوعي العصباني؛ لأنّ هذا المبدأ مغيّب أصلاً في وعيه. ومهما حاول خطاب العصبيّات المذهبية التمظهر باعتماد مصطلحات التوحيد الروحاني، إلا أنّها تبقى في الممارسة، وعندما تدقّ ساعة الخيارات العمليّة، يذهب أصحابها من دون تردّد إلى التقسيم الميداني للبشر والحجر وحتى معشر أهل الإيمان أنفسهم.

في قاموس مفردات العصبيّة هناك مفهومان شديدا الخطورة، يتداولهما أهل العصبيّات بشكل طبيعي جداً ومن دون تردّد: "هم" و"نحن". بالبناء على هذين المفهومين الصغيرين، وعلى هذين الضميرين المنفصلين، تشيّد الذهنيّة العصبيّة أسواراً عالية حول جماعتها؛ كي تفصلها عن الآخرين الذي يحشرون؛ بسبب هذا التقسيم الإطلاقي؛ في خانة الجماعات المعادية. بحيث يفصل عنوة الآخر عن الذات ويسقط حكماً معها مفهوم الوحدة الإنسانية، كما مبدأ الوحدة الإيمانية. يسهل بعدها الدخول في الحرب، بل تغدو بعدها الحرب الداخلية والأهلية جزءاً من طبيعة الأمور، ومكوّناً من مكوّنات الحياة السياسية والاجتماعية العامة، ذلك أنّ التنشئة الاجتماعية المبنية على فكرة التقسيم، سرعان ما تجتاح التفكير العصبيّ كلّه، وتوّلد أجيالاً ترى في عدم الوحدة مبدأ وفي الغلب قانوناً. من السهل بعد ذاك الدخول في صدامات داخلية متكرّرة؛ لكون الذهن أضحى مهيئاً للعداء والاستعداء المستدامين.

أخيراً، يحصل التقارب الوحيد بين العصبيّة والدين عندما يقرّر صاحب شوكة في عصبيّة ما اللجوء إلى ما أسماه ابن خلدون  "الصبغة الدينية"، حيث يشير صاحب  "المقدّمة" ومؤسس علم العمران البشري إلى ظاهرة تكرّرت مراراً بين قبائل بلدان شمال إفريقيا، وتمثّلت بالتمظهر بالهويّة الدينية من دون التخلّي عن الانتماء العصبيّ.

يشير في هذا الموضوع إلى قبيلة زناتة التي كانت أقلّ شاناً وأقلّ بداوة، وبالتالى أضعف عصباً، من قبيلة المصامدة الكبرى، فيقول: إنّ قبيلة زناتة قرّرت اللجوء إلى الصبغة الدينية للاستقواء على قبيلة المصامدة، فكان لها ذلك بعدما شهرت انضمامها إلى الدعوة المهديّة، ودخلت على هذا الأساس في حرب مع المصامدة. فتمكّنت من هزم هذه القبيلة، التي كانت تفوقها في عديد مقاتليها؛ لأنّها أضافت إلى عصبيّتها شحنة الصبغة الدينية. لكن عندما قرّرت قبيلة زناتة التخلّي عن صبغتها الدينية، عادت قبيلة المصامدة وتغلّبت عليها فاستتبعتها مجدداً.

فأين نحن اليوم من هذه الملاحظة السوسيولوجية البليغة؟


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية