المفهوم الحضاري من مرحلة المواجهة الى مرحلة التأثير المتبادل

من صراعها إلى حوارها؛ تبقى الحضارات بطلة المشهد العام في الحالتين، حيث تختصر في حضورها كلّ ما يتعلق بالإنسان وجوداً جغرافياً وتاريخياً واقتصادياً وثقافياً. وقد لاحظ الكاتب الأمريكي أوليفر وندل هولمز هذه الإشكالية بمقولتين: نوصم جميعاً في مهودنا بمعتقدات القبيلة التي ولدنا فيها"، وبالمقابل: "عقل المتعصّب يشبه بؤبؤ العين، كلما زاد الضوء المسلَّط عليه زاد انكماشه".

يتراءى مصطلح العولمة (Globalisation) في مواجهة العالمية (mondialisation / universalité) لكأنَّهما منفصلان انفصالاً تاماً، رغم اشتقاقاتهما المشتركة، وصار مفهوم العولمة هو الغول الذي سيبتلع المجتمعات التي تغرق في مستنقعه الوهمي، بينما ينتشر مفهوم العالمية بكامل أناقته، يتبعه العلماء والمفكرون والأدباء والفنانون؛ كحلمٍ يجعل منهم نجوماً في سماءٍ واحدة، يراهم كلّ سكّان أرضها.

بيد أنَّ الفرق بينهما لا يعدو كونه فارقاً يتعلَّق بالمتلقّي وحده، وبقدرته على اختيار أدواته، التي لا تجعل منه كائناً مستَهلِكاً لكلّ ما هو خارجه؛ دون حسّ الانتقاء الواعي، الذي يحيل هذا الاستهلاك إلى أداة إنتاج جديدة؛ قد تفوق المنتج الأصلي، بعيداً عن فكرة القطب الأوحد والهوس؛ بكل ما هو قادمٌ من الغرب أو غيره، مع التأكيد على فكرة الطاقة التي لا تفنى بل تتحول من حالٍ إلى أخرى، وأنّ التغيير آتٍ لا محالة، فالثبات "الزمكاني" يقتل ماهية التطور، فلا ريب بأنّ هذه الحالة قد تصبح معكوسةً يوماً ما كما في زمن الحضارة العربية التي كانت قطباً حينها، وما وجب سابقاً سيجب لاحقاً فـ "التغيير هو وحده الأبدي الدائم والخالد"، حسبما يقول شوبنهاور.

فإنّ كان الأمر يقتصر على الاستهلاك، فستصل الأمور إلى أعتى حالاتها، من خلال التفاوت المجتمعي والثقافي واليومي، وإقحامها في المجتمع الأمّ الخاص بالمستَهلِك، سيبثّ حالة من الذعر تتشابه في كيانها مع الحرب، وبالتالي ستفرض ردَّ فعلٍ أصوليّ؛ قد يأخذ بعض أفراد المجتمع إلى تأخّرٍ لم يعشهُ من قبله؛ كحالة للدفاع عن نفسه؛ باعتباره يتعرَّض لهجوم، كما سيأخذ بعضهم الآخر إلى دوامة من الفوضى والعشوائية غير الواعية، والتقليد الأعمى والغرائبية؛ لأنّ "إجبار المجتمعات على تغريب هوياتها؛ قد يولد ردود فعل مناهضة للتغريب، والدعوة مجدداً إلى إحياء الهويات الثقافية الأصلية للشعوب، التي تغربت هوياتها، والتحقت بالغرب بصورة من الصور" كما يقول هنتنغتون.

وبالعودة إلى مفهوم الحضارة فالمعلوم أنّ الحضارة لا تقوم من دون الاحتكاك مع المحيط من جهة، ومع الحضارات الأخرى من جهة ثانية. ذلك لأنّ الحضارات شأنها شأن المادة، التي تحتكّ ولا تتفاعل مع غيرها من العناصر تنقصها الطاقة والزخم مع الزمن. ما يعني أنّ مواكبة الحداثة والتكنولوجيا والحركات الجديدة هو ضرورة للاستمرارية، وفتح آفاق جديدة لبعثها مجدداً محقونةً بمفاهيمنا الخاصة، أيّ مع المحافظة على خصوصية المجتمعات وتعددياتها الثقافية والمرجعية، وهذا لا يصلح إلا تحت أشعةٍ ثابتة، تضيء طريق هذا التواصل المتبادل، كـما أدبيات الحوار الفكري ولغة الخطاب بين (Destinataire- Destinateur)، انعدام فكرة الاستيراد والتصدير الجامدة، وجعلها حالة تبادل تتعلّق بحاجات كلّ طرف دون الانتقاص من أحدهما، بمعنى محاولة العودة إلى حقوق الإنسان الواحدة التي تشمل كلّ سكان الكوكب، وبالتالي وحدة الحقوق كنقطة ارتكاز وتشابه، واعتبار المنفعة مشتركة؛ لأنّها متغيرة دوماً نسبةً لزمانها ومكانها، التمييز بين الإبداع والاتباع...إلخ

وكثيرٌ غيرها من مفهوم الوجود الإنساني الواحد، إلى مفهوم النّظام الموحّد الذي يولّد العادة وبالتالي المراوحة في الروتين؛ لأن الفوض تولّد الحياة والنظام يولّد النّظام العادة"، كما يقول هنري بروكس آدامز. وكذلك فكرة الهوية القومية التي تمدّ الثقافات ككلّ بنوع من التمايز والتنوع، والتأثير الذي يرتكز على التأثر، ومن هنا كان للكثير من الفنون والعلوم دورها في تشكيل هذه القرية الإلكترونية الضخمة؛ بمفهومها الإيجابي، ومنها الموسيقا والتشكيل والترجمة لكافة أنواع العلوم والمعارف والآداب، حيث يرتكز الأوّل والثاني على المعايير العالمية الثابتة لقراءتها، بينما يشكّل الثالث العجلة الدائمة الحركة لكسر حاجز اللغة، ودورها في تسيير المعلومات عبر طرق فكرية، تُعدّ الأنجع على مدى التاريخ البشري، من ترجمة العرب لعلوم الفرس والروم والهند إلى ترجمة كتاب الأمير لميكافيللي إلى مدرسة الألسن بإدارة رفاعة الطهطاوي، لتكتشف كل جهة (المستقبل والمرسِل) أفكار ومشاعر المجتمع الآخر وبيئته ككل، حيث كانت الترجمة تقتصر بنقل الكتب إلى اللغة العربية حتى فوز نجيب محفوظ علم 1988 بجائزة نوبل للآداب، حينذاك انتبه الغرب إلى الأدب العربي وبدؤوا باكتشاف كنوزه، وصارت حركة الترجمة تسير بالاتجاهين؛ بذات الكم تقريباً في العهد القريب، وهذا ما قرّب الأنواع الأدبية من بعضها، كونها تشمل كل ما يتعلق بالحياة الإنسانية وتوحّد العالم الحسّي والانفعالي.

وهذا ما حصل في العمارة، التي كانت ترتكز على الهدف واستغلال المساحة والوظيفة والفراغ الضروري حول الكتلة وداخلها، وعلى الزخرفة والترصيع والفخامة والبساطة في آن واحد؛ أيام الحضارة العربية والإسلامية والإغريقية والرومانية، والتي كانت تبهر المجتمع الغربي، وها نحن الآن في ظل الحياة السريعة والمساحات الضيقة، نبحث في التجربة الغربية عما يجعل كل تلك الصفات موجودة، وتخدمنا تبعاً للتغيّر الذي لا بدّ منه.

من هنا كان على المفهوم الحضاري أن ينتقل من مرحلة المواجهة إلى مرحلة التأثير المتبادل، والعمل على خلق عالَم معولم، موحّد تجمعه التناقضات ويقتله التشابه المطلق.

وهذا ما نادت به روحياً العقائد الشرقية، التي كانت مبنية على فكرة الروح العالمية، التي يحجب حقيقتها الروحية غطاء المادة الزائف، والاتحاد ما فوق الطبيعي، وفرض مفهوم الوحدة على كلّ ما هو متنوع ومتناقض، والعقيدة اليونانية باعتبار الإنسان وحده هو مقياس كلّ شيء. انطلاقاً من تحوّل الكائن المنفعل إلى كائن فاعل، والفكر المرن والتلقّي المشكوك به حتى تثبت صحته أيّ غياب المسلمات المطلقة، يمكن خلق وجه اقتصادي وثقافي يشكّل نسيجاً واحداً، يجعل من القوى السياسية تحصيل حاصلاً في إقرار حياة الشعوب أو نسفها، أو تأطيرها في تخلّفٍ مفتعل، ما هو إلا انتقال بين كفّتين عمودهما الزمان وحده.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية