تحقيق السلام العالمي يتطلب سيادة العدالة الاجتماعية ومكافحة الفقر

لعلّ أنبل المشتركات الإنسانية، هو السعي الحثيث لوقف الحروب، أو ما سماه معالي الشيخ عبدالله بن بيه رئيس "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" في ملتقى المنتدى الأول "إطفاء الحريق"؛ باعتبار وقف الحروب حاجة ملحّة ومستعجلة لمختلف الشعوب.

الحاجة ملحّة للسلام؛ كي يتعافى العالم من آثار الحروب المدمرة، التي نشبت على كوكبنا، لا سيّما الحرب العالمية الثانية وما أعقبها، من تحوّل جذري وتطور رهيب على كلّ مستويات أدوات الفتك والتدمير، التي صنعها الإنسان بنفسه.  ما ترتّب على هذه الحروب، استنزاف قدرات شعوب العالم كافة، ونتج عنها تمكّن قوى عالمية، قادت العالم بما يتناسب مع مصالحها، دون النظر إلى مصالح الشعوب الأخرى، ودعمت أنظمة ديكتاتورية فتكت بشعوبها، كما الضواري والغيلان. فنتج عن هذا التناقض بين ما يمثله الغرب من تحضر وصون للحريات، وبين دعمه وحمايته لهذه الأنظمة، سوء فهم متبادل بين الشعوب. ليس هذا فحسب، وانما أبرز دول العالم المتحضر، كانت مسؤولة بشكل مباشر، عن دعم بعض المنظمات متطرفة، في أكثر من منطقة في العالم، وأخطرها في أفغانستان، ما يوضح مدى التشوّهات، التي تشكّل صورة هذا العالم، الذي لا ينفك يطرح القيم الإنسانية ونقيضها، دون أي مصداقية حقيقية.

 

تتحمل القوى العالمية الكبرى المسؤولية عن تردي الوضع الاقتصادي، فى مختلف دول العالم، وذلك نتيجة تحكمها المطلق بالنظام الاقتصادي العالمي، الذي أنتج فقراً مدقعاً لا مثيل له، معظمه محصور جنوب كوكب الأرض.

يشهد العالم موجة من التطرف والغلو واسعة النطاق، نتيجة الفقر واستفحال التخلف والجهل وتدهور الوضع الاقتصادي، ما خلف جيوشاً من العاطلين عن العمل غير قادرين على معالجة مشاكلهم وأزماتهم، ما دفع بالكثيرين منهم إلى العنف والتطرف، للتعبير عن أنفسهم. وهذا ما استثمرته الجماعات المتطرفة في أجنداتها الخفية.

قضت الجماعات المتطرفة على الأقليات من الإزيديين في العراق والمسيحيين في سوريا وشردتهم وسبت نساءهم، كلّ ذلك تحت شعار الإسلام، وعلى مرأى من شعوب العالم أجمع، هؤلاء ألحقوا أكبر ضرر بصورة الإسلام، كما لم يفعل أحد من قبل على مرّ التاريخ الإسلامي.

لكن السؤال الكبير الذي يطرح نفسه، هل كل من التطرف والعنف والإرهاب سببه الدين الإسلامي؟ الإجابة تأتي في سياق سردنا لأحداث معاصرة وموازية لما تقوم به الجماعات المتطرفة؟ نأخذ مثالًا على ذلك ما جرى في  ميانمار من قتل وتنكيل بالأبرياء، وتقطيع أوصال بعض الأشخاص، ولكن هذه المرّة المسلمون هم ضحية التطرف والوحشية التى يدمى لها جبين الإنسانية، التي تعرّض لها الروهينغا المسلمين، وقبلها في البوسنة والهرسك، في تسعينيات القرن الماضي، ولن ننسى فلسطين وما يحصل لأهلها، منذ أكثر منذ نحو سبعين عاماً.

لا ريب أنّ عرض المشهد من جوانب مختلفة، يؤكد أنّ العنف والتطرف  والغلو لا دين له، وأنّ الإسلام الحقيقي سلام مطلق؛ إذ من أسماء الله جلّ جلاله "السلام". فالغلو والتطرف، هو حالات شاذة، تصيب جميع الأمم. وهذا يتطلب من جميع مريدي السلام في العالم، العمل وبذل الجهد من أجل خلق مساحة ثقافية فكرية للتلاقي بين مختلف الأمم، على أسس المشتركات الإنسانية الكبيرة، للتأكيد على أنّ الإنسان أخ الإنسان، وأنّ الدين كلّ دين في العالم، يتطلع للخير والمحبة بين مختلف البشر. وأنّ على الدول الكبرى، التي تمسك بالنظام الاقتصادي السياسي في العالم، أن تغير من سلوكها إذا أرادت أن يسود العالم الأمن والسلام. وعلى المسلمين مسؤلية كبيرة، لنشر تعاليم دينهم السمحة، وفتح آفاق حوار واسعة مع مختلف أبناء الأديان الأخرى، فالقرآن الكريم يحثّ المسلمين على التسامح والرحمة، وتبين آياته ذلك بقوله تعالى مخاطباً النبي محمد(ص) "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" هي دعوة للتسامح والحوار والمحبة والسلام.

إذن أن تكون مسالماً يعني أنك مقاوم لكلّ أشكال العنف والغلو والتطرف، وأنّك في تأمّل وتفكّر، لحماية وقبول مكونات الجسد الواحد، من أجل إخماد الصراعات التي تهلكه، وصولاً لتقديم نموذج عن الرقي الإنساني، لدى الفرد والجماعة في هذه الأمة التي كرّمها الله بنبي الرحمة، لنكون نموذجاً حضارياً تحتذى به باقي الأمم لقوله تعالى في كتابه الكريم "كنتم خير أمة أخرجت للناس".


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية