التعايش يقتضي الإقرار بحق الاختلاف وتحقيق الوحدة في ظل التنوع والتعددية

     لا نرمي إلى تعريف محدّد لمصطلح "التعايش"، فالغالب هناك تعريفات عدّة. وعادة ما تتسم بالعمومية والمثالية، والصياغات النظرية التي لا تستوعب الممارسات العملية، ولا تعبّر عن منظور فكري أو ثقافي معين، أو عن جوانب معينة من الموضوع نفسه. ولذلك فإنّ تحليل المصطلح، هو أفضل طريقة لتسليط الضوء على مكوناته، وبحث إمكانية تطبيقاته على أرض الواقع. فما هي مكونات مصطلح "التعايش" التي يمكن أن تجعل  منه أمراً قابلاً للتحقّق والتطبيق؟

تعدّ النظرة الإنسانية للإنسان من بين المكوّنات الجوهرية لـ "التعايش". فالنظرة الإنسانية تعني أن يؤمن جميع البشر بأنّهم متساوون في الحقوق والكرامة الإنسانية، ولا يوجد هناك تمييّز بين الأفراد لأي سبب كان؛ سواء أكان عرقياً أو ثقافياً أو دينياً أو باللون وغير ذلك. فالإنسان هو الإنسان في أي بقعة من العالم، ويتساوى مع غيره من الناس في كلّ شيء، وهذا الفهم للإنسان هو ما يدفع بالإيمان في العيش المشترك مع الآخرين واحترام أفكارهم ومعتقداتهم والبحث عمّا هو مشترك بينهم. وهذا الأمر يقود إلى الإيمان بالتعدّدية والحقّ في الاختلاف. ما يعني الإيمان التامّ بالتعدّدية داخل المجتمع الواحد، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يشترك الجميع بنفس المعتقد أو الأفكار أو القيم الثقافية أو الآراء، ويصبح المجتمع ذا نمط واحد لا وجود فيه للتنوع أو التباين والاختلاف، إذ لا قيمة لمجتمع يسود فيه رأيٌ واحد وفكر واحد، فهذا يقصي حرية الاختيار في الأذواق أو التمايز في القدرات بين الأفراد. ما ينفي فطرة التنافس، التي تعتبر من أهم المحفزات على الخلق والإبداع، وبالتالي يعيش المجتمع حالة ركود. وهذا أمر غير واقعي.

يقتضي التعايش الإقرار بحقّ الاختلاف بين أفراد المجتمع في شتّى المجالات، وأن يمارس الاختلاف بطرق سلمية بعيدة عن التعصب أو التطرف أو فرض الآراء على الآخرين بالإكراه. ولا شكّ أنّ ممارسة الأفراد حقّ الاختلاف فيما بينهم يأتي عن طريق الحوار والاقتناع وعدم احتكار الحقيقة، وإقرار حقّ الآخرين بتكوين وجهات نظرهم وأفكارهم الخاصة بهم بشكل مستقلّ، وممارسة طقوس معتقداتهم من دون تضييق.

كذلك يتضمن التعايش أيضاً؛ حالة من الانسجام والتناغم بين المكونات المختلفة في المجتمع، وهو لا يعني التشابه بين الجميع، بل ما يطلق عليه الوحدة في ظل التنوّع وهي مسألة ليست بالسهلة ويقتضي تحقيقها عدداً من العوامل. فلو نظرنا إلى واقع المجتمعات الحديثة نجدها تتشكل من أعراق وأديان ومذاهب وثقافات مختلفة، ولكنْ هناك منظومة من الحقوق والواجبات، يتطلّب الإقرار بها وممارستها من قبل جميع الأفراد المنتمين لهذا المجتمع؛ بغضّ النظر عن خصوصياتهم الثقافية المختلفة، فتصبح لهذه الحقوق والممارسات اليد العليا في المجتمع، وتتحوّل إلى ثقافة عامة، تعلو على أي معتقد أو ثقافة جزئية لمكوناته المختلفة. فالانسجام المقصود هنا هو الانسجام بين الأفراد؛ بهذه القيم العليا التي لا تميّز بين الأفراد حسب انتماءاتهم المختلفة، وهي منظومة قيمية، يحميها الدستور والقانون، وتقوم على مبدأ المساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات وعدم تمييز فئة عن أخرى. وهذا يعني بشكل عام وجود هوية وطنية عامة يشترك فيها الجميع، تستند على قيم عامة هي الأخرى، تتجاوز الهُويات الجزئية التقليدية، التي جاءت من أشكال اجتماعية تقليدية أو عرقية أو دينية سابقة على شكل المجتمع الحديث، القائم على المؤسسات. ما يجعل الهويات الجزئية هامشية وذات بعد اجتماعي فقط، ولا تتجاوزه إلى العناصر الاقتصادية والسياسية وكيان المجتمع والدولة. وينقلنا ذلك إلى تحديد دقيق لمكمن الاختلاف أو الاختلافات التي تقوّض سبل التعايش بين مكونات المجتمع. فالاختلافات التي تميّز مكونات المجتمع هي ذاتية الطابع، أي عبارة عن معتقدات أو مذاهب دينية أو قيم عرقية أو ثقافية ومصدرها اجتماعي. وتشكّل القيم الذاتية الخاصة التي تجتمع عليها كلّ فئة على حدة في المجتمع، وتُكون رابطاً بين أفرادها، يميّزها عن غيرها من الفئات. وهذه القيم ذات بعد اجتماعي أي تنعكس في سلوك وممارسة اجتماعية معينة، وذات بعد شخصي يتعلّق بحرية الفرد وما يؤمن به. في مقابل ذلك نجد أنّ الأمور والقضايا التي تجمع مكوّنات أي مجتمع أكثر بكثير من التي تفرقهم من حيث الكم والنوع. فهناك قضايا عديدة ومشكلات ذات طابع مادي لا تقتصر على فئة ما في المجتمع، بل تمسّ جميع أفراده ومن مختلف فئاته. فإذا كانت هناك مشكلات في التعليم أو الإسكان أو الأمن أو انتشار الفساد وغياب التنمية وغيرها، فإنّ ذلك سينعكس على المجتمع ككلّ ويمسّ جميع أفراده. وهذه المشكلات جزء من الحياة اليومية المشتركة، التي يمارسها الجميع. وهي المعيار الذي يمكن أن يجعل حياتهم أفضل؛ إذا تمّ التعامل معها بحنكة، وإلا ستتحوّل إلى الأسوأ إذا لم تُحل بإطار جماعي. بعبارة أخرى إنّ الأمور المشتركة ذات الطابع المادي التي تجمع الناس اليوم في أي مجتمع، هي أهم بكثير من الاختلافات ذات الطابع الذاتي، التي تتعلق بممارسات اجتماعية أو طقوس ما. وحلّ هذه الأمور وتطويرها يقتضي التعاون والتعايش المشترك بين مختلف الأفراد والفئات، من أجل تحقيق مستقبل أفضل للجميع، فالتركيز على القضايا الهامة والرئيسة، واستبعاد القضايا الذاتية والهامشية يحقّق الصالح العام للمجتمع، ويقضي على الفئوية، ويحقّق التعايش بين مختلف مكوناته. ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أنّ المجتمعات المنتجة هي من أكثر المجتمعات التي يمكن أن يتحقّق فيها التعايش؛ لأنّ عملية الإنتاج الصناعي وغيره تكون عماد المجتمع، وتعود بالنفع على الجميع. ما يعزّز الاهتمام بالقضايا الهامة والمصيرية، ويدفع الجميع لتجاوز اختلافاتهم  وقيمهم الذاتية والتركيز على ما  هو أهم. بينما نجد المجتمعات غير المنتجة  صناعياً، التي لم تحدث بها تحوّلات مدنية حديثة هي أكثر المجتمعات القابلة لتقويض أسس التعايش بين مكوناتها المختلفة.

الانتماء والتعايش

هنالك عوامل أخرى تعمل على تعزيز التعايش بين أفراد المجتمع، من أبرزها مسألة الانتماء، أي لمن ينتمي المواطن؟ ولا شكّ بأنّ تعزيز الانتماء إلى الوطن، الأرض وكيان المجتمع ومؤسسات الدولة إلخ...، كفيل بأنّ يخلق أسساً متينة للتعايش بين مكوّنات المجتمع المختلفة، بل إنّ الانتماء إلى الوطن يقلص كثيراً من حدّة الانتماءات الفرعية، التي يقدّمها البعض على الانتماء الوطني. ولعلّ ما تعيشه عديد من البلدان العربية، التي تتفشى فيها الانتماءات المذهبية والدينية والعرقية والقبلية  والعشائرية إلخ.. هو السبب الرئيس الذي يقف وراء الصراعات والانقسامات الحادّة بين مكوناتها، التي تصل إلى حدّ التشرذم وتجزئة الأوطان وقد تقود إلى تفكّكها. فهناك للأسف من يعمل على إذكاء روح التفرقة بين مكوّنات المجتمع من مختلف الأطراف عبر تسييس الدين أو تسييس التشكيلات الاجتماعية والعرقية، وترسيخ نظام المحاصصة الذي يقوّض أسس العدالة والمواطنة، ويدفع إلى تفكّك المجتمع ويضعها على طرق مجهولة؛ قد تأتي بعواقب وخيمة. فالانتماء الحقيقي إلى الوطن يمهّد لتعايش فعلي بين أفراده ومكوناته، ويتعزّز ذلك من خلال تطبيق المواطنة الحقّة، وعدم التمييز بين أفراده لأي سبب كان. وتحقيق العدالة ومبدأ تكافؤ الفرص للجميع وتطبيق مبدأ سيادة القانون وغيرها من الممارسات المقوننة، تعزّز انتماء الفرد لوطنه، وتجعله يشعر بأنه جزء لا يتجزأ من الوطن، وبالتالي تحول دون أن يعيش حالة من الاغتراب في بلده.

وإذا كانت هناك كلمة أخيرة في هذا المقام، فهي تتعلّق بعنصر مهمّ لا يدفع إلى تحقيق التعايش فقط، بل يتجاوزه إلى أمور أخرى على المستوى الفردي والمجتمع ألا وهو طريقة التفكير. فتحقيق التعايش يرتكز على طريقة تفكير تستند إلى العقل، أي التفكير العقلاني المتجرّد من الأهواء والعواطف والانفعالات المذهبية والعرقية، ويحتكم إلى الصالح العام، ويتسم بالموضوعية وعدم التحيّز لأي أمر كان. وهذه الطريقة في التفكير هي نقيض التعصّب والتطرّف وإلغاء الآخر واحتكار الحقيقة والتمييز بين أفراد المجتمع ومكوّناته، وإعطاء الحقّ في الريادة والتحيّز لطرف ما ضدّ الأطراف الأخرى. فطريقة التفكير العقلانية تعزّز من قيم التسامح واحترام حقّ الآخرين  في الاختلاف والتعامل الحضاري والإنساني مع الآخر سواء أكان ضمن نطاق المجتمع أو الآخر الخارجي، وترفض احتكار الحقيقة وترتكز على العقل في التعامل مع المشكلات أو الاختلافات بين مكوّنات المجتمع وتعزّز من التآخي والعيش المشترك بسلام بين الجميع، وفي حال غياب التفكير العقلاني ستكون النتيجة، ما نراه واقعاً من تفكّك وتشرذم في العديد من الدول العربية؛ بسبب افتقارها إلى أبسط مبادئ التعايش بين مكونات.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية