الاختلاف إرادة إلهيّة جوهريّة

       من نافل القول إنّ الكون يقوم على الاختلاف. ليس فقط اختلاف الكائنات فيه وتنوّع أجناسها، وليس فقط تعدّد الرّؤى والمواقف والأفكار، وإنّما الكون يقوم على الاختلاف لأنّ كلّ موجود فيه بصمة فريدة لا تتكرّر. هذه الحقيقة بديهيّة. ولكن، رغم بداهتها، فقد سعى البشر عبر التّاريخ إلى نفيها بأشكال وأساليب شتّى. ومن أبرز هذه الأساليب الحروب والنّزاعات المسلّحة وما ولّدته وما زالت تولّده من دمار وأسى ورعب ومجازر.

       إنّ منطق الحروب سعي إلى إخضاع الآخر لمجرّد أنّه مختلف. وقد يكون هذا الإخضاع رمزيّاً من خلال إجبار الآخر على الالتزام بلباس مخصوص وهيئة مميّزة تجعله كائناً من الدّرجة الثّانية. وقد يكون هذا الإخضاع واقعيّاً من خلال قتل الآخر والقضاء عليه. وسواء أكان الإخضاع رمزيّاً أم كان واقعيّاً، فإنّه يقوم على نفي الاختلاف. بعبارة أخرى: الآخر يجب أن يكون مثلي أو ألاّ يكون.

       على أنّ كلّ صراعات الكون وحروبه لم تستطع أن تمحو الاختلاف أو أن تنفي التّنوّع. فما زال البشر إلى يوم النّاس هذا متنوّعين في أجناسهم وأشكالهم وأفكارهم وتصوّراتهم وأساليب عيشهم إلخ...ولصمود الاختلاف عبر التّاريخ سبب بسيط جدّا، وهو أنّ الاختلاف يعدّ شرطاً لازماً وأساسيّاً لوجود الحياة. بل إنّ الله تعالى لم يخلق النّاس إلاّ من أجل هذا الاختلاف. وهذا ما يؤكّده قوله عزّ وجلّ في سورة هود: "ولو شاء ربّك لجعل النّاس أمّة واحدة ولا يزالون مختلفين- إلاّ من رحم ربّك ولذلك خلقهم" (هود 118/119).

       ويشمل هذا الاختلاف أيضا رؤية البشر للأديان وعلاقتهم بالإلهيّ عموماً إذ "لو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلّهم جميعاً أفأنت تكره النّاس حتّى يكونوا مؤمنين" (يونس10، 99).

إنّ أداة الشّرط "لو" تفيد الاستحالة. واستعمالها في الآيتين يؤكّد أنّ وجود الاختلاف هو من إرادة الله تعالى في الكون. ولمّا كان الاختلاف إرادة إلهيّة جوهريّة، فإنّ كلّ من ينشد نفي هذه الإرادة لن يكون إلاّ مجرّد واهم يروم تحقيق مستحيل منطقيّ.

       إنّ السّاعي إلى الوهم لن ينجح طبعا في نفي الاختلاف. وكلُّ ما سيحقّقه هو نتائج كارثيّة جماعيّاً وفرديّاً. فأمّا الجماعيّ فهو الصّراعاتُ والحروبُ، وأمّا الفرديّ فهو القلقُ النّفسيّ والعذاب الجوّانيّ. ذلك أنّ من يروم نفي الآخر إنّما هو في الحقيقة ينفي وجها آخر من نفسه، فالآخر ليس إلاّ صورة أخرى ممكنة من الأنا. ومن ينفي الآخر وينفي من ثمّ جوهره البشريّ لا ينال راحة ولا سلاماً.

إنّ القرآن الكريم يقدّم صورة للجنّة قائمة على المحبّة وعلى نقض الكراهية والحقد. فالله تعالى يقول واصفاً أهل الجنّة: " ونزعنا ما في صدورهم من غلّ" (الحجر15، 47). ويمكن أن نذهب إلى أنّ غياب الغلّ تجاه الآخر لا يسم فحسب الجنّة الأخرويّة الّتي يروم المؤمنون بلوغها. وإنّما يجسّم غيابُ الغلّ وقبولُ الآخر كما هو في اختلافه أساس الرّاحة النّفسيّة والاطمئنان بما يمكن اعتباره جنّة نفسيّة للفرد في الحياة.

       وليس من الغريب والحال تلك أن تقوم كلّ الأديان والتّقاليد الرّوحانيّة على مفهوم التّعايش في بعده الظّاهر، بصفته وجوداً لكلّ البشر في الحياة، وفي بعده العميق بصفته أسّاً روحانيّا للمعاملات بين النّاس. وهو أسّ يقتضي أنّ الأنا والآخر وجهان لعملة واحدة، ويقتضي أنّ مفهومي السّلام النّفسيّ والسّلام الاجتماعيّ لا يمكن أن يتحقّقا إلاّ إذا أحبّ الإنسان لأخيه ما يحبّه لنفسه.

       إنّ هذا السّلوك هو جوهر التّقاليد الرّوحانيّة إذ نجده في الإسلام من خلال إقرار الرّسول بأنّه لن يؤمن أحدنا إلاّ إذا أحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه. ونجد هذا السّلوك نفسه في المسيحيّة إذ ورد في إنجيل متّى: "عامل الآخرين بالضّبط كما تريد أن يعاملوك". ونجده في اليهوديّة إذ ورد في التّلمود: "كلّ سلوك تعتبره مكروهاً، لا تسلكه تجاه جارك. هذا هو القانون الأصليّ، الباقي ليس سوى تعاليق". ونجده في الهندوسيّة: "الواجب الأهمّ هو ألاّ تسلك تجاه الآخرين سلوكاً يلحق بك أنت نفسك ضرراً ما". وتعبّر البوذيّة عن هذا السّلوك بأسلوب مختلف إذ يقال: "لا تفعل للآخرين ما يمكن أن يُلحق شرّاً بك أنت نفسك". ويقول التّاويّون: "إنّ جارك يربح ما تربحه أنت ويخسر ما تخسره أنت". ويقول الزّردشتيّون: "إنّ صاحب الطّبع الخيّر هو ذاك الّذي يمتنع عن أن يلحق بالآخرين ما يسيئه هو نفسه".

       ولا يختلف جوهر القوانين الحديثة عن هذا المبدأ العامّ إذ إنّ الأصل الفلسفيّ لحقوق الإنسان ليس سوى احترام المشترك البشريّ بين النّاس مهما تتعدّد ألوانهم وأشكالهم وانتماءاتهم وميولاتهم واختياراتهم، وذلك دون أيّ تمييز. وهذا ما يحيل عليه البند الثّاني من بنود الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان: "لكلّ إنسان حقّ التّمتّع بجميع الحقوق والحرّيات المذكورة في هذا الإعلان دونما تمييز من أيّ نوع. ولا سيّما التّمييز بسبب العنصر أو اللّون أو الجنس أو اللّغة أو الدّين أو الرّأي...أو الأصل الوطنيّ أو الاجتماعي أو الثّروة أو المولد...".

       ويتجسّم احترام المشترك البشريّ في القرآن الّذي لا يتّجه إلى فئة من البشر دون أخرى، وإنّما هو يخاطب النّاس جميعاً: "يا أيّها النّاس" أو يخاطب الّذين آمنوا: "يا أيّها الّذين آمنوا". والإيمان ليس الإسلام، وإنّما هو مشترك روحانيّ بالقوّة بين البشر لا يكون إلاّ في القلب:

"مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ..." (المائدة5/41)، "...وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ..." (النّحل16/106)، "...كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ..." (المجادلة58/22).

إنّ القرآن في كونيّته يؤكّد أنّ الاختلافات بين النّاس جوهر علينا قبوله، ويؤكّد أنّ التّعايش بين البشر رغم هذا الاختلاف لا يكون إلاّ بقبول الآخر في تنوّعه بصفتنا جميعاً مهما نختلف ونتنوّع، نشترك في الجوهر الرّوحانيّ الواحد الّذي منه جئنا وإليه نعود.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية