المشتركات الإنسانية منظومة قيم أم حداثة ومدنية متلاحقة؟

لا يخلو الحديث في موضوع "المشتركات الإنسانية" من التشويق، فالمشتركات بطبيعة الحال هي جوامع للقلوب قبل العقول. والعقل السوي يتلهف إليها؛ باعتبارها همزة وصل مريحة، بمعنى أنها تفتح آفاقاً غير محدودة؛ لتمس إنسانيتنا من خلال الآخر. هذا فضلاً عمَّا تتيحه من فرصة للتعاون الإيجابي. ومعلوم أن التعاون هو أساس النجاح والبناء والنماء الفردي والجمعي على السواء. ولكن هل يمكن الحديث عن المشتركات، باعتبارها منظومة قيم، ورثها الإنسان منذ فجر المعرفة الأول، أم أن المسألة تتجاوز المشتركات العامة مثل قيم "الكرامة، والحرية، والحق" على أهميتها، إلى ما هو أبعد من ذلك؟ فمثلا كيف يستقيم البحث في "المشتركات الإنسانية" قبل الاتفاق على ماهية “الأنسنة" في الثقافة المعاصرة؟ وهل مفهوم "الأنسنة" في الثقافة العربية، هو عين المفهوم في الثقافة الغربية مثلاً، أو هل يقود إلى المعنى عينه؟ وهل يمكن الحديث عن "الأنسنة" كمفهوم فلسفي بعيداً عن دلالة المصطلح في الثقافة والوعي المتباين حسب تباين المجتمعات؟

   الأنسنة بمعنى من المعاني، هي رديفة الحداثة أو المدَنية، أي بمقدار ما يتمدن المرء، يستطيع أن يستشرف إنسانيته بشكل أفضل. وهذا يعني في وجه من الوجوه، أن الأنسنة هي نتاج العلم؛ لأن الحداثة والمدنية عملية مستحيلة من دون العلم. ولكن هل الأمر عينه بالنسبة للوعي العربي؛ كونه لم يتفاعل حتى اللحظة الراهنة مع الحداثة بشكل فاعل؟ وهو ما يقتضي طرح السؤال ما الأنسنة عربياً، وضمناً ما الحداثة عربياً؟. وقبل ذلك هل المطلوب تعريف الأنسنة، أم دورنا التعريف بالأنسنة؟.


    اشتقت الأنسنة من الفعل أنسن بوصفها مصدراً، والفعل أنسن اشتُق من الكلمة -المفهوم إنسان. والفعل أنسن فعل يشير إلى عملية جعل الأمر إنسانياً قبل أن يكون كذلك. فالأنسنة بهذا المعنى، أنسنة ما لم يكن إنسانياً، ولكن ما هذا الذي جعل البشر عالماً ليس إنسانياً، ودفع نَفَر من الفاعلين إلى العمل؛ لإعادة ما حال ويحول دون أن يكون الإنسان إنساناً؟


وما معنى أن يكون الإنسان إنساناً؟ هل معناه أن يحتفظ الإنسان بطبيعته البشرية التي فقدها عبر الزمن الثقافي والسياسي والاقتصادي؟ إن أمراً كهذا من قبيل الوهم الطوباوي، الوهم الذي أنتج حركة الهيبيين في الستينات، ودفعها للبحث عن مكان يحررهم من الحضارة التقنية والمادية، التي أكلت أرواح البشر، أو الوهم الذي يقودنا إلى أن نمارس حياتنا، كما تمارسها جماعة "الآميش" البدائية في أمريكا راهنا؛ رغم كون أمريكا تمثل قمة الحداثة والمدنية في اللحظة الراهنة. وفي كل الأحوال قد يطل علينا الهوبزيين قائلين: لكن الطبيعة البشرية، إنما هي طبيعة ذئبية، وليست طبيعة خيرة؛ وإلا لما احتاج البشر إلى العقود الاجتماعية وقيام دولة المؤسسات والقانون؛ حتى تضبط إنسانيتهم.

 
  وهكذا تبدو الأنسنة للوهلة الأولى؛ وكأنها مسألة بسيطة، إلا أنها في غاية التعقيد؛ لأنها تطرح تصوراً عمَّا يجب أن يكون عليه الإنسان، وليس الإنسان على ما هو عليه في كينونته. وهذا هو الذي يجعل من الأنسنة خطاب مواجهة مع كل ما يعيق حضور الإنسان؛ كما يجب أن يحضر.
وإذا كانت الأنسنة، هي الإنسان كما يجب أن يكون، بل الانتصار على كل عائق يحول دون تحقيق ما يجب أن يكون عليه الإنسان. فما هي صورة الإنسان، الذي يجب أن يكون؛ من زاوية الوعي الإنسانوي؟

هذا ما نحاول الإجابة عليه، في إطار بحثنا وحوارنا المفتوح حول ضرورة تعزيز وترسيخ المشتركات الإنسانية. فشاركوا معنا؛ بفكركم وقلمكم في البحث عن إنسانيتنا.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية