الإمارات تبنت ثقافة التسامح كرؤية وطنية في عملية التنمية

    يبدو واضحاً أنّ سؤال العلاقة مع الآخر سيبقى في مركز الاهتمام دائماً في الحضارة الإنسانية، ومن دون تقديم إجابات موضوعية حول هذا السؤال، فإنّ الفوضى والاضطراب سيبقيان كعنصرين ثابتين في اللوحة من حولنا، خصوصاً مع صعود أزمة الهويات، والتي تعصف اليوم في أكثر من منطقة من العالم، حيث تسود ثقافة الإقصاء، وينتفي الحوار بين الأفراد والجماعات، ما يجعل العنف هو الشكل المسيطر في العلاقات، وهو عنف يؤجل فعلياً انتقال المجتمعات والدول إلى وضع تنموي أفضل.

       لقد مرّت البشرية خلال تاريخها الحديث، وعلى أقل تقدير خلال القرون الأربعة السابقة، التي تلت عصر التنوير الأوروبي، مرّت بمنعطفات كثيرة، وكان من ثمارها التنظير للعلاقة بين الذات والآخر، وإنتاج قوانين تحمي هذه العلاقة، بالإضافة إلى نمو ثقافة حقوقية تفرض التسامح كنمطٍ مهمٍ في العلاقات التي تسود ضمن المجتمع الواحد، ما يحمي خصوصية الهويات الموجودة، كما يفسح المجال أمام الحوار البناء، وتلافي استيقاظ العنف، وهو ما يحمي المجتمعات من انفجارات لا معنى لها.

       وفي تاريخ أوروبا الحديث تبدلت النظرة مرات ومرات إلى طبيعة العقد الاجتماعي، وهو ما شكّل مساراً تصاعدياً نحو عالم المواطنة، وقد أسهمت الفنون والآداب في تكريس مفهوم المواطنة، الذي يضع الناس أمام مسؤوليات وواجبات محددة، والتي تعني فعلياً أن الجميع يتشاركون الفضاء نفسه أكان فضاءً سياسياً أم اجتماعياً أم اقتصادياً، وبناءً عليه فإنهم مطالبون بفهم مصالح بعضهم بعضاً، ومطالبون بعدم الانتقاص من حاجات الآخر وفهم دوافعه ومواقفه، بل وتبرير سلوكياته التي تتناقض معنا أحياناً على قاعدة حق الاختلاف.

       إنّ ثقافة التسامح هي في المحصلة نتاج صيرورة، وقد يشهد التاريخ فترات يزدهر فيها التسامح، وفترات أخرى يقلّ فيها منسوب التسامح، وكل ذلك يعود إلى ظروف النشاط البشري وطبيعة العقد الاجتماعي الموجود بين الناس، أو طبيعة العلاقات الدولية وحل النزاعات داخل الجماعة الواحدة، أو بين دول متنازعة، ويمكن القول إنّ بعض المؤسسات الأممية كما الأمم المتحدة هي مكان للوصول إلى حلول وسط أحياناً بين الأطراف المتنازعة، وذلك للانتقال من رؤية قائمة على إقصاء الأخر إلى رؤية تقوم على القبول بالآخر، وهو ما يعني فعلياً تخفيف حدّة الكراهية والحقد والتحول إلى التسامح.

       يقول فولتير في كتابه الشهير "رسالة في التسامح" المنشور في عام 1763" الذي يضطهد فرداً آخر هو أخوه في الإنسانية لأنّ له رأيا يخالف رأيه، هو وحش"، وهكذا فقد ربط فولتير التسامح بقبول فكر الأخر، وعدم الاضطهاد، واعتبر أنّ عدم التسامح هو فعل وحشي في هذه الحالة، ما يجعلنا ندرك أنه لا إنسانية حقة من دون تسامح، وأنّ التسامح سمة الشعوب التي قطعت شوطاً مهماً في تحقيق إنسانية الإنسان، ولا مكان لهذه الإنسانية من دون قبول الآخر المختلف.

       لكن البشرية ليست في خط صاعد إلى الأمام، ونحن نعرف أنّ الحروب في العالم وممارسة العنف تجاه الآخر وإقصاء المختلف ما زالت كلها أمور تحدث وبكثرة من حولنا، وهي تفعل فعلها في توسيع الهوة بين الناس والدول، وهو ما يجعل من الحديث عن التسامح أمراً لا مناص منه، بل وجعله ثقافة عامة، لكن الوصول إلى هذا المستوى من تعميم ثقافة التسامح يحتاج إلى جهود جبارة، وهي مسؤولية تقع في صلب العملية التربوية، فالفرد لا  يمتلك هذه الثقافة إلا من خلال الوحدات والمؤسسات الاجتماعية التي ينتمي إليها، ومنها البيت والمدرسة والجامعة وغيرها.

       واليوم بات بالإمكان الحديث عن دول تتبنى ثقافة التسامح في رؤاها الاستراتيجية وتعمل بشكل متواصل على تعزيز هذه الثقافة، ولقد شكل بلدنا الإمارات واحدة من هذه الدول التي أسهمت فيها ثقافة التسامح في تطور عملية التنمية نفسها، حيث تتعايش ثقافات كثيرة ومختلفة وتعمل مع بعضها بعضاً، وهو ما أسهمت فيه الرؤى الوطنية منذ تأسيس دولة الاتحاد، وأصبحت هذه الرؤية الوطنية نهجاً شاملاً ينعكس في مختلف مناحي الحياة.

       إنّ النموذج الإماراتي يبرهن على أن تبني ثقافة التسامح هو أساس مهم في التطور، وفي بناء مجتمعات آمنة، وأنّه فضاء رحب لنمو الإبداع والابتكار، وأنّ الثقافات يمكن أن تعيش إلى جانب بعضها بعضاً ويمكن أن تتحاور فيما بينها، فالحوار هو الركيزة التي يقوم عليها التسامح، والتسامح هو الفضاء الذي يمكن أن ينمو فيه الحوار البناء، وهو رصيد مهم لنا وللأجيال المقبلة.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية