الملامح الإنسانية الباقية على خرائط الحب وبصمات القلب

       مع تقدم العلوم والمعارف الإنسانية تتكشف الكثير من الحقائق التي كانت خافية على البصيرة المعرفية، فتجعلنا ندرك أننا ما أوتينا من العلم إلا قليلاً، ويتحول هذا الشعور بالنقصان إلى شاهد إثبات على صدقية الخطاب القرآني الإلهي الذي جعل من العمق المعرفي البداية المثلى، التي أعقبت الخلق البشري، فعلّم الخالق العظيم الأسماء كلها لآدم النبي، الإنسان الأول، وجعل (اقرأ) كلمة الوحي الأولى لمحمد النبي (صلى الله عليه وسلم) الذي هو خاتم المرسلين، وبذلك تكون بوصلة المبتدى والمنتهى للرسالة والرسل قائمة على شرط المعرفة، الذي يتحقق عبر حواس بصيرته، التعرف إلى فضائل الآخر الإلهي، وكائناته الإنسانية وغيرها.

        كما يتحقق الإدراك إلى مدى الحاجة إلى ذلك الآخر؛ بعد أن يتبدى أمام الشخصية الإنسانية الفردية؛ مقدار النقص التي يصيبها من دونه، فتتحاشى فقدانه، ويُلازمها الإيمان بعدئذٍ بتقريبها إلى الكمال الإلهي المطلق؛ فريضة تسعى إلى بلوغها بمحبة، لتسعف نقصانها بهذا الكمال البهي. وهذا يتبدى جلياً بكل المؤمنين بالأديان السماوية، الذين أدركوا بالمعرفة جوهر دعوتها الواحدة، وصولاً إلى متممها الإسلامي، الذي جعل محي الدين بن عربي يهتف بلسان أعماقه المعرفية: "أدين بدين الحب أنّ توجهت ركائبه"، وجعل رابعة العدوية تناجي بشغف المشتاق إلى التحرر من نقصانه البشري، والمضي بعشق ومحبة إلى الكمال الإلهي المطلق: "أحبك حبين حب أهل الهوى، وحب لأنك أهل لذاك". وهذا التقرب الذي يبدأ مع الذات الإلهية؛ لسوف يدفعك حبها وطاعة سلطانها إلى الآخر البشري؛ لأنها هي القائلة في محكم التنزيل القرآني: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات13) .

 

       عبر هذا الفحوى القرآني، يجري الانتقال من الإلهي إلى الآخر البشري، الذي تكون أنت وهو في حالة تماس مباشر؛ ضمن الكيان الأسري، داخل بيت العائلة، ثم الآخر الماثل في المحيط الأوسع، فالأكبر والأشمل، ويطالعك في مقدمته النبي (صلى الله عليه وسلم) والمؤمنون وجيرانهم من المكونات الأخرى المختلفة عنهم في الديانة والولاء.. هذا ما تبدت مظاهره بصورة جلية في المدينة المنورة، التي خاطب الرسول أهلها وكل مَنْ وَفَدَ إليها بروح المحبة، مبيناً لهم أن كل واحد منهم نصفه الآخر مع أخيه، ومضى بعدئذٍ بالمؤاخاة بين المهاجرين من مكة والأنصار، ثم بين الأوس والخزرج، ولم يكن حتى الوثنيون منهم بعيدين عن هذا التآخي، الذي بلغ كل المزيج الإنساني في المدينة على اختلاف أنسجته القبلية والعشائرية المتنوعة والمتعددة من خلال "صحيفة المدينة". وفي هذا التوجه دلالة بليغة على أن الدين الإسلامي الحنيف يقرّ للناس كافة بحرية الاعتقاد والعبادة، وهو ما أكد عليه الخطاب القرآني في قوله تعالى : {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف:29) ؛ وقوله أيضاً : { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ }؛ وعلى أساس هذا الهدي العظيم جاءت الدعوة النبوية إلى ضرورة التعامل، وفق مبدأ التكامل مع الآخر؛ بغض النظر عن المسائل الخلافية معه، شريطة أن يقوم هذا التعامل والتكامل على التفاعل والاحترام المتبادل، وأن ينهض على الحب المشترك الذي ينقلب فيه التباين والاختلاف إلى تنوعٍ وغنى، يثري الحياة في صورة بديعة، حضّ على بلوغها الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام؛ بل وجعلها شرط الإيمان في قوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". لقد بقيت الدعوة النبوية الشريفة في كل عهدها تنشر بين الناس كافة السلم والسلام، الذي هو من أسماء الله الحسنى، وتزيّن حياتهم بالتسامح والمعاملة الحسنة، لذلك قام التعايش المشترك بين سائر الناس وعلى اختلاف معتقداتهم في أبهى صوره في المدينة المنورة، وفي الأندلس، وفي كل الأمكنة التي بلغتها الفتوحات الإسلامية. ولعل ما يجري اليوم على يد الجماعات المتطرفة من ازكاء روح البغضاء والقتل؛ باسم الإسلام الحنيف، يؤكد مدى بُعدهم عن هدي وتعاليم وجوهر هذا الدين، وجهلهم وتجاهلهم لتاريخ طويل قدم فيه الرسول الكريم والصحابة الأجلاء أمثلة تحتذى لاحترام الآخر، وحُسن التعامل معه، فتجاوز الإسلام حدود الجزيرة العربية، وانتشر في أنحاء ممتدة قَدِمَ منها هذا الآخر ودخل في دين الله أفواجاً؛ بعدما اقتنع عقله بمبادئه وفكره، وبعد انشداد قلبه لتعاليمه القائمة على التعاضد والسماحة والحب. وإذا كنا نشهد اليوم في عالمنا على اتساعه؛ صورة نقيضة لذاك التآلف الخالد، فإننا نحتاج إلى مزيد من التبصر ومزيد من المراجعة إلى تلك العوامل، التي اعتمدها الإسلام الحقيقي في إشادة البنيان لمجتمع كبير، ساد فيه الأمن والأمان والسلم، حتى نتبين مكامن الخلل والمخالفات المرتكبة التي أدت إلى الشحناء والبغضاء، وملأت تاريخنا المعاصر بوابل من الحقد والكراهية، وبأنهار من القتل والموت والدم، وحتى نتعرف من أي الجهات أخذ الغروب شمس التسامح من الصدور، ومن أي الأماكن تسللت عتمة الظلم والنفور وعدم تقبل الآخر. وهذا يقتضي منا العودة إلى الجذور، حيث تكمن فيها منابع الأسباب، التي نمت وتنمو من نسغها هذه الضغائن، التي ملأت القلوب ودفعتها إلى سلوك منحرف عن فطرة الخير والشراكة، التي أودعها الله في الإنسان على امتداد الجغرافيا الكونية، وأرسل لكل مَنْ عليها على فترة من الأنبياء والرسل ديناً للتآخي والتوحيد وعقائد للحب والألفة، وكل الحملات والممارسات التي تناقضت وتتناقض مع مسار هذه الألفة، تعتبر مخالفة لتعاليم الديانات السماوية، التي مصدرها إله واحد وأهدافها ومسعاها واحد، لا يمكن أن تقبل مسألة في مكان وترفضها في مكان آخر، كما لا يمكن أن تقر سلوكاً لقوم وترفضه من أقوام آخرين، لذلك سنجد على نحوٍ جليّ أن ما رفضه الإسلام من قتل للأبرياء تحت أي مسمى، ترفضه المسيحية الإلهية الحقة، ولا تقبل به وتعتبره جريمة يجب أن تخضع للحساب، وكذلك ما تنزل على نبي الله موسى يُحَرم ما تفعله العصابات الصهيونية بأرض السلام فلسطين وبأهلها وناسها لأن الكل الإنساني هو خلق الله، ومن يمارس الجريمة والقتل ضد هذا الخلق لا يمكن عده من أبناء دين الله السماوي، وبذلك لا تمثل الجماعات المتطرفة التي تقوم بسفك الدماء  الإسلام، كما أن ما قامت به الحملات الصليبية ومحاكم التفتيش لا تمثل المسيحية  الحقة، وكذلك الجرائم المرتكبة من قبل الصهاينة لا تمثل اليهودية بمبادئها الإلهية الصحيحة.. إن كل ذلك مرفوض بشرائع السماء السمحة؛ لأن الجريمة التي يقوم بها مرتكبوها عبر التاريخ تقوم على كره الآخر المخالف لهم، في حين أن هذا الآخر فيه تكتمل الصورة، التي أراد لها الله سبحانه أن تظهر في سائر المشهد الحياتي، فمن أراد أن تكتمل صورته فعليه أن يبلغ كامل ملامحه المتبقية عند الآخر، الذي يلتقيه بمودة على خرائط الحب، التي تنمحي عليها كل حدود الإلغاء والكراهية.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية