الأخلاق والتسامح والسلام الكوني

من دون أخلاق لن يتحقق التسامح المفضي إلى التعايش الحق في المجتمعات البشرية المعاصرة، لذلك يتعين إثارة هذه المواضيع حتى نستطيع في النهاية النجاح في بناء مجتمع متخلق، يؤمن بكل القيم النبيلة؛ رغم اختلافاتنا الدينية واللغوية وغيرها، وبالتالي يتحقق السلام الكوني، وهي مباحث شهدت، تبايناً كبيراً في الآراء بين الفلاسفة، والمفكرين، على نحو أسهم كذلك، في إنتاج تصورات مدهشة بشأنها.

 

  في حديثه عن البر، يضع صموئيل كلارك ثلاث قواعد بديهية، محورها الله، والمخلوقات البشرية، وأنفسنا. فالأخلاق إزاء الله تعني، لدى كلارك، أن نحفظ باستمرار في عقولنا أسمى شرف واعتبار وتقديس ممكن له، فيما تشير إزاء المخلوقات البشرية إلى ضرورة، أن نتصرف مع كل إنسان بصورة خاصة، كما يمكن أن نتوقع بظروف مماثلة أن يتصرف معنا، وأن نحاول بصورة عامة على أساس من التسامح الكلي؛ أن نساهم في اطراد لرفاهية جميع الناس وازدهارهم. أما الفرع الأول لهذه القاعدة فهو العدالة. وأما الفرع الثاني فهو المحبة، أما الأخلاق إزاء أنفسنا، ففحواها أن يحافظ كل إنسان على وجوده، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وأن يجد المعونة؛ ليحافظ في جميع الأوقات على المزاج والاستعداد الجسمي والعقلي، اللذين يمكنانه من القيام بواجبه في جميع المناسبات على أحسن شكل ممكن.

  وهكذا فالأخلاق بالنسبة لكلارك شيء كالرياضيات تماما. ثم تصبح مع الأسقف باتلر أقرب لعلم الحركة (الميكانيك)، تستوجب تحليلا أولا للطبيعة البشرية؛ قبل أن تتضح المبادئ العامة. ويظهر مثل هذا التحليل أن للجنس البشري غرائز متنوعة ومبادئ للفعل كما للعجماوات. بعضها يؤدي حالا ومباشرة إلى الصالح العام، وبعضها يؤدي مباشرة إلى الصالح الخاص.

 

التفكير والضمير

 في الإنسان خصائص كثيرة لا توجد في الحيوان. وبصورة خاصة التفكير والضمير، واستحسان بعض مبادئ العمل، وعدم استحسان غيرها. ولا يجوز أن تجعل المحبة الذاتية والتسامح أو الفضيلة والمصلحة أمورا متضادة. وإنما يجب فقط تمييزها عن بعضها البعض.. إن الخير أو الشر في الأعمال لا ينشأ من وصفها بأنها مجردة عن المصلحة أو غير مجردة، وإنما ينشآن عما تستوجبه طبيعة الحالة أو عكسها. وفي الطبيعة البشرية إشارات تدل على أننا خلقنا للمجتمع ولأن نفعل خيراً لغيرنا من البشر، كما هيأنا الخالق؛ لنعنى بحياتنا وصحتنا وخيرنا الخاص. فالأفراد يتبعون ويطيعون طبيعتهم في هاتين الناحيتين إلى درجة ما، ولكن بصورة غير كاملة.

  يقول جون هاريان "من الواضح أن لا شيء يهم في الجنس البشري أو في أي مخلوق من المخلوقات سوى السعادة". فنحن إذن لا ندين لأي إنسان بأي شيء، سوى أن نعمل على اطراد سعادته واستمرارها قدر ما تسمح به قابلياتنا. وعلى ذلك فالاستعداد والسعي لأن نفعل الخير إزاء كل ما يجب أن نفعله؛ بالدرجة والطريقة اللتين تستوجبها علائقنا مع الآخرين، إنما هو تنفيذ للواجبات التي تربطنا بهم. ويتضح من هنا أن الفضائل المتقابلة والرذائل المتقابلة للجنس البشري يمكن إرجاعها للبر أو لعدم وجوده.

   وقد بحثت إحدى المدارس عن نقطة استناد لذلك؛ بالقول بوجود حس أخلاقي خاص أو داخلي؛ لمعرفة الخطأ والصواب، يحدد التوازن الصحيح بين محبة الذات، ويؤمن الوحدة بين المصلحة الخاصة والعامة. كان اللورد شافتسبوري من مشهوري القائلين بالديانة العقلية، وهاتشيسون من أتباع هذا المذهب، بينما اقتفت مدرسة أخرى آثار هوبز، فقالت إن المنفعة الذاتية هي الدافع الكلي للطبيعة البشرية، ووجدت أن شعور الرأفة الذي يحدو بنا لأن نفرح ونبكي مع الآخرين، هو الجسر الذي يربط بين المصلحة الذاتية والبر بصورة عامة. فالجنس البشري يوافق على ما هو نافع لمصالحه، وينساق الفرد بالفطرة لأن يعجب بكل ما ينفع الجميع.

 

النفع العام

إن اعتبار النفع العام يدخل بصورة رئيسية في كل تحديد للأخلاق. وعندما تنشأ أي مناقشات في الفلسفة أو في الحياة العامة حول حدود الواجب، فإن المشكلة لا يمكن البت فيها بتا قاطعا إلا بعد أن نستحضر الجانب الذي يؤمن الصالح الصحيح للجنس البشري. ويبدو أيضا أننا في تقديرنا للأخلاق والأشخاص، نتأثر كثيرا بالفضيلة الاجتماعية، وذلك ليس ناجماً عن اعتبار للمصلحة الذاتية؛ بل إنه تأثير أكثر اتساعاً وشمولاً. ويبدو أن الميل إلى الخير العام والعمل من أجل اطراد السلام والملاءمة والنظام في المجتمع، يؤثر على مبادئ البر في كياننا، فيسوقنا إلى جهة الفضائل الاجتماعية.

كان قادة عصر التنوير كبار الدعوة للتسامح، فقد أفسحت القوى الاجتماعية والدينية مجال التقبل العملي للفكرة القائلة؛ بأنه يجب أن يسمح حتى للخطأ بالوجود من غير أن يتعرض لهجوم، سوى الهجوم الذي يشنه العقل.

 

التسامح والسلام

  لقد شهد أواخر القرن السابع عشر التعبير الكلاسيكي عن هذه النظرية المنقذة. وواقع الأمر أن البروتستانت كانوا قد دافعوا عنها من قبل. وقد كتب أول تصريح كبير في هذا الموضوع روجر وليامز الذي يعود إليه شرف وضع التسامح موضع التنفيذ في رود إيلند  Rhode Island حين كانت السلطة في يده. وهي في كتابه "القواعد الدموية في الاضطهاد من أجل قضية الضمير" المنشور سنة 1644 ينادي بأن الحكومة إنما هي قوة زمنية محضة، ولا يجوز أن يكون لها سلطة على أي معتقد ديني أو هيئة دينية.

  الكنيسة – حسب روجر وليامز- يمكن أن تكون كأية شركة أو جمعية، مثل شركة الهند الشرقية، أو التجار الأتراك، أو أية جمعية في لندن؛ قد تتجزأ بكاملها وتنحل إلى أجزاء أو تزول تماما، ومع ذلك فالسلام في المدينة لا يتعكر أو يتضرر. فالكنيسة الصحيحة هي روحية في طبيعتها. وهي لذلك في غير حاجة إلى تأييد حاكم مدني للمحافظة على مركزها. وواجبها ألا تستعمل الأسلحة الدنيوية، بل "درع البر وخوذة الخلاص وسيف الروح". ولا سلطة لها على العلائق بين الإنسان والله. ذلك أن الرقابة تؤدي إلى القضاء على كل علم، ووقف الحقيقية، لا لأنها تمنع استعمال المواهب، وتشلها فيما يختص بما سبق أن توصلنا إليه من المعرفة فحسب، ولكن لأنها توقف وتشل كل كشف يمكن تحقيقه في الحكمتين الدينية والمدنية معا. "أعطني قبل جميع الحريات الحرية لأعرف وأقول وأناقش وفقا لما يقضي به الضمير"، تلك هي النتيجة التي وصل إليها نيوتون.

   لقد نادى جميع مفكري القرن الثامن عشر بمبادئ التسامح، ولكن بتفاوت فيما بينهم. ففولتير مثلا بالرغم من استعداده لمساعدة كل من وقع ضحية للاضطهاد – حتى اليسوعيين- لم يقل بتسامح واسع كالذي قال به بيل ولوك، فذهب إلى ضرورة حصر الوظائف العامة والمراتب الرفيعة في من يعتقدون بدين الدولة؛ لأنه كان يعتقد أن الدين ضروري لضبط الشعب. وقد كانت بروسيا أول دولة أوروبية أعطت الحرية الدينية التامة، وذلك في ظل حكم فريدريك الثاني صديق فولتير. وحين شبت الثورة الفرنسية التي جلبت معها بالفعل موجة كبيرة من عدم التسامح السياسي بين الجانبين، ظهر من ينادي بأنه ليس للحرية من حد على الإطلاق؛ حتى احتج ميرابو على مجرد لفظة التسامح بقوله:

"الحرية الدينية التي لا حد لها أبدا، هي في نظري حق مقدس إلى حد أن التعبير عنه بكلمة "التسامح" يبدو في ذاته ضرباً من الاستبداد، لأن السلطة التي تتسامح قد لا تتسامح أيضا". ونشير هنا من جهتنا إلى أن دور الدولة مهم جدا في ضبط حدود التسامح، وإلا أصبحنا أمام ظواهر عديدة قد تتحول مع مرور الزمن إلى فوضى باسم الحرية والتسامح؛ إذ لا يمكن التسامح مثلا مع من ينشر فكراً عنصرياً أو خطاباً إرهابياً.

 

كونية السلام

  إن ذات الأخلاق العقلية النفعية التي أدت إلى الخيرية والتسامح نشأ عنها أيضا معارضة عميقة للحرب "والأفكار الوطنية الموروثة" بصورة عامة. لم تبد الحرب، بالشكل الذي كانت تثيرها فيه السلالات المالكة والطبقات التجارية مؤذية وضارة بصورة بديهية فحسب، بل إن الروح بكاملها التي كانت تدفع إلى تقدير الطبيعة البشرية والإنسانية والجنس البشري ككل واحد، مهملة أية فوارق معينة بين مختلف الجماعات أو الأفراد- هذه الروح- كانت تعارض الشعور القومي معارضة واضحة، ونتيجة لذلك تعتبر الثقافة العلمية في القرن الثامن عشر أقرب ما توصل إليه العصر الحديث من القرب إلى الروح الكلية الكونية التي ميزت الإمبراطورية الرومانية ثم ميزت العصور الوسطى بشكل آخر.

 

الازدهار الإنساني

   لقد أدى المزاج العلمي إلى التخفيف من حدة الشعور الوطني الذي رافق حركة النهضة، بينما يبدو أن القوى الاقتصادية والطبقات التجارية، في دعوتها للتجارة الحرة الشاملة، بدلا من الاقتصاد القومي الرومانتيكي، كانت تسعى، في أول ما تسعى، إلى التحرر من القيود الحكومية، بدلا من التأييد الحكومي السابق، ولكن إحياء القومية إبان الثورة الفرنسية، ونمو المصالح الاقتصادية الجديدة مع الثورة الصناعية، كل ذلك جعل من تاريخ القرن التاسع عشر قصة مختلفة. إلا أن كبار المفكرين في عصر العقل اعتبروا هذه المظاهر للقومية، مظاهر لا عقلية ولا طبيعية وبالغة الأذى بالازدهار الإنساني. ولم يتوانَ بعض المحافظين، كصموئيل جونسون، أن يعلن أن "الوطنية هي آخر ملجأ للوغد". بينما عبر ليسنغ وهو الزعيم الكبير للتنوير العقلي في ألمانيا، عن رغبة صادقة إذ عنى "أن يكون في كل بلد أناس ترفعوا عن أهواء الغوغاء وعرفوا بالضبط متى لا تُعد الوطنية في عداد الفضائل". وهكذا نادوا بالمثل الأعلى الكوني عوضا عن المثل الأعلى الوطني، وهو مثل أعلى ذو شمول واسع يختلف عن الاتجاه الحديث في الدولية، لأنه لا يتعرف على ولاء متوسط بين الفرد والإنسانية الواحدة. وقد بدا طبعياًّ وبديهياً، لأمثال هؤلاء الرجال، أن واجب المفكر أن يعتبر نفسه مواطناً للإنسانية، بصورة عامة، لا لبلد معين.

وفي الأخير، يؤكد Condorcet Caritas كوندرسي كاریتا على أن أية صورة رائعة للجنس البشري، إذ يتحرر من قيوده، وينعتق من عبودية الصدفة، وكأنه ينعتق من أعداء التقدم، ثم يسير بخطى ثابتة أكيدة على طريق الحقيقة والفضيلة والسعادة، تعنّ للفيلسوف فتعزيه عن الأخطاء والجرائم والمظالم التي ما زالت الأرض تعج بها، والتي كثيراً ما يقع هو ضحيتها. وهو يجد مكافأة لجهوده من أجل تقدم العقل والدفاع عن الحرية، عندئذ يجرؤ على ربط جهوده بالتسلسل الأزلي للقدر الإنساني، وهو يجد هنالك المكافأة الصحيحة للفضيلة. وتلك هي اللذة في أنه خلق خيراً ثابتاً.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية