الفارابي في المدينة الفاضلة.. السعادة قَدَر مشترك وهي أكمل الخيرات

إنّ القارئ للفلسفة الإسلامية على وجه العموم، والمتأمّل فيما كُتب عن فلسفة الفارابي على وجه الخصوص، يجد أنّ هذا الفيلسوف قد نال شهرة واسعة؛ لارتباطه بالمدينة الفاضلة؟ لكنّ هذا الأمر ما هو إلا جانب واحد من جوانب فلسفته المتعدّدة والمتنوّعة، وقلّما يتناول باحث ما الفارابي بالدّراسة إلا ويطرق هذا الموضوع. لقد استاثرت المدينة الفاضلة بقدر غير قليل من اهتمام هذا الفيلسوف وكتاباته، كما أنّها ارتبطت بتصوّره ومفهومه لكلّ من السّعادة والدّولة.

 

 

    لقد قام الفارابي في مجموعة من مؤلفاته السّياسية، مثل "آراء أهل المدينة الفاضلة"، و"السّياسات المدنية"، بالإضافة إلى كتب أخرى، ببسط مبادئ الاجتماع الإنساني الفاضل، وما يميّزه عن غيره من الاجتماعات الأخرى المناقضة له، كالاجتماع الجاهل والضّال والفاسق. ثمّ كيف ينبغي أن يحكم هذا الاجتماع حتّى تكون مدينته فاضلة، يسودها النّظام والعدل، فيتيسّر فيها العيش الأمثل في إطار مقتضيات النّواميس المدنيّة الفاضلة، وفي وفاق تامّ مع القوانين الكونيّة، فتكون بذلك صورة مصغّرة ومشابهة للكون الأكبر، أي منظّمة ومرتّبة بشكل يجعل كلّ أعضائها؛ ينالون السّعادة التي هي الغاية القصوى لاجتماعهم فيها. 

      فالمدينة الفاضلة إذن لدى الفارابي؛ إنّما تتمثّل في كلّ مدينة، يُقصد بالاجتماع فيها، التّعاون على نيل السّعادة الحقيقيّة، أمّا ما عداها من مدن، فهي من وجهة نظر الفارابي؛ ليست جديرة بصفة المدينة الفاضلة. لذلك، يطلق عليها أسماء أو أوصاف أخرى مثل، المدن الجاهلية أو الجاهلة، إشارة إلى المدن التي لا تعرف السّعادة الحقيقية أو الطريق إلى الله، سواء تعلق ذلك بالفترة السّابقة على الإسلام أو اللاحقة على ظهوره، أمّا فيما يتعلق بعلاقة مفهوم الفارابي للمدينة الفاضلة بمفهومه عن الدّولة فإنّ ذلك يتّضح من تأكيده على أنّ الدّولة ككائن حيّ تعمل أجزاؤه في تناسق وانسجام، بحيث يؤدّي كلّ عضو فيها دوره المحدّد له للحفاظ على حياة الكائن وسلامته، وفي هذا الصّدد فقد أكّد الفارابي أنّ المدينة الفاضلة إنّما تكون من مربّي فاضل ونظام تراتبي وروابط مشتركة.

 

السعادة أساس المدينة الفاضلة

 

    أساس المدينة الفاضلة كما تصوّرها الفارابي هو السّعادة، التي يعرّفها على أنّها "الخير على الإطلاق"، ويعبّر عن نفس المعنى بتعبير آخر في كتابه "التّنبيه على سبيل السّعادة" بقوله: "السّعادة هي آثر الخيرات وأعظمها وأكملها". وفي موضع آخر يعرفها باستفاضة، فيرى أنّ السّعادة هي، "أن تصير نفس الإنسان من الكمال في الوجود؛ إلى حيث لا تحتاج في قوامها إلى مادّة، وذلك أن تصير في جملة الأشياء البريئة عن الأجسام، وفي جملة الجواهر المفارقة للمواد، وأن تبقى على تلك الحال دائمًا وأبدًا (...) فالسّعادة هي الخير المطلوب لذاته، وليست تطلب أصلاً ولا في وقت من الأوقات؛ لينال بها شيء آخر، وليس وراءها شيء آخر يمكن أن يناله الإنسان أعظم منه".

      فمن خلال هذه التّعاريف نلاحظ أنّ الفارابي يركّز في التّعريف الأخير على النّفس ودورها الرّئيسي في بلوغ السّعادة، ببلوغها درجة الكمال عندما لا تحتاج إلى المادّة في قوامها، وتصبح مفارقة لها وتبقى على ذلك دائما أبدا، وهذه الحالة لا تتعارض من وجهة نظر الفارابي أن تكون هي الخير المطلق أو آثر الخيرات. وهنا ننبّه إلى أنّ المعنى الأوّل والثّاني للسّعادة عند الفارابي لا ينطبق عليهما شروط التّعريف بالحدّ أو بالرّسم، وإنّما يعتبر ذلك من باب التّرغيب في اقتناء السّعادة؛ بوصفها أنّها الخير المطلق أو آثر الخيرات، كما يلاحظ أنّ الفارابي قد جعل كمال النّفس في مفارقة سجن البدن الذي يصدّها عن المعرفة وعن أكثر الخيرات أي عن السّعادة وجعلها خالدة أبدا إذا ما تجرّدت عن المادّة، يقول: "وقد تبيّن بالنّظر والتّأمل أنّها هي الصّادة لنا عن أكثر الخيرات، وهي العائقة عن أعظم ما تنال به السّعادة، فإنّا متى رأينا أنّ لذّة محسوسة تفوتنا لفعل جميل ملنا إلى تنكّب الجميل".

      بقيّ أن نشير في التّعليقات على مفهوم الفارابي للسّعادة إلى أنّ قوله في التّعريف الأخير "وأن تبقى على تلك الحال دائمًا أبدًا" أنّ لفظة الأبديّة لا ترتبط في الفكر الإسلامي إلا بالحياة الأبديّة بعد الموت في الجنّة أو النّار، وبذلك نستشعر أنّ المقصود بالسّعادة "القصوى" عنده هي ما يحصل من سعادة بعد الموت، ولكن رغم كلّ ذلك نقول إنّ الفارابي لا يقصد بمفارقة النّفس البدن الموت، حيث يوضّح ذلك بقوله: "قوم من النّاس يرون أنّ الإنسان الذي ليس بحكيم إنّما يصير حكيما بمفارقة النّفس البدن بأن يبقى البدن غير ذي نفس وذلك هو الموت، ولذلك يرون أنّ الموت كمال وأنّ مقارنة النّفس للبدن شرّ".

 

بيان وجه الحقيقة

 

   وفي بيان وجه الحقيقة مما يقوله، يرى الفارابي أنّ مفارقة النّفس للبدن ليست مفارقة بالمكان، ولا مفارقة بالمعنى، ولا يتلف البدن وتبقى النّفس، أو تتلف النّفس ويبقى البدن غير ذي نفس؛ بل معنى مفارقة النّفس، هو ألاّ يحتاج في قوامها إلى أن يكون البدن مادّة لها، وأن لا تحتاج في شيء من أفعالها إلى أن تستعمل آلة هي جسم، ولا أن تستعمل قوّة في جسم، ولا أن تحتاج إلى أن تستعين في شيء من أفعالها؛ بفعل قوّة في جسم أصلاً، فإنّها ما دامت محتاجة إلى شيء من هذه، فليست مفارقة، وذلك إنّما تكون النّفس التي تخصّ الإنسان، وهو العقل النّظري، فإنّه إذا صار بهذه الحال، صار مفارقاً للبدن؛ سواءٌ كان ذلك البدن يحيى بأن يتغذّى ويحسّ، أو كانت قوّته التي بها يتغذّى ويحسّ قد بطلت. فإنّها إذا صارت غير محتاجة في شيء من أفعالها، لا إلى الحسّ ولا إلى التخيّل، فقد صارت إلى الحياة الأخيرة. وحينئذ يكون تصوّره لذات المبدأ الأوّل أكمل؛ إذ كان إنّما يهجم العقل على ذاته؛ من غير حاجة به إلى أن يتصوّره؛ بمناسبة أو مثال، وليس يصل إلى هذه الحال إلاّ بالحاجة المتقدّمة التي كانت له، إلى أن يستعين بالقوى الجسمانية وبأفعالها في أن يفعل أفعالها. وهذه هي الحياة الأخيرة التي يرى فيها الإنسان ربّه لا يضام في رؤيته".

      وبذلك يمكن أن نقول إنّ السّعادة القصوى عند الفارابي، لا ينحصر تحصيلها في الحياة الآخرة، وإنّما يمكن للنّفس تحصيلها في الحياة الدّنيا؛ على قدر ما تستطيع أن تتخلّص من الاحتياجات المادّية والبدنيّة. ويلاحظ أنّ السّعادة هنا هي سعادة عقليّة تقوم على النّظر والتّأمل، وهنا يظهر أثر حياة الفارابي عليه في توجّهه نحو السّعادة العقليّة البعيدة عن سعادة المادّة واللذة حيث عاش الفارابي زاهدا ومات زاهدا، فلم يكن يعبأ بشيء من متاع الدّنيا سوى ما يضمن له قوت يومه، فهو يبتعد عن اللذات الحسّية للدّنيا لأنّها هي العائق لخلاص النّفس من سجنها.

     

تحصيل السعادة في المدينة الفاضلة

 

    بعد مقاربته لمفهوم السّعادة التي هي أساس ومبتغى المدينة الفاضلة، ينتقل الفارابي إلى الحديث عن الكيفيّة التي تمكّننا من الحصول على هذه السّعادة، حاصرا إياها في إلمامنا وإحاطتنا بالفلسفة، فيقول "لمّا كانت السّعادة إنّما ننالها متى كانت الأشياء الجميلة لنا قنية (مَلَكة)، وكانت الأشياء الجميلة، إنّما تصير قنية؛ بصناعة الفلسفة، فلازم ضرورة أن تكون الفلسفة هي التي بها ننال السّعادة؛ فهذه هي التي تحصل لنا بجودة التّمييز، وكانت جودة التّمييز إنّما تحصل بقوّة الذّهن على إدراك الصّواب، كانت قوّة الذّهن حاصلة لنا قبل جميع هذه، وقوّة الذّهن إنّما تحصل متى كانت لنا قوّة بها نقف على الحقّ؛ إنّه حقّ بيقين فنعتقده، وبها نقف على ما هو باطل؛ إنّه باطل بيقين فنجتنّبه، ونقف على الباطل الشّبيه بالحقّ فلا نغلط فيه، ونقف على ما هو حقّ في ذاته وقد أشبه الباطل فلا نغلط ولا ننخدع فيه".

 

الفلسفة علم العلوم

 

    الفلسفة إذن حسب الفارابي، هي أداتنا نحو السّعادة التي ننشدها في المدينة الفاضلة إذ أنّها علم من "أقدم العلوم وأكملها رئاسة، وسائر العلوم الأخرى الرّئيسة هي تحت رئاسة هذا العلم، وأعني بسائر العلوم الرّئيسة الثّاني والثّالث ثمّ المنتزع منها، إذ كانت هذه العلوم إنّما تحتذي حذو ذلك العلم وتُستعمل ليكمل الغرض بذلك العلم وهو السّعادة القصوى والكمال الأخير الذي يبلغه الإنسان. وهذا العلم كما يقال: إنه كان في القديم في الكلدانيين وهم أهل العراق، ثم صار إلى أهل مصر، ثم انتقل إلى اليونانيين ولم يزل إلى أن انتقل إلى السّريانيين ثم إلى العرب...، وكان الذين عندهم هذا العلم من اليونانيين يسمّونه الحكمة على الإطلاق، والحكمة العظمى، ويسمّون اقتناءها العلم وملكته الفلسفة، ويعنون به إيثار الحكمة العظمى ومحبّتها ويسمّون المقتني لها فيلسوفا، ويعنون المحبّ والمؤثر للحكمة العظمى، ويرون أنّها هي بالقوّة الفضائل كلّها ويسمّونها علم العلوم، وأمّ العلوم، وحكمة الحكم، وصناعة الصّناعات، ويعنون بها الصّناعة التي تستعمل الصّناعات كلّها، والفضيلة التي تستعمل الفضائل كلّها، والحكمة التي تستعمل الحكم كلّها".

      فالغرض من الفلسفة إذن حسب الفارابي هو الوصول إلى السّعادة التي عبّر عنها بأنهّا الخير "على الإطلاق أو آثر الخيرات، وبما أنّ لفظة الخير يمكن أن يختلف النّاس فيها، فما يعتبر خيرا عند البعض يمكن أن يكون شرّا عند البعض الآخر، فإنّ الفارابي وضّح المقصود بالخير هنا بأنّه ليس خير ما، وإنّما هو الخير على الإطلاق أو أكمل الخيرات، وهو ما حدّده بأنّه معرفة الله تعالى، وهنا تلتقي الفلسفة والدّين في الهدف والغاية عند الفارابي، تبدأ بالله وتنتهي إليه".

      من خلال ما سبق يتّضح لنا جليّا أنّ الفارابي أثناء إجابته عن كيفية الوصول إلى السّعادة يكون قد أكّد على أنّ الفلسفة هي الطريق والمفتاح لتحقيق هذا الهدف، وهو ما سطّره في كتابيه "تحصيل السّعادة" و"التّنبيه على سبيل السّعادة" حيث بيّن معالم هذا المشروع، الذي استفاد فيه من دون شكّ من خلال قراءته لتراث أفلاطون الفلسفي، ومنطق وأخلاق أرسطو، وغير ذلك من الكتب الفلسفيّة التي ترجمت إلى العربيّة، حيث كانت الفلسفة هي أمّ العلوم وحكمة الحكم.

 

الحكم في المدينة الفاضلة

 

   لقد جعل الفارابي في مقاربته للمدينة الفاضلة من السّعادة محورا أساسيّا ومبدأ سياسيّا، يستخدم في تقرير ماهيّة الحكم ووظيفته وصلاحيّة الحاكم؛ لتولّي منصبه، كما جعل منها محّركا ديناميّا؛ لعمليّة الحياة العامّة والأنشطة المتعدّدة في الدّولة، فكريّة كانت أو ماديّة، فمسألة السّعادة عند الفارابي هي المسألة السّياسية، التي تربط بين مؤلفاته في معالجتها لوجوهها المختلفة في إطار مفهومه؛ للدّولة العضويّة الكليّة المتفاوتة الأدوار والصّنائع، والمختلفة المراتب والرّياسات؛ تحت سلطان الرّئيس الأوّل، الجالس على هرم القوّة والنّظام.

     

السعادة والأخلاق وجهان لعملة واحدة

 

    بقي أن نشير إلى أنّ الفارابي جمع في مشروعه بين السّعادة والأخلاق، وجعلهما جزء واحدا لقيام المدينة الفاضلة؛ فالفضائل الخلقيّة هي أحد الأركان التي لا غنى عنها إذا أردنا تحقيق السّعادة، بل أكثر من ذلك يعتبر الفارابي الفضيلة الخلقيّة هي الفضيلة الرّئيسة التي لا فضيلة أشدّ منها في الريّاسة"، وهو بذلك يجعل من الأخلاق مقدّمة لحياة سياسيّة رشيدة تقوم على أساسها مدينته الفاضلة، أو إذا اعتبرنا أنّه يرى أنّ الحارس على قيّام أخلاق فاضلة هو سيّاسة رشيدة توجّه نحو الأفعال وتبصر بالغايات، وتحفظ على الإنسان أخلاقه، وتضمن عدم الوقوع في الشّرور والقبائح، وقد يدلّ على ذلك أنّ الفارابي يجعل السّعادة مشتركة، تتحقّق للمجتمع ككلّ بتوجيه سياسي من الرّئاسة الفاضلة.

 

      في الختام نخلص إلى أنّ الفارابي في مقاربته للسّعادة وتنظيره للمدينة الفاضلة، أراد أن يؤسّس مدينة تقوم على العمل الجادّ والتّعاون والتّدبير الحسن، والاحتكام إلى العقل والمنطق وحبّ الفلسفة والحكمة، مدينة يقودها رئيس متخلّق فاضل، مدينة تظهر فيها أواصر المحبّة ويصير أعضاؤها كالجسد الواحد، متعاونين متضامنين، مدينة "يوجد فيها وفي أمثالها العدل بالحقيقة، والخيرات التي هي بالحقيقة خيرات كلّها. وتكون هذه المدينة مدينة لا يفوتها شيء ممّا ينال به أهلها السّعادة إلا وجد فيها. وأنّ هذه المدينة يلزم من فيها؛ إنْ كان مزمعا أن يوجد فيها جميع ما تنال به السّعادة، أن تكون المهنة الملكيّة التي فيها هي الفلسفة على الإطلاق، وأنّ الفلاسفة يكونون أعظم أجزائها، ثم يليهم سائر أهل المراتب".

 


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية