الوجودية بوصفها منزعا إنسانيا .. مقاربة جان بول سارتر

لقد اهتم الفلاسفة بالإنسان أيما اهتمام؛ لكونه المحرك الرئيس والفاعل في الحضارة، ومهما افترقت واختلفت المدارس الفلسفية، يبقى الإنسان هو المحور، إذ لا يمكننا أن نتحدث عن وجودنا في إغفال تام للإنسان. وهو ما قاربه جان بول سارتر في إطار الفلسفة الوجودية.

 

   يلتقي معظم الفلاسفة على أن الإنسان يمتلك طبيعة إنسانية، وهذه الطبيعة الإنسانية، التي هي مفهوم الإنسان، موجودة عند جميع الناس. ما يعني أن كل إنسان هو مثال خاص من مفهوم الإنسان الكوني، أي الإنسان الذي ينتج عن هذه الكونية. فالإنسان عند كانط هو محصلة هذه الكونية، فإنسان الغابة وإنسان الطبيعة؛ مَثَلُهما؛ كمَثَل البورجوازي، خاضعان للتعريف نفسه، ويمتلكان الخصائص الأساسية نفسها. وهكذا تسبق ماهية الإنسان هنا أيضا، هذا الوجود التاريخي الذي نلقاه في الطبيعة.

الفلسفة الوجودية

   يرى سارتر أن الوجودية تعلن أنه إذا لم يكن الله موجودا، فيوجد على الأقل كائن يكون الوجود لديه سابق للماهية، كائن يوجد قبل أن يكون قابلا للتعريف؛ وفق أي مفهوم، وأن هذا الكائن هو الإنسان أو الواقع الإنساني كما يقول هيدغر. فماذا يعني هنا أن الوجود يسبق الماهية؟ يعني هذا أن الإنسان يوجد أولا، يلتقي بالعالم وينبثق فيه، ثم يعرَّف بعد ذلك. وإذا لم يكن الإنسان على نحو ما يتمثله الوجودي قابلا للتعريف، فذلك لأنه لا يمثل شيئا في المنطلق، ولا يكون كذلك إلا لاحقا، ولا يكون إلا على النحو الذي سينشئه لنفسه؛ بمعني أن سارتر يريد الإعلان صراحة أن الإنسان هو أول مبدأ للوجودية.

مسوؤلية الإنسان

   إن أول مسعى للوجودية يتمثل في جعل كلّ إنسان متملكا لوجوده، وتحميله المسؤولية الكاملة عن وجوده. وعندما نقول إن الإنسان مسؤول عن ذاته، فإننا لا نريد القول إن الإنسان مسؤول عن فرديته الضيقة، وإنما هو مسؤول عن كل الناس.

   يذكر سارتر هناك معنيان لكلمة الذاتية يستغلهما الخصوم. ولمواجهة هؤلاء الخصوم، يشرح المعنيان، فيرى بالمعنى الأول أن الذاتية تعني من جهة اختيار الذات الفردية بنفسها، ومن جهة أخرى استحالة تجاوز الإنسان للذاتية الإنسانية. أما الثاني فهو المعنى العميق للوجودية. وعندما نقول إن الإنسان يختار ذاته، فإننا نعني أن كلاّ منا يختار ذاته، والمقصود بذلك أننا باختيارنا هذا؛ إنما نختار كل الناس.

 

الاختيار

    ليس ثمة فعل من بين أفعالنا لا يبدع صورة؛ عمّا يجب أن يكون عليه الإنسان (حسب تقديرنا)، في الوقت عينه الذي يبدع فيه الإنسان الذي نريده أن يوجد. فأن يختار المرء أن يكون هذا أو ذاك، هو تأكيد في الوقت عينه لقيمة ما نختاره، إذ لا يمكننا أبدا اختيار الشر، فما نختاره دائما هو الخير، ولا شيء يمكن أن يكون حسنا بالنسبة إلينا؛ من دون أن يكون كذلك بالنسبة إلى جميع الناس. وبالتالي فإن مسؤوليتنا أكبر بكثير مما نستطيع تقديره.

 

الوجودية والمادية

   تعد هذه النظرية الوحيدة التي منحت الإنسان كرامته، وهي الوحيدة التي لم تجعل منه موضوعا. فمن نتائج كل تصور مادي؛ التعامل مع جميع الناس؛ بما في ذلك؛ ذاتي نفسها، على أنها موضوعات، أي مجموعة من ردود الأفعال الحتمية التي لا تتميز أبداً؛ عن مجموعة الخصائص والظواهر؛ التي تشكل طاولة أو كرسيا أو حجرا. نريد على وجه التدقيق أن ننشئ مملكة الإنسان؛ بصفتها مجموعة من القيم المتميزة عن العالم المادي. غير أن الذاتية التي توصلنا إليها ها هنا تحت عنوان الحقيقة، ليست ذاتية فردية، فنحن لا نكتشف أنفسنا فحسب داخل الكوجيتو، وإنما نكتشف الآخرين أيضا. فمن خلال "أنا أفكر"، ندرك أنفسنا بأنفسنا أمام الآخر، على عكس فلسفتي ديكارت وكانط، يريد هنا سارتر التأكيد على أن عملية التفكير تتجاوز الذات؛ أي من خلال التفكير يكون الآخر حاضرا. وهو نفس مبدأ الكوجيتو إلا أننا نلاحظ أن سارتر هنا قرأ ذلك  قراءة مغايرة أي جعله الكوجيتو منحصرا في الذات، وهذا ما لم يقل به ديكارت.

 

 فالآخر أيضا يمثل يقينا لا يقل عن يقيننا بأنفسنا. فمثلما يُدْرِكُ الإنسان نفسه مباشرة من خلال الكوجيتو، فإنه يكتشف أيضا الآخرين جميعا، وهو يكتشفهم بصفتهم شرط وجوده. ولقد أدرك (الإنسان) أنه لا يمكنه أو يوجد (بالمعنى الذي نقول فيه إننا روحانيون) أو إننا أشرار أو إننا غيورين)، إلا إذا اعترف به الناس على هذا النحو.

وعلى هذا الاعتبار، فإنه للحصول على حقيقة ما؛ عنّي، ينبغي أن أمر عبر الآخر. فالآخر ضروري لوجودي على قدر ضرورته، لِكَي أستطيع أن أكوّن معرفة عن نفسي. وضمن هذه الشروط، فإن اكتشاف ما هو حميمي فيّ، سيكشفني في الوقت عينه؛ للآخر؛ بصفته حرية ماثلة قبالتي، فالآخر لا يفكر ولا يريد إلا من أجل أنا أو ضد. وهكذا، فإننا نكتشف في الحال عالما سنسميه البينذاتية(مزج بين وذاتية)، ويقرر الإنسان في هذا العالم ما يكون، وما يكون الآخرون.

 

الوضعية التاريخية والظرف الإنساني

   إن الأوضاع التاريخية لتختلف، بحيث يحدث للمرء أن يولد عبدا في مجتمع من القرون الوسطى، أو نبيلا في مجتمع إقطاعي، أو بروليتاريا، ولا يتغير، إنما هي الضرورة التي تفرض عليه أن يوجد في العالم، وأن يعمل فيه، ويعيش فين بين الآخرين، وأن يكون فيه كائنا فانيا.

   إن الحدود ليست ذاتية ولا موضوعية، فهي الأخرى ذات وجهين، وجه موضوعي ووجه ذاتي، إنها موضوعية؛ لأنها تعترضنا في كل مكان، وهي قابلة للتعرف أينما كانت، وهي ذاتية؛ لأنها معيوشة، وهي لا تمثل شيئا إذا لم يعشها الإنسان، أي إذا لم يتعين بحرية في وجوده من خلال علاقته بها، ورغم أن المشاريع يمكنها أن تكون متنوعة، فلا واحد منها على الأقل سيكون غريبا تماما بالنسبة إليّ؛ لأنها سَتَمْثُل جميعها؛ بمثابة محاولة؛ لاختراق هذه الحدود أو دفعها أو إنكارها أو التكيف معها.

 وبالنتيجة، فأي مشروع، مهما يكون فرديا، له قيمة كونية. أي مشروع حتى وأن كان لصيني أو لهندي أو لإفريقي، يمكن أن يفهمه أوروبي. وهذا يعني أن الأوروبي يمكنه أن يٌلقي بنفسه صوب إمكانياته القصوى انطلاقا من وضعية على شاكلة الصيني والهندي والإفريقي. ثَمَّ كونية لكل مشروع، بمعنى أن كل مشروع هو قابل كي يفهم من قبل أي إنسان: وهذا لا يعني إطلاقا؛ أن هذا المشروع يعرّف الإنسان تعريفا نهائيا، وإنما يمكن أن يجد الإنسان من جديد. ثَمَّ دائما طريقة لفهم البليد والطفل البدائي أو الغريب، شريطة أن تكون لدينا المعلومات الكافية.

بهذا المعنى يمكننا القول بوجود كونية للإنسان؛ لكنها ليست كونية معطاة، وإنما مبنية على الدوام. إنني أبني الكوني باختياري لنفسي، وإنني أبنيه بفهم مشروع أي إنسان آخر من أي عصر كان.

الحرية

   يذهب سارتر إلى التأكيد على أننا ونحن نريد الحرية، نكتشف أنها ترتبط برمتها بحرية الآخرين، وأن حرية الآخرين ترتبط بحريتنا.

ونتيجة لذلك، يقول: عندما اعترفت بصدق تام أن الإنسان هو كائن، ماهيته مسبوقة بالوجود، وأنه كائن حر، لا يمكن وفي أي ظرف كان إلا أن يريد حريته، فإنني أكون قد اعترفت في الوقت عينه أنني لا أستطيع أن أريد إلا حرية الآخرين. وهكذا، يمكنني بناء أحكام باسم إرادة الحرية هذه، المشتقة من الحرية ذاتها. أحكام بشأن كل من ينزع إلى أن يخفي عن نفسه، مجموع وجوده العفوي ومجموع حريته.

   وهنا اعتبر سارتر أن الأفراد الذين سيخفون حريتهم التامة؛ بتوخي الرصانة أو التعلل بالحتميات، فهم جبناء، وأما الآخرين الذي سيحاولون بيان أن وجودهم كان حتميا؛ في حين أنها الصدفة عينها التي سببت ظهور الإنسان، فهم بالنسبة إليه قذرين.

الإنسانية

  يذكر سارتر أنه قد تعرض للوم على السؤال إن كانت الوجودية منزعا إنسانيا، يقول: لقد قالوا لي ولكنك كتبت في الغثيان –إحدى رواياته- أن الإنسانويين كانوا على خطأ؛ وكنت تسخر من بعض أصناف الإنسانية فلماذا تعود إليهم الآن؟

  في الواقع يرى سارتر أن لعبارة؛ منزع إنساني؛ دلالتان مختلفتان أشد الأختلاف. فيمكن أن نفهم من عبارة منزع إنساني، نظرية تجعل من الإنسان غاية وقيمة عُليا، فثَمَّ منزع إنساني بهذا المعنى؛ لدى كوكتو جون (شاعر وروائي فرنسي) على سبيل المثال، حين يعلن أحد شخوض روايته، دورة حول العالم في ثمانين ساعة، أن الإنسان مذهل؛ لأنه يحلق فوق أعالي الجبال بالطائرة. فهذا يعني أني أنا الذي لم أصنع شخصيا الطائرات؛ سأغنَم من هذه الاختراعات الخاصة، وأنني أستطيع شخصيا أن أعتبر نفسي من جهة أنني إنسان، كأنني مسؤول عن أعمال خاصة، قام بها بعض الناس، ونالني شرفها. وهذا سيفترض أننا سَنَقْدِر على إعطاء قيمة للإنسان؛ من خلال أرقى الأعمال التي يضطلع بها بعض البشر. فهل هذا الأمر مقبول؟

    بالنسبة إلى سارتر؛ لا يمكن أن نقبل من إنسان؛ أن يصدر حكما في شأن الإنسان: إن المنزع الإنساني ليُعْفِيه من أي حكم من هذا القبيل.

 إن الإنسان الوجودي أن يجعل من الإنسان إطلاقا؛ غاية؛ لأنه دائما بصدد التحقق. وليس لنا أن نعتقد في وجود إنسانية، يمكننا عبادتها على غرار ما فعل أوغست كانط. إن عبادة الإنسانية تؤول إلى المنزع الإنساني المغلق حول نفسه؛ لدى كانط وينبغي القول إنه يؤول إلى الفاشية، وهذا منزع إنساني لا يرتضيه سارتر.

    لكن ثمة معنى آخر – أو دلالة- للمنزع الإنساني، يعني بالأساس: إن الإنسان يكون باستمرار خارج ذاته، فالإنسان الذي ينعكس خارج ذاته، ويتوه، هو الذي يجعل الإنسان موجودا، وهو من جهة أخرى، يستطيع أن يوجد باتباع أهداف متعالية. إن الإنسان باعتبار هذا التجاوز، وباعتباره لا يدرك الأشياء إلا في صلة بهذا التجاوز، هو في قلب التجاوز ومركزه.

  وهنا يقرر سارتر أنه لا وجود لعوالهم من غير عالم الإنسان، عالم الذاتية الإنسانية. فرابطة التعالي هذه؛ بما هي منشئة للإنسان ومُنشئة للذاتية؛ بالمعنى الذي يكون فيها الإنسان حاضرا على الدوام في عالم إنساني، وليس منغلقا على ذاته، فهذا ما يسميه منزعا إنسانيا وجوديا. منزعا إنسانيا؛ لأننا –حسب سارتر- نذكّر الإنسان بأنه لا مشرّع سواه.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية