فولتير .. فيلسوف التنوير

يعد الفيلسوف الفرنسي فولتير أحد ابرز الفلاسفة الذين ارتبط نتاجهم بمفهوم التنوير، على نحو يجعل حضوره بديهياً، ومنطقياً، في كل نقاش حول التنوير ومسائله ومصائره. وهو ما يؤكده بإيجاز دال، ذلك السؤال الاستنكاري الذي طرحه مؤرخ الفكر الأوروبي في القرن الثامن عشر، بول هازار عندما تساءل: لو لم يكن فولتير قد وُجد، هل كان من الممكن أن يحظى القرن الثامن عشر بذات القيمة التي حازها؟ ما يفرض علينا طرح سؤال آخر: هل يعتبر فولتير بالفعل، أيقونة معبرة عن ذاك القرن، أم مؤسساً لقيمه المختلفة؟

    لا نستطيع الإجابة على هذا السؤال، ما لم ننظر، ولو قليلاً، في فلسفته، رغم موسوعيته، فقد كان كاتباً مسرحياً، وروائياً، وشاعراً، ومؤرخاً، وفيلسوفاً، وهو بذلك يعبِّر أحسن تعبير عن روح القرن الثامن عشر التي تميزت بالنظرة الموسوعية، وكشفت عن بعض جوانبها من خلال: مشروع الموسوعة، الذي شارك في تأسيسه وبلورته مع أسماء بارزة، منها: ديدرو وروسو ودولباخ.. وغيرهم.

   ولقد عبَّرت فلسفته نفسها عن هذه الموسوعية، سواء من جهة ما تركه من كتابات، وبخاصة "الرسائل الفلسفية"، و"القاموس الفلسفي"، أم ما قدمه من آراء ونظرات في الحياة، والمجتمع، والسياسة، والأخلاق، وغيرها من المجالات.  ولا يمكن الحديث عن فلسفته التنويرية ما لم نتحدث عن رحلته القسْرية إلى إنجلترا التي استمرت لثلاث سنوات، حتى العام 1729، لتشكل محطة حاسمة في حياته الفكرية، كما يجمع على ذلك كل الدارسين لفلسفته وأدبه ومواقفه الاجتماعية والسياسية، ولخصها فيما أصبح يعرف بـ "الرسائل الفلسفية"، التي تتكوَّن من خمس وعشرين رسالة، شملت ملاحظاته المباشرة، وقراءاته، ومناقشاته، وانطباعاته حول إنجلترا.

و منذ أن نشرها، بعد عودته بسنتين أو ثلاث سنوات، أصبح لا يكاد يعرف إلاَّ بهذه الرسائل؛ لأنها كانت، كما وصفها أحد الدراسين، بمثابة "القنبلة التي قُذف بها صرح النظام القديم، والتي وحَّدت ضده جميع فئات السلطة الحاكمة. ومنذ ذلك الحين أدرك، أن أعماله، سواء الأدبية أم التاريخية أم الفلسفية الخالصة، يجب أن تتوجه لبناء "مستقبل أفضل للبشرية".

 

بدايات "الرسائل"

   تبدأ تلك الرسائل، كما هو معلوم، بالحديث عن فئة أو طائفة دينية هامشية هي طائفة الكويكر(Quaker) التي تسامح مع طقوسها الغريبة المجتمع الإنجليزي. وهذا يعني أن فولتير قد بدأ حديثه عن رحلته بالحديث عن الهامشي، والهش، والضعيف، ولم يبدأ بالحديث عن الملوك وقصورهم، أو الاقتصاد والتجارة، أوالمدينة وازدهارها. لقد كانت لندن في ذاك الوقت عاصمة للعالم، وقائدة لتطوره الاقتصادي. وبالطبع، فإن هذا الوصف الذي خصَّه لهذه الطائفة كان موجهاً، أولا و قبل كل شيء، إلى القارئ الفرنسي الذي كان يخضع -حينذاك- لكل أنواع الأرذوكسيات الخانقة، بل نستطيع القول، إن فولتير  نفسه قد شمله هذا النوع من ضيق الأفق، وعدم تحمل الاختلاف. يؤكد ذلك تلك الحوارات التي أجراها مع (ممثل) الكويكر الذي يصفه بالهدوء، والسكينة، والمرونة، في حين يصف نفسه بالتصلب وعدم تحمل الآراء "الغريبة"؛ لممثل هذه الطائفة.

بين شكسبير ونيوتن

   كما أدهشه المستوى الرفيع الذي حققته الآداب الإنجليزية على مختلف المستويات، وبخاصة تلك المرتبطة بالمجتمع، وبما تقوم به بعض السيدات من رعاية للأدب، فيقول "وتُكرَّم الآداب في إنجلترا أكثر من فرنسا، وتعدُّ هذه الخطوة نتيجة لازمة لشكل حكومتها". وبعد أن قدم إحصاءات عن النوادي، والأشخاص المهتمين بالأدب، خلُص إلى القول "وهكذا، فإن الأمة بأسرها مضطرة إلى الثقافة". وبالطبع، وكما يقول أحد الدارسين، فقد صعق بمسرح شكسبير، وهو الشاعر والمؤلف المسرحي، وقال عنه: لقد خلق شكسبير المسرح.

  وأعجب فولتير إعجابا لا حد له بنيوتن، وما أنجزه من اكتشافات علمية، وبخاصة ما أرساه من قواعد جديدة للمنهج العلمي. وهو الذي أشاع قصة التفاحة التي روتها له بنت أخت نيوتن. وخصه بثلاث رسائل من أطول رسائله، ومن أجودها. عرض فيها نظرية الجاذبية والبصريات، وانتصر فيها للعلم الطبيعي التجريبي انتصاراً كلياً، وذلك على حساب ديكارت وباسكال.

انفتاح واعٍ

    ومع أن وصفه للمنجزات الحضارية لإنجلترا كان مصحوبا بما حققته فرنسا، إلا أنه مع ذلك، كان لرسائله وقع أليم على مشاعر الفرنسيين، في ذلك الوقت، وأصابتهم في كبريائهم القومي، أكثر مما جرح نقده الساخر واللاذع للكنيسة، وذلك بحكم العداوة التقليدية التي تحكم البلدين.

   والحق، فإن انفتاحه وتقبُّلَه للآخر المتمثل في الإنجليزي، ولاحقا الأوروبي، وبخاصة عندما أقام في مدينة (فرناي) بمحاذاة الحدود مع سويسرا، هو ما سمح له أن ينظر نظرة مغايرة للمسلم الذي يسميه في قاموسه بـ “المحمدي". حيث يقول: أقولها لكم مرة أخرى، أيها الحمقى المتخلفون عقليا؛ الذين جعلكم بعض الجهلة الآخرين؛ تصدقون أن الدين المحمدي شهواني وحسِّي، ما من كلمة صدق في ذلك، وإنما خُدعتم في هذا الشأن كما خُدعتم في كثير غيره".

تأملات وأسئلة

   ولكن، إذا كان فولتير في الرسائل، قد تحدث عن الفلسفة، وبخاصة الفلسفة التجريبية، وعن الفلاسفة، وعلى رأسهم جون لوك، فإنه في "القاموس الفلسفي"، تحدث عن فلسفته الخاصة، مع أنه لم يكن مخصصاً للفلسفة كلية؛ لأنه اشتمل على مختلف أمور الحياة، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، حديثه عن: الحنطة، كرومويل، الخدمة الكنسية، التقبيل.. إلخ. كما لم يلجأ إلى تقديم التعريفات والتحديدات أو المعلومات كما هو مطلوب في القواميس والمعاجم والموسوعات، وإنما قدم تأمُّلاته بطريقة مباشرة في بعض الأحيان، وغير مباشرة في كثير من الأحيان؛ سواء بضرب الأمثلة، أم بتقديم حكايات وقصص طريفة، أو الاكتفاء بطرح الأسئلة، كما هو الحال في المادة الأخيرة من قاموسه التي خصها للسؤال، ولكن ليس من خلال تحديد معنى السؤال، وإنما بطرح أسئلة تتناول شؤوناً مختلفة من حياة الإنسان منها: لماذا يضطهد الإنسان أخاه الإنسان دائما؟

ثالوث الدجل والتطرف والتعصب

    ومن بين المسائل التي ارتبط بها فولتير، وميَّزته، مقارنة بمختلف المفكرين وكتاب التنوير في القرن الثامن عشر، مسألة الدجل التي كانت تشكل هاجسه النقدي الأول في أرساء قيم التنوير، وبخاصة الدجل الذي كان ولا يزال يسيطر على العلماء، ويفسد العلم بوصفه أساساً لعملية التنوير. يقول "من النادر أن تخلو العلوم من دجل. يودُّ الناس أن تقبل آراؤهم دائما". ويقدم أمثلة كثيرة على ذلك، منها قصة الطبيب فيلار، الذي كان يضيف لمياه نهر السين قطرات من النترات ويبيعها في زجاجات، موهماً المقبلين عليها بقدرتها على إطالة العمر. وعلى هذا النحو يروي قصصاً كثيرة، عن الدجالين والنصابين في السياسة والأدب، وفي مختلف مجالات الحياة، ليخلص إلى أمر أساسي، كان ولا يزال يشكل عقبة أمام التقدم العقلي والخلقي للإنسان، ألا وهو التصديق من غير سؤال أو دليل، والقبول بكل ما يوافق أهواءنا، ورغباتنا، ومصالحنا، وبذلك يتحدد الدجل بكل ما يتنافى والحقيقة، والنقد، وتحكيم العقل. والأمر نفسه فيما يتعلق بالتطرف، والتعصب.

العقل والنقد

   لم يعرض فولتير أفكاره وفلسفته بشكل مذهبي أو نسقي، ولذا، نجده عندما تحدث عن العقل، الذي يعتبر قيمة مركزية في عملية التنوير، وناتجة عن العلم الطبيعي في صورة النموذج النيوتوني، قد اكتفى بالحديث عن العقل الزائف، أي ما هو ضد العقل الحقيقي. وإذا شئنا الدقة، نقول أنه تحدث عن العقل الزائف، وبيَّن سمتين من سماته الأساسية: الأولى، عدم فحص صحة المبدأ الأول أو المقدمة الأولى في أي قضية من القضايا. والثانية، استخلاص نتائج خاطئة من مبدأ صحيح، وبالتالي فإن النتيجة هي: إن العقل الحقيقي والعادل هو الذي سيميز بينهما.

   ويرتبط العقل بالنقد الذي شكَّل هو الآخر ميزة من مميزات عصر التنوير، وجسدتها مختلف أعمال فولتير الأدبية والفلسفية. كما اهتم اهتماماً شديداً بقضية الحرية، وهو الذي عانى من كل أنواع المضايقات، والمتابعات، والإكراهات، بعد أن تذوق طعمها في إنجلترا. لذا نجده يستشهد كثيرا، بما حققته هذه الأمة في مجال الحرية، سواء في المجال السياسي، حيث يقول "إن الأمة الإنجليزية هي الوحيدة على هذه الأرض التي استطاعت ضبط سلطة الملوك، والتي تمكنت، بعد لأيٍ وجهدٍ، من إقامة هذا الحكم الحكيم حيث تطلق الحرية للعاهل عندما يريد فعل الخير، وتقيد يده عندما ينوي الشر، وحيث يشارك الشعب في الحكم بلا فوضى". أما في المجال الديني، فيقول "يذهب الإنجليزي كرجل حرٍّ إلى السماء، ومن الطريق الذي يروقه".

 

فلسفة التاريخ

    وإذا كان فولتير قد تناول في فلسفته بالنقد قضايا الدجل، والتعصب والتطرف والخرافات والأحكام المسبقة، وكل القيم التي تحط من قدرة الإنسان على التقدم وتشكل عقبة أمام التنوير، فمما لا شك فيه أن التقدم كان دائما قيمة عزيزة على قلبه وعقله، وهدفًا لكل أعماله.  ولقد ساعده في ذلك، كونه مؤرخاً مشهوداً له في القرن الثامن عشر، فلا يزال كتابه عن لويس الرابع عشر، مرجعاً أساسياً في الكتابة التاريخية، بل لا نبالغ إذا قلنا أن فولتير من مؤسسي فلسفة التاريخ التي تقوم على فكرة التقدم الخطي للنوع البشري. ولقد كان لهذه الفكرة تأثير كبير في عصره، وفي الأجيال اللاحقة عليه، كما أثبت ذلك الفيلسوف ارنست كاسيرر في كتاب "فلسفة التنوير".

من أجل التسامح

    والحق، فإنه ليس من السهل أن نفهم دائما مقاصد فولتير، وذلك بحكم أسلوبه الذي لا يتميز بالسخرية فقط، كما هو معلوم، وإنما بالمفارقات، ومنها على سبيل المثال وصفه للكاهن بـ "الأحمق المذهل"، والفيلسوف بـ"صاحب الأوهام السامية". ولإتباعه الأسلوب الموجز، ولطرحه للأسئلة أكثر من تقديمه للأجوبة. وهو يتقصد ذلك قصداً. ما يعني أنه يتفق مع ما تذهب إليه نظريات القراءة المعاصرة. حيث يقول: "أكثر الكتب إثارة هي تلك الكتب التي يسهم فيها القارئ بنفسه". ولكن، ومع إقرارنا بحسه النقدي، بل نهجه النقدي الذي ميَّزه عن جميع أقرانه في القرن الثامن عشر، إلاَّ أن بعض تأملاته وأفكاره، تحتاج إلى إعادة النظر، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، موقفه من اللغة الفرنسية حيث يقول "ليست الفرنسية غزيرة ولا مرنة مثل الإيطالية، ولا فخمة مثل الإسبانية، ولا حيوية بقدر الإنجليزية، إلاَّ أنها فاقت هذه اللغات الثلاث نجاحا بالحقيقة الوحيدة، إنها أكثر ملاءمة للتواصل، وإن هنالك كتبا مبهجة مكتوبة بالفرنسية أكثر ما يوجد في غيرها. نجحت الفرنسية مثلما نجح طهاة فرنسا، لأن لها مذاقاً عاماً أكثر إرضاء". ربما كان الحال كذلك في القرن الثامن عشر، لكننا نعلم، أن الأمر لم يعد كذلك. وعليه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه، هو هل الأفكار الفلسفية التي قدمها فولتير في التقدم والعقل والعلم.. إلخ  لا تزال صالحة في عصرنا، أم أن الأمر يحتاج إلى مناقشة؟ لا نستطيع معالجة هذا السؤال العام، ما لم نتناول، في تقديري، قضية محددة، بالتحليل و النقد، ومنها على سبيل المثال لا الحصر،  قضية التسامح التي اهتم بها كثيرا، وناضل من أجلها لفترة طويلة، وخصَّها بكتاب كامل.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية