فرانسيس بيكون رائد الفلسفة التجريبية ومؤسس منهجية التمييز بين العلم واللا علم

يكاد يجمع مؤرخو العلم على أن الدور المحوري والتأثير الهائل؛ لأفكار وكتابات فرانسيس بيكون (1561- 1626 (في نشأة العقلانية والعلم الحديث؛ لم يأخذ حقه في البحث والتقصي حتى الآن. فقد اتضح بعد قرون أنه "كان يمثل صوت الأوروبيين الذين حولوا قارتهم من أرض قاحلة إلى أخرى تضم كنوز الفن والعلم والمعرفة، بل وجعلوا منها مركزاًللعالم"، حسب تعبير ويل ديورانت.

 

    من المفارقات الغريبة أننا رغم كل التقدم الذي أحرزناه في مجال العلم والمنهج العلمي، ورغم توالي مدارس فلسفة العلم على مدى قرن ونيف، إلا أن كثيرا من جوانب المنهج الذي وصفه وقدمه لنا بيكون، لا يزال هو المستخدم، في روحه وخطوطه العريضة، وليس في تفاصيله بالطبع.

إن إسهامه في مجال المنهج العلمي والتعويل على الملاحظات والتجارب، عوضاً عن التأملات النظرية الخالصة، وشعاره المعروف "المعرفة قوة"، بمثابة شهادة الميلاد الحقيقية لعصر العلم الحديث، بل والأساس الراسخ الذي قامت عليه العقلانية الأوروبية وفلسفة التنوير بعد ذلك.

 

الفلسفة والكنيسة

   في القرون الوسطى دعم الملوك والأباطرة سلطة الكنيسة، وتزايد نفوذها حتى تجاوز سلطة الملوك. ولم ينته القرن الثاني عشر حتى فرضت على العقل الأوروبي سياجاً شديداً من الوصاية أدت به الى التوقف والجمود. وقد تحركت الفلسفة المدرسية داخل هذا السياج دون أن تستطيع النفاذ خارجه؛ حتى أن القديس توما الإكويني حوَّل فلسفة أرسطو المتحررة إلى فلسفة دينية للقرون الوسطى. كل ذلك، كما يقول بيكون، جعل الإنسان يدور في حلقة مفرغة؛ دون أن ينتج شيئاً جديداً؛ سواء في ميدان العلم أو الفلسفة. وهذا ما جعل بيكون يفكر في إعادة بناء الفلسفة وتجديدها؛ لأنها تدور في المسار نفسه منذ عهد أرسطو. لقد رد بيكون أسباب ركود الفلسفة إلى التشبث بالأساليب القديمة، خاصة المنطق القياسي الأرسطي الذي لم يعد مناسبا لدراسة مشكلات الطبيعة. وهكذا وضع تصنيفاً جديداً للعلوم، وقام بوصف طريقة تفسير الطبيعة والعلوم الطبيعة؛ بالتأكيد على الناحية العملية أكثر من الناحية النظرية. كرس بيكون حياته العلمية في محاولة جادة وجديدة لتقييم وبناء التعليم التقليدي حيث قدم لنا نظاماً جديداً يحل محل النظم التقليدية الراكدة.

 

بذور الشك

   إذا كانت ثورة الشك المنهجي، هي إحدى السمات المميزة لعصر التنوير، خاصة في كتابات فولتير وروسو وهيوم وحتى كانط، فإن بذور هذا الشك خاصة في مجال العلم؛ بدت صريحة واضحة في فترة زمنية متقاربة ومتداخلة في كتابات ديكارت وبيكون. وقد عبر الأخير عن تلك النزعة بعبارات واضحة في الكثير من كتاباته؛ بل يمكننا القول إن ما يطلق عليه اسم الجانب السلبي من منهجه، إن هو إلا انعكاس لهذه النزعة الشكية المنهجية في فلسفته. يقدم بيكون نصيحة لطالب العلم وهي أن يضع موضع الشك كل شيء يقتنع به عقله. ويشير نقاد العلم الحديث أحيانًا إلى أنفسهم على أنهم متشككون؛ لأنهم يستطيعون التساؤل حول المبادئ الراسخة السائدة، لكن الشك المنهجي ليس مجرد رغبة في الاختلاف، وإنما هو يعبر عن القابلية للوقوع في الخطأ في مجال العلم. ويكفي أن بيكون سبق فيلسوف العلم الأشهر في القرن العشرين كارل بوبر في تأكيده على ضرورة ألا نلتفت إلى الشواهد المؤيدة لظاهرة معينة إلا إذا كانت محصلة لاختبار حقيقي للنظرية، وحتى في هذه الحالة ينبغي اعتبارها حلقة في سلسلة من المحاولات الفاشلة لتكذيب النظرية.

   وضع بيكون هذا المبدأ لأول مرة عام 1620 في كتابه "الأرغانون الجديد" الذي يعالج فيه الأخطاء والنقص الموجود في كتاب أرسطو "الأرغانون". مؤكداً أن الإنجازات العظيمة تكون ممكنة في مجال العلم، شريطة التخلص من كل الأساليب والمعتقدات القديمة.

 نقض القياس الأرسطي

 اعتمدت فلسفة العصور الوسطى تماما على القياس الأرسطي في صورته الضيقة التي سادت لقرون عدة.  وكان العلم عند أرسطو يعني  إدراك الكلّيّات، فلا علم - عند أرسطو - إلّا بالكلّيّات، فالعلم عنده هو العلم بالجوهر أو الماهيّة الثّابتة، والجوهر كلي بطبيعته غير متفاوت ولا متغيّر، فالأصل هو حقيقة الأشياء؛ أي جوهرها، وكلّ ما يعتورها من تغيير وعلاقات وروابط، هي أمور عرضيِّة لا تؤثّر في جواهر الأشياء. ويقوم القياس عند أرسطو على أساس نظريّة المفهوم والحمل، ولذلك سُمّي القياس الأرسطيّ بالقياس الحمليّ؛ إذ يُحمل فيه شيء أوّل على شيء ثان، ثمّ حمل الشّيء الثّاني على شيء ثالث، والتّوصّل إلى أنّ الشّيء الأوّل في هذه الحالة يحمل على الشّيء الثّالث، وقد عبّر عنه أرسطو في كتاب "المقولات" بالقول: إذا حملنا صفة على شيء أو موضوع، فإنّ كلّ صفة تحمل على هذه الصّفة تكون صفة للشّيء، فمثلًا؛ عندما نصف شخصًا معيّنًا بأنه إنسان، ونصف الإنسان بأنّه حيوان، فإنّ صفة الحيوانيّة ستكون صفة لهذا الشخص المعين، مادام هذا الشّخص متصفًا بالإنسانيّة، ومادامت الإنسانيّة متصفة بالحيوانية.

 وقد عرف العرب نظرية القياس الأرسطية، وفرقوا بين نوعين من القياس؛ القياس المنطقي الأرسطي Syllogism والقياس الفقهي Analogy ، أما القياس الأرسطي فهو كما عرفه ابن سينا في كتابه "النجاة" حيث يعتبره "قول مؤلف من أقوال إذا وضعت لَزِمَ عنها بذاتها، لا بالعرض، قولٌ آخر غيرها اضطراراً".

وقبل مجيء بيكون بقرون انتقد العديد من الفلاسفة والفقهاء ورجال الدين الإسلامي، القياس الأرسطي، وأفردوا الكثير من المؤلفات لنقد ذلك المنطق وإن اختلفت أسباب النقد.

 

فتح علمي

 ولقد أفرد بيكون جانباً كبيرا من جهده وكتاباته لنقض القياس الأرسطي خصوصاً؛ فالقياس كمنهج للبحث لا يفيدنا في معرفة شيء جديد، لأن ما نصل إليه من نتائج كان موجوداً من قبل تلك المقدمات، كما أن القياس ليس وسيلة لكشف الحقائق ولا يصلح أساسًا لمعرفة العالم الخارجي. ربما ينجح ذلك اللون الضيق من الحجج المنطقية في دراسة بعض قضايا اللاهوت أو التاريخ أو تصنيف العلوم، لكنه يفشل في معالجة مشكلات العلوم الطبيعية التي تحتاج إلى منطق آخر هو المنطق الاستقرائي؛ بما يتضمنه من التعويل على الملاحظات والفروض والتجارب.

 

  وقد مثًل هذا المنهج الاستقرائي الجديد الذي وضعه بيكون نقلة كبيرة، وفتحاً في تاريخ العلم.لقد أراد بيكون التخلص من التقاليد البالية واستخدام منهج علمي يقوم على التجريب والملاحظة والبحث والاستقراء. ورأى بيكون أن ذلك المنهج الاستقرائي الجديد يتألف من شقين؛ أحدهما سلبي نقدي يقوم فيه بهدم ذلك البنيان القديم الراسخ الذي لا قيمة له، وجانب إيجابي يقوم فيه ببناء المنهج الجديد على أسس جديدة فعالة. كان الغرض من الجانب الأول، هو تطهير العقل مما يحتويه من أخطاء، وينطوي عليه من عوائق تحول دون الكشف عن الحقيقة. وقد اشتمل الجانب السلبي عند بيكون على مجموعة من الأخطاء، أطلق عليها اسم الأوثان أو الأصنام idols التي تعوق سير الذهن البشري، وقسمها إلى أربعة أنواع.

 

الأوهام الأربعة

  أطلق بيكون على النوع الأول اسم "أوهام الجنس أو القبيلة". والمقصود هنا الجنس البشري برُمته، أو القبيلة الإنسانية بأسرها، وكان بيكون يعني بها الأخطاء المتأصلة في العقل البشري من حيث هو كذلك، ومن ثم فهي تعبر عن الأخطاء التي يقع فيها الإنسان بحكم طبيعته البشرية. ومن أمثلتها، سرعة التعميم والقفز إلى الأحكام الكلية، التي تعبر عنها المغالطة المنطقية المعروفة باسم hasty generalization، أي" التعميم المتسرع"؛ إذ لا ينبغي التسرع في التعميم قبل التثبت الكافي كي لا نقع في أحكام خاطئة. كما أن سيطرة فكرة معينة على أذهاننا تجعلنا نختار من الأمثلة والوقائع ما يؤيدها ونغض البصر عما ينفيها.

    من هنا يتعين توخي النزاهة والموضوعية في التعامل مع الوقائع؛ كي نتجنب هذه النوعية من الأخطاء. ومن أمثلتها أيضا التسرع في إصدار أحكام لا تبررها المقدمات، والنزوع الطبيعي إلى التسليم بأفكار لمجرد أنها تصادف هوى في أنفسنا، أو تحقق لنا مصلحة. ومن أمثلتها أيضا افتراض الانتظام والاطراد في الطبيعة؛ أكثر مما هو متحقق في إطار القوانين العلمية. ومن الأمثلة الطريفة التي ساقها بيكون للتدليل على هذا اللون من الأخطاء، قصة رجل كان يسخر من تأثير النذور في تحقيق مطالب الناس، فأخذوه إلى أحد المعابد، وأطلعوه على العديد من اللوحات التي علقها أصحابها على الجدران، عرفاناً منهم بنجاتهم من الغرق، واستجابة لما نذروا من نذور، ثم قالوا له هل أدركت الآن كيف أن النذور تحقق المطالب؟ فنظر حوله وقال لهم متهكما: ولكن أین یا ترى أجد لوحات أولئك الذين عُدُّوا صادقين بتقديم النذور اِلتماسًا للنجاة من الغرق، ومع هذا ابتلعهم البحر؟!

 

أوهام الكهف

  أما النوع الثاني من الأخطاء فهي "أوهام الكهف"، والمقصود بالكهف البيئة التي ينشأ فيها الفرد، فهذه الأوهام أو الأخطاء، بخلاف أوهام الجنس العامة، تختص بكل فرد على حده. فأوهام الكهف تتمثل في التأثير الكبير لعوامل البيئة ومكوناتها وثقافتها في عقل الإنسان، فتتضافر في تكوينها تربيته وثقافته ومهنته ونحوها من عوامل لا يتحتم أن يشاركه فيها كل إنسان، فيتصور ما يتعلق بها وكأنها حقائق مطلقة. وكثيرًا ما تنتهي ميول الفرد الخاصة به إلى الوقوع به في أخطاء جسيمة، فلا يرى الحقائق التي تتعارض مع أهوائه ونزواته، ويفهم الأمور على غير حقيقتها لمجرد أنها تتنافى مع رغباته.

 

أوهام السوق

   يتمثل النوع الثالث من الأخطاء في ما يطلق عليه بيكون اسم "أوهام السوق"، وهي تلك التي تنشأ عن الخلط اللغوي وسوء استخدام اللغة. وقد اعتبرها بيكون أبرز ما ينبغي تجنبه، فالضجيج يرتفع في الأسواق حيث يتقابل الناس معًا، ويتفاهمون عن طريق اللغة، ولأن الكلمات يكون أصلها متجذراً في عقل الإنسان العادي، فكثيراً ما لا تكون مناسبة لبحث علمي دقيق، فتكون النتيجة أن الناس يتجادلون حول كلمات يعجزون عن تعريفها بطريقة مناسبة. فبعض الكلمات تأتي لنا موروثة من آراء غامضة تضرب بجذورها في الماضي البعيد، ويمكن تجنبها عن طريق رفض النظريات التي أدت إليها، مثل الحظ، والمحرك الأول، وعنصر النار.. إن أوهام السوق تجعل الإنسان يتصور وكأنه هو الذي يملك زمام اللغة، ولكن سرعان ما تتحكم الألفاظ في تصور الناس للأشياء.

   ولعل بيكون كان مُحقا في اعتبار هذه الأخطاء الأكثر خطورة؛ بل أن نصيحته لتجنبها تتضح لنا اليوم أكثر من أي عصر مضى، فنحن في مجالات العلوم المختلفة لا نتفق على تعريف واضح وموحد للمصطلحات، لا بل يسود هذا الاختلاف؛ حتى في مجال العلم الواحد، وما عليك إلا أن تنظر في الخلاف حول تعريف مصطلحات مهمة في مجال السياسة، على سبيل المثال، من قبيل مصطلحات "عدوان" و"إرهابي"، و"حرية"، و"مساواة"، و"ديموقراطية"، وغيرها؛ لتدرك أهمية حديث بيكون.

 

أوهام المسرح

  أما النوع الرابع من الأصنام التي ينبهنا إليها بيكون فهي "أوهام

المسرح"، وهي الأخطاء التي يقع فيها الإنسان عن وعي بسبب تسليمه بآراء الفلاسفة والمفكرين الذين أثاروا إعجابه؛ دون نقد أو مراجعة، فالأفكار والمذاهب الفلسفية التي نتلقاها عن السلف تشبه المسرحيات التي تشير إلى عناصر من خلق مؤلفيها وليست من الواقع في شيء، فيصبح هذا العقل وكأنه خشبة مسرح يعرض عليها المفكرون السابقون رؤاهم المتضاربة والمنفصلة عن الواقع الراهن. وهنا يهاجم بيكون آراء الفلاسفة السابقين من أمثال أفلاطون وأرسطو وغيرهما، فيقول عن أرسطو، إنه أسوأ من السوفسطائيين، حيث يصوغ القواعد حسب القياس، ثم يبحث عما يؤيدها في ظواهر الطبيعة. ويقول عن أفلاطون إنه شاعر ماجن متعجرف ولاهوتي مفعم بالحماس. ويوجه بيكون اللوم للتجريبية الساذجة التي يجمع أصحابها الوقائع كما تجمع النملة غذاءها، والذين يزعمون أن العالم مرآة تعكس ما يلاحظونه من ظواهر محدودة شغفوا بها دون غيرها. أما العقليون فيرى بيكون أنهم لا تعنيهم أي تجربة أو خبرة، فينشئون من نظرياتهم نسيجاً يشبه خيوط العنكبوت. تلك هي الأساليب التي تميز أعمال الكثير من الفلاسفة والعلماء الغابرين. ومن أوضح الأمثلة على هذا اللون من الأخطاء، أن أرسطو كان يرى أننا إذا ألقينا بجسمين مختلفي الثقل من مكان مرتفع، فإن الأثقل وزناً يرتطم بالأرض قبل الأخف، ولم يحاول أحد أن يتحدى هذه النظرية الزائفة لعدة قرون قبل أن يتحداها جاليليو حين تسلق برج الجامعة وأجرى أمام الجميع تجربة يثبت بها بطلان هذا الزعم، حيث ألقي بجسمين مختلفي الوزن، بعد أن فرغ الهواء الذي يؤثر في سرعة سقوطهما، فسقط الجسمان في وقت واحد، وأثبت بهذا أن اختلاف سرعة السقوط مرده إلى مقاومة الهواء وليس اختلاف ثقل الأجسام، لكن المفارقة تكمن في أن الكثير من شهود التجربة من العلماء أنفسهم أنكروها، استنادًا إلى أن أرسطو قد قال غير ذلك، بل توجهوا باللوم إلى جاليليو، الذي خالف قول أرسطو في الموضوع، وقد اعترض أولئك العلماء أيضا على قول جاليليو بوجود كلف الشمس الذي رآه باستخدام التلسكوب الذي قام بتطويره، بل زعموا، بعد أن رفضوا النظر في التلسكوب، بأن الكلف الذي يراه جاليليو موجود في عينيه وليس في الشمس مما اضطر جاليليو إلى ترك منصبه في الجامعة. ولعل هذا اللون من الأصنام التي حذرنا بيكون من الوقوع في براثنها لا تقل خطورة عن أوهام اللغة أو السوق، لأن مشكلة الكثير من الناس، ومن بينهم مثقفون، في بلادنا، تتمثل في التسليم غير النقدي بآراء القدماء دون شك أو تحليل.

  وفي النهاية يحذرنا بيكون من مغريات تلك الأخطاء ويطالبنا بضرورة تحرير العقل من سيطرتها، عن طريق الاعتصام بالأناة والصبر وعدم التعجل في إصدار حكم لا تتوافر لنا مبرراته.

 

المنهج الجديد

  بعد أن فرغ بيكون من الجانب السلبي أو الهدمي من منهجه، شرع في إقامة المنهج الجديد الذي يستند إلى قواعد المنطق الاستقرائي الذي يقوم على الملاحظات والتجارب، ويتميز بالكشف عن الجديد، عوضا عن المنهج القياسي العقيم الذي يجتر معلومات معروفة لنا من قبل، ولا يصلح لدراسة العلوم الطبيعية. ويمثل هذا المنهج الجانب الإيجابي من منهج بيكون. وقد بين لنا الحاجة الماسة إلي هذا المنهج؛ لأن تصور العلم قد تغير، فقد كان العلم القديم يرمي إلى ترتيب الموجودات في أنواع وأجناس، ومن ثم كان نظريًّا بحتًا، أما العلم الجديد فيرمي إلى أن يتبين العناصر البسيطة والقوانين التي تفسر الظواهر المعقدة، فضلا عن الكشف عن قوانين جديدة؛ فالغرض العلمي في نهاية الأمر يتمثل في الوصف والتفسير والتنبؤ، ولن تتحقق تلك الأهداف إلا من خلال الاكتشاف والاختراع.

ولكن كيف لنا أن نفسر سبب حدوث ظاهرة معينة وفقاً لمنهج فرانسيس بيكون؟ فما هو سبب حدوث ظاهرة البرق والرعد، أو كسوف الشمس، أو انتشار مرض معين؟ قدم لنا بيكون منهجا مفرطا في البساطة والتبسيط، حتى أننا نستطيع أن نقول أن أحدا من العلماء لم يستخدم طريقة بيكون في تفسير الظواهر، لكن ما يعنينا هنا ليس الاجتهاد الذي قدمه بيكون في تفاصيله، وإنما الأساس المنهجي وراء ذلك الوصف.

يرى بيكون أنه لا سبيل إلى استكشاف الأسباب التي أطلق عليها اسم "الصور" سوى التجربة، أي التوجه إلى الطبيعة نفسها، لكنه أضاف أنه لن يتسنى لنا التحكم في الطبيعة واستخدامها في منافعنا إلا بالخضوع لها أولًا، إن الملاحظة تعرض علينا الكيفية التي نبحث عن صورتها تكون مختلطة بكيفيات أخرى، فمهمة الاستقراء استخلاصها باستبعاد أو إسقاط كل ما عداها.

 

استخدام العقل

لقد كان كتاب بيكون "الإحياء العظيم" الذي تركه دون أن يكمله، على الرغم من كل عيوبه، هو أروع إنتاج فكري في الفلسفة الإنجليزية؛ حتى ذلك العهد، وربما لسنوات طويلة بعده، وأول دعوة صريحة واضحة نحو استخدام العقل. لقد عرف أرسطو وتلاميذه الاستقراء، لكنهم اقتصروا على استخدام ما يُسمَّى بالاستقراء التام، وهو القائم على تعداد وحصر كل الشواهد التي نريد فحصها في مقدمات نسلم بها؛ لكي نستخلص منها في النهاية؛ نتيجة موجودة في تلك المقدمات بالفعل، ومن ثم فهذا اللون من الاستقراء لا يختلف كثيرا عن القياس، فالمقدمة الكبرى في ذلك الاستقراء نتاج لعملية إحصاء تقوم على انتقاء الأمثلة والشواهد الإيجابية وترك الشواهد السلبية، وقد أطلق عليه بيكون اسم "الاستقراء بالتعداد البسيط"، وهكذا كانت التجربة هي الأداة الأولى والحاسمة في منهج بيكون. ففي الجزء الثاني من كتابه "الأورجانون الجديد"، يعرض بيكون الجانب الإيجابي من منهجه، الذي أطلق عليه اسم "صيد بان". و"بان" هو إله الصيد عند الإغريق، وابن زيوس إله السماء وكبير الآلهه. أصبح "بان" رمزا للكون الطبيعي، وتركزت عبادته في الريف. وتبدو أهمية هذه الاستعارة واضحة في أنها تعبر عن هاجس الطبيعة المسيطر على الأذهان. ويقصد بيكون من تلك الاستعارة أن ممارسة المنهج التجريبي تقتنص من المعارف مثلما ما يقتنصه إله الصيد من صيد وفير. وينقسم الجانب الإيجابي من منهج بيكون إلى مرحلتين: المرحلة الأولى تتمثل في إجراء التجارب. وقد تحدث بيكون عن أنواع ودرجات التجريب، من قبيل تنويع التجربة وتكرارها، وإطالة أمدها، ونقلها إلى فرع آخر من فروع العلم.

 

قوائم النتائج

  ولعل فكرة تصنيف النتائج ووضعها في قوائم كانت أحد النقاط التي تعرضت لنقد شديد من فلاسفة العلم في العصور اللاحقة. يقول بيكون عن تلك القوائم: إن غابت عن الباحث الجزئيات، أو الوقائع التجريبية المتعلقة بموضوع البحث، فسوف يضطرب التفكير ويتشتت ويضل طريقه، ولن يصل إلى شيء. والأمل معقود على استخدام قوائم الكشف لكي يصنف العقل الوقائع التجريبية وينظمها تبعا لدرجاتها، ويحدد الأمثلة النافية. وبهذا يستطيع العقل أن يمارس عمله ويستخلص نتائج التجريب وفقا لما تقدمه تلك القوائم.

 لقد استند بيكون في عملية التصنيف واستخلاص السبب أو "الصورة" علة الظاهرة إلى الاستقراء؛ لأن القياس أداة عقيمة، وليس أداة للكشف عن حقائق الكون، وإنما هو أداة لعرض الحقائق وإقناع الخصوم بها، فهو يتألف من قضايا تتكون من ألفاظ مختلطة في الذهن وغير محددة المعنى. فضلا عن أن قضاياه العامة تكون، في الأغلب، نتيجة تسرع في التعميم. وهو ما يسميه بيكون "استباق الطبيعة". أما منهجه الاستقرائي فهو يتميز بما يطلق عليه مصطلح "الرفض والاستبعاد"، أي إسقاط كل ما يقتضي استبعاده بإسقاط الأمثلة السلبية. ولعل هذا هو ما دعا بعض النقاد، إلى القول بأن اعتماد الاستقراء العلمي عند بيكون، على الأمثلة السالبة، هو ما يعطي لبيكون مكانته بين الفلاسفة، فهذا المنهج لا يختلف كثيرا عن مبدأ القابلية للتكذيب عند كارل بوبر؛ وإن كان هذا لا يوافق على استخدام الاستقراء في البحث العلمي، إلا أنه يستخدم مقولة بيكون في الحذف والاستبعاد.

 

     ذهب بيكون، كما أوضحنا، إلى أن العالِم عند فحصه لظاهرة معينة يبدأ بجمع أكبر عدد من الأمثلة المتعلقة بالظاهرة، ويستطيع العالم، الذي يكون ملما بالطبع بكل خصائص البيئة والوسط الذي تحدث فيه الظاهرة، أن يكتشف "الأمثلة" التي تكون حاضرة باستمرار والأمثلة التي تكون حاضرة في بعض الأوقات فقط، ثم يقوم بإجراء تجارب يكون الهدف منها التوصل إلى ملاحظات دقيقة تقع على الحدود بين ما نعلمه وما نجهله، ثم يقوم بتسجيل النتائج التي عثر عليها، وربما يقوم بنشر هذه النتائج في الكتب المتخصصة والدوريات العلمية، وبمرور الوقت تتراكم المعطيات العلمية المبرهنة؛ لتكون نسقا علميا كبيراً.

وغنى عن البيان أن عملية التوصل إلى الفروض واختبارها بالطريقة التي حددها بيكون؛ لا تتفق مع العديد من النظريات العلمية اللاحقة. فكثير من هذه النظريات تم التوصل إليها بطرق أبعد ما تكون عن مجرد التجميع البسيط للمعطيات والشواهد.

 

مطلب مستحيل

 لقد ظن الاستقرائيون الأوائل، وعلى رأسهم بيكون، أن ما على الباحث إلا أن يجمع ببساطة قوائم معينة لكل الشواهد والأمثلة المصاحبة للظاهرة محور البحث، ومن هنا فهو يضمن النجاح في عزل العناصر الموجودة أو الحاضرة باستمرار، التي يكون لها علاقة سببية بالظاهرة. واعتقد بيكون أننا سنصل في النهاية إلى "الصور" التي تكون بمثابة تعبيرات لفظية عن العلاقات بين ما أطلق عليه اسم "الطبائع البسيطة". كما اعتقد بيكون أننا إذا ما استطعنا معرفة الصور، فمن الممكن أن نتحكم أو نعدل من القوى التي تتحكم في هذه الطبائع.

  

   كان بيكون يأمل في أن يساعد البحث الموضوعي؛ دون أفكار مسبقة؛ في التغلب على النزعة الذاتية للباحث. غير أنه اتضح لنا فيما بعد أن هذا المطلب يكاد يكون مستحيلا من الناحية العملية، بل ومن ناحية المبدأ، فمن الناحية العملية، يستحيل علينا ملاحظة كل الجوانب المحيطة بمثال واحد من أمثلة الظاهرة، فضلأً عن الظاهرة برُمتها. كما أنه من المستحيل الحصول على ملاحظات "نقية" خالية من كل الأفكار المسبقة، التي نشير إليها في فلسفة العلم المعاصر؛ باسم الملاحظات المستندة إلى نظريات متداخلة معها، وقد أشار كارل بوبر إلى شيء من هذا القبيل في قوله: إن الاعتقاد بأننا نستطيع إن نبدأ من ملاحظات خالصة فقط، دون الاستعانة بشيء له طبيعة النظرية، لهو اعتقاد ممجوج، إن الملاحظات تكون دائما انتقائية، فهي في حاجة إلى موضوع وإلى مهمة محددة، وهدف معلن، ووجهة نظر، ومشكلة.

 

نبي الاستقراء

     ونحن لا نريد أن ننساق كثيرا في نقد منهج بيكون أو التقليل من شأنه كما فعل بعض مؤرخي الفلسفة ممن انتقصوا من دوره الريادي المؤثر. فكثير من هذا النقد تم بعد قرون من إنجاز بيكون، وهو نقد لم يضع في حسبانه الفترة التاريخية والملابسات التي سادت فيها. فنحن نعتقد أن بيكون كان بحق رائدا ومؤسسا للمنهج الاستقرائي التجريبي الحديث، ويكفى أن نقول إن أعضاء الجمعية الملكية اعتبروه "رائدا لمنهج البحث العلمي الحديث". ويؤكد فيلسوف العلم هانز ريشنباخ نفس المعنى في قوله: بيكون هو الذي أدرك بوضوح ضرورة استخدام الاستدلالات الاستقرائية في المنهج العلمي، وله في تاريخ الفلسفة منزلة نبي الاستقراء.

 لقد أضحى البحث عن قوانين الطبيعة منذ مطلع عصر النهضة هو المهمة الأساسية للعلم. ويعد فرانسيس بيكون أول مفكر يصف بطريقة متسقة منظمة ومنهجية الطرق التي ينبغي للعلماء أن يسلكوها للكشف عن هذه القوانين. وعلى الرغم من أن صياغة بيكون الأصلية لقواعد المنهج العلمي كما تصورها، تم تعديلها والإضافة إليها وتهذيبها عدة مرات؛ حتى غدت في غاية التعقيد، إلا أن الأسس الجوهرية التي أرساها والروح الجديدة التي أسبغها على دراسة موضوعات المنهج العلمي، أصبحت موضع قبول العلماء منذ القرن السابع عشر.

   وكما سبق ونوهنا، يستمد منهج بيكون قيمته الكبرى، من تأكيده على الاهتمام بالشواهد السلبية وقيمتها البرهانية، وكيف أنها تفوق أحيانا قيمة الشواهد الايجابية، وذلك لأن البرهنة على النظريات لا تتم حين يتم تكذيب النظريات المنافسة لها، وهذا سبق واضح لرأي بيكون على رأي كارل بوبر الذي يستند معياره في القابلية للتكذيب على الفكرة ذاتها. كما أن الملاحظات عند بيكون لا تعد دعما صادقا للنظرية إلا إذا كانت تقدم شاهدا سلبيا لنظرية أخرى منافسة. ومن هنا فقد سبق بيكون كارل بوبر فى التأكيد على أهمية التكذيب في العلم.

 

روح بيكون

   ما يعنينا هنا في منهج بيكون القائم على الاستقراء هو أنه أضحى منذ عهد بيكون هو المعيار المميز بين العلم واللاعلم. فقضايا العلم التي تتأسس وفقا لشواهد الملاحظات والتجارب أو الوقائع، كما رأى بيكون، وهي تتعارض تعارضا كبيرا مع القضايا الأخرى (قضايا اللاعلم أو العلم الزائف) التي قد تتأسس على السلطة authority أو العاطفة emotion أو التقاليد tradition، أو التأمل الميتافيزيقي metaphysical speculation، أو التحيز والتعصب أو العادة، أو أي مصدر آخر يزعم تقديم معرفة يقينية تامة.

  غير أن قيمة آراء بيكون لم تتضح في حينها، بل احتاج الأمر ردحا من الزمن؛ كي يدرك الناس قيمة أفكاره التنويرية. فقد آثر الناس في إنجلترا وفرنسا وألمانيا اللجوء إلى قوة السلاح في صراعهم الديني والسياسي، ولكن بعد أن تلاشت حدة ذلك الصراع، احتشد الناس، مدفوعين بروح بيكون، ليزيدوا من سيطرة الناس، لا على الناس، بل على ظروف حياة الإنسان وما يصادفها من عقبات. وعندما تم تأسيس "الجمعية الملكية في لندن للنهوض بالمعرفة الطبيعية" (1660)، تم إهداء أعمالها إلى روح بيكون تكريماً وتخليداً لذكراه، وأقر أعضاء الجمعية بأن مصدر وحيهم وإلهامهم يعود إلى أعمال وكتابات فرانسيس بيكون.

   وعندما قام فلاسفة عصر التنوير بتأليف دائرة المعارف المشهورة التي أبهرت العالم (1751) فإنهم أهدوها إلى فرانسيس بيكون. وكتب ديدرو في نشرتها التمهيدية: إذا كنا أدينا مهمتنا بنجاح، فإننا نكون مدينين بأكبر الفضل لقاضي القضاة بيكون الذي اقترح خطة قاموس عالمي للعلوم والفنون، في عصر لم يوجد فيه علوم ولا فنون، وأن هذا العبقري الفذ، كتب في عصر كان من المستحيل فيه كتابة تاريخ لما هو معروف، كتب تاريخاً أو دراسة لما هو ضروري أن نتعلمه أو نعرف.

 

   ويتعين علينا أن نشير أيضا إلى أن بيكون، على خلاف الكثير من فلاسفة عصر التنوير اللاحقين، لم يقل بأن العقل عدو الدين أو أنه بديل عنه، وإنما أفسح لكل منهما مجالاً في الفلسفة وفي الحياة. غير أنه كان يمقت الاعتماد على التقاليد والنصوص الموروثة، وطالب بتغييرات عقلانية طبيعية؛ بدلاً من الركون إلى الافتراضات أو الحدس العاطفي، أو خوارق الطبيعة، أو الأساطير الشعبية المألوفة.

   ربما لم يتقدم العلم أبداً وفقاً لطريقة بيكون في الرصد والاستقراء الصارم المباشر والبسيط في الوقت عينه، إلا أن شعلة المنهج العلمي التي أذكى أوارها، والعقلانية الجديدة المستنيرة التي رفع شعارها، والغرض الجديد من العلم بشقيه النظري والتطبيقي الذي كان أول من نبه له، كانت بمثابة التمهيد الضروري على درب التنوير، والإرهاص الحقيقي للثورة الفكرية التي سار على نهجها بعد ذلك فلاسفة أفذاذ من أمثال سبينوزا وفولتير وروسو وكانط وغيرهم؛ ممن كان لهم الفضل الأول فيما وصلت إليه البشرية الآن من تقدم ورقي.

 

تطور النزعة العقلانية

   كانت العقلانية العلمية والمنهجية، التي كان بيكون الرائد الأول الحقيقي لها، أحد أهم إرهاصات عصر التنوير، فتطور تلك النزعة العقلانية كان تجسيدا للتقدم والتحرر الفكري والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، الذي واكب التحولات الهيكلية التي حدثت في أوروبا، والتي اعتبرت العقل المصدر الأول؛ بل والوحيد للمعرفة الصحيحة، وأكدت على احترام العقل؛ بل تقديسه ونبذ الفكر الميتافيزيقي والأسطوري، وناضلت ضد الأيديولوجية الاقطاعية وسلطة الكنسية وعملت من دون كلل من أجل بسط سيطرة العقل؛ لفهم وتفسير ظواهر الطبيعية والإنسان، فضلا عن إيمان راسخ بقدرة العقل البشري على التطور والتغير والتقدم نحو الأفضل؛ للسيطرة على الطبيعة وتسخيرها؛ لصالح الإنسان والمجتمع. كما اتسمت تلك العقلانية ببذور فصل الديني عن الدنيوي، وعدم الخضوع لسلطة الكنيسة أو أي سلطة أو وصاية خارجية بعيدا عن سلطة العقل؛ بل إن بيكون كان من أوائل من دعوا إلى ضرورة الفصل بين اللاهوت والعلم بكلمات واضحة، فلكل مجاله وحدوده التي لا يجب أن يتخطاها، وهو صاحب المقولة الرائجة "قليل من الفلسفة قد يؤدي إلى الإلحاد، لكن التعمق في دراستها يقود إلى الإيمان".

   وإذا كان الفلاسفة يختلفون أحيانًا في كثير من الأمور، فإنهم جميعًا لا يختلفون على الكثير من مقولات فرانسيس بيكون، التي صارت خالدة في الوعي الإنساني، منها، "الصمت فضيلة الحمقى"، و"إنتقاء الوقت اقتصاد فيه"، و"المال أجمل خادم وأقبح سيد"، وأيضا عبارته التي أصبحت شعارا لعصر العقلانية والتنوير، التي يقول فيها "المعرفة قوة".

أخيراً، يكفي أن نشير إلى أن رواد فلسفة التنوير أنفسهم هم من اعترفوا بفضله وأهميته، فقام فولتير بتمجيده وأطلق عليه اسم "رائد الفلسفة التجريبية"، وأهدى كانط كتابه الأهم "نقد العقل الخالص" إلى روح بيكون.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية