الفن والتنوير .. وتشكيل فلسفة الجمال

  ظهرت بوادر مصطلح "التنوير" مع نهاية عصر النهضة، وتأصل في العصر الحديث، وهو يشير إلى التحولات الفكرية العميقة التي جرت بعد التخلص من سلطة الكنيسة؛ نتيجة التقدم العلمي، حيث جاء العلم بحقائق وتفسيرات جديدة للكون، أزاحت التفسيرات اللاهوتية جانباً، وقدمت فهماً ورؤية جديدين للعالم ولحياة الإنسان، واكبهما الفن الذي قام بدور رئيس في تشكيل منظومة القيم الحديثة المتشربة بروح المتغيرات الجديدة.

    يشير مصطلح التنوير إلى فترة تاريخية، تم فيها إعادة تأسيس العقل الإنساني على أسس جديدة، أهمها، الحرية واعتماد العلم في تفسير الكون والعالم والحياة والإنسان وقضاياه وغيرها. واتسم التنوير بثلاث نزعات، هي الأنسنة والعلمية والعقلانية، حيث تمت إعادة الاعتبار للإنسان ودوره في الحياة، والأهم من ذلك أصبح هو منتج المعرفة عن طريق العقل والعلم. ولم يكن الفن بمنأى عن هذه التغيرات فاستقل هو الآخر عن التوظيف الديني، وبدأ يتضح تدريجياً دوره الثقافي في حياة الفرد، ومن ثم مكانته في التطورات الفكرية والحضارية الحديثة التي أفضت إلى بيان دوره المهم للإنسان، فساهم ذلك في توظيفه من قبل العديد من المبدعين في سياق عملية التنوير. وسنحاول هنا بيان ماهية العناصر الفكرية في دور الفن التنويري.

الفن والفكر

   كمدخل للحديث عن الفن والفكر، لابد من الإشارة بشكل موجز جداً إلى صلة التنوير الوثيقة بالفكر. فعقل الإنسان هو الحامل للأفكار والتصورات، وطبيعة الأفكار التي يؤمن بها الفرد، تنعكس على طريقة تفكيره ورؤيته للواقع والعالم، وتفسيره لما يجري فيه، وربطه بين الأحداث والأشياء، وتحدد أيضاً علاقته وموقفه من الآخرين، وبشكل عام يمارس طريقة حياته بناء عليها. وتُعد طريقة التفكير مفتاحاً للعقل، فإما أن تقيده وتغلقه أو تصيبه بالجمود، ونتائج ذلك سيئة جداً؛ لأنها تقود للتعصب والتطرف والقمع والإقصاء وغيرها، وإما أن تجعله منفتحاً، متميزاً بالقابلية للتطور والتفاعل والتعايش مع الآخرين. العقل المنفتح هو العقل المستنير الذي يتساءل ويناقش ويجادل ولا مكان فيه لمسلمات تجمده. الأفكار وطريقة التفكير إذاً هي التي تحدد ما إذا كان العقل جامداً ومنغلقاً، أو منفتحاً ومستنيراً. وعند تتبع مسيرة الفن منذ بداياته الأولى حتى اليوم؛ سنجد بأنه يعد بالفعل انعكاساً لوعي الإنسان وتعبيراً عن تصوراته وطريقة تفكيره. فالفن يمتلك قدرة فريدة وإمكانيات كبيرة ترتبط بالتعبير عن الموضوعات والأفكار غير المدركة بشكل مباشر؛ من خلال التجريد. هذا فضلاً عن إمكانية تصوير الأفكار واعطائها بعداً حسياً. فمثلاً، لو نظرنا إلى الأساطير القديمة التي كانت تعبر عن معتقدات الإنسان القديم، سنجدها تشخص الآلهة وممارساتها؛ بالرسوم والمنحوتات والقصائد وغيرها، وإذا نظرنا لمرحلة تاريخية أخرى، وهي العصور الوسطى، فسنجد الفن يعبر عن موضوعات دينية، إذ في الكثير من الكنائس الأوروبية نجد الصور الفنية تحكي قصة الخلق أو يوم القيامة، وفي الحالتين لم يرَ أحد من الأحياء كيفية الخلق، ولا يوم القيامة، ولكن من خلال الأعمال الفنية يستطيع المرء البسيط تكوين تصور أولي عن الأفكار والمعتقدات الدينية بهذا الخصوص.

التحول النهضوي

  مع التحول الذي جرى في عصر النهضة، اتجه الفن في العصر الحديث إلى اكتشاف قيمة الإنسان وحرية الجسد، أما موضوعاته فراحت تتعدد وتأخذ الطابع الدنيوي، على عكس النظرة الدينية الأحادية للإنسان والعالم. كما عكست أيضا الحرية التى بدا الفنان والإنسان الأوروبي بشكل عام يتلمسها بعد قرون من التسلط الكنسي على إبداعات الفنانين، فبرزت اتجاهات فنية تعبر عن طريقة التفكير والرؤية الجديدة للكون والعالم، مثل فن "الركوكو" الذي يعبر عن النظرة اللامتناهية للكون؛ باعتبار الأرض جرماً سماوياً يسبح في فضاء واسع. وهذا يناقض تماماً النظرية المركزية التي كانت سائدة في العصور الوسطى وما سبقها، التي تقول بمركزية الأرض في الكون، وبالتالي يكون الانسان في قلب هذا المركز.

   ولا تقف المسألة عند قدرة الفن على التعبير عن الأفكار الجديدة، بل والتأثير على طريقة تفكير الإنسان أيضا. فالفن يشكل أحد أبرز المؤثرات على الإنسان وتفكيره؛ على القيم والممارسات والانفعالات والتوجيه والدعاية والتربية والسياسة وغيرها. وهذا ما يفسر مسألة فرض الرقابة على الفن التي أشار إليها أفلاطون بطريقة منهجية في محاورة "الجمهورية"؛ من أجل كبح جماح تأثير الفن على العامة وممارساتهم تجاه الآخرين والمجتمع والدولة. هناك إذاً صلة قوية بين الفن والفكر. ما يفتح المجال لاستخدام الفن وإبداعاته المختلفة في معارك التنوير والتجديد.

نشأة فلسفة الجمال

     يمثل العصر الحديث نقطة تحول هامة للفن والفلسفة، التي تعتبر مفتاحاً مهماً لفهم عملية دخوله معترك التنوير، وهي نشأة فلسفة الجمال كأحد مباحث الفلسفة المستقلة على يد الفيلسوف الألماني ألكسندر بو مجارتن في منتصف القرن الثامن عشر. فعلى الرغم من قدم الظاهرة الفنية التي نشأت مع التجمعات الإنسانية الأولى، وتجذرت حتى أصبحت رمزاً لإبداعاته الحضارية، وتعبيراً عن معتقداته الفكرية والدينية، إلا أن الفن لم يكن من مباحث الفلسفة، التي نشأت في القرن السادس قبل الميلاد، وتركزت على الوجود والأخلاق. ولا نريد هنا أن نبحث أسباب تأخر حضور الفن؛ كمبحث فلسفي مستقل، لكن تجدر الإشارة إلى أن الفن كان خلال مسيرته التاريخية خاضع للسلطة الدينية والوظيفة الاجتماعية، ويرتبط بشكل كبير بالحرف، كما أن الفلاسفة اليونانيين، على رغم تناول بعضهم الفنون، إلا أنهم لم ينظروا إلى الفن من زاوية فلسفية، لكونه يحاكي الموجودات الواقعية (الطبيعة والإنسان)، بينما كان الاهتمام الفلسفي لدى اليونان منصباً على الكليات العقلية المجردة.

   ومع التقدم العلمي الذي جرى منذ عصر النهضة، أدركت النخبة المفكرة في العصر الحديث، أن العلم يتعلق بالدرجة الأولى بما هو مادي فقط، وليس له تأثير على الجوانب الذاتية؛ كالمعتقدات والقيم ومعنى الحياة والمفاهيم وغيرها، التي تمثل محور الاختلاف بين الأمم والشعوب. لقد قاد التطور العلمي إلى مسألة مهمة، وهي تبديد الضباب العالق بدور الفن في حياة الانسان وأثره على تفكيره، فالفن يلعب دوراً أساسياً في التعبير عن غالبية الموضوعات الذاتية، مثل القيم الاخلاقية والمعتقدات ومعنى الحياة ورؤية الإنسان للعالم، وكيف يمكن أن يقوم الفن بدور نقدي وتوجيهي في المجتمع. لقد برز دور الفن الفكري والثقافي بشكل واضح بعد تراجع هيمنة الكنيسة في أوروبا، وهو الأمر الذي ترك فراغاً كبيراً فيما يتعلق بالقيم الأخلاقية والجوانب الروحية على وجه الخصوص، فانبرى عدد من النقاد للدفع بالأدب وفن التصوير (الرسم) للمساهمة في التعبير عن المُثُل وصياغة منظومة القيم في المجتمع؛ بشكل عام. فنجد مثلاً ما طرحه الناقد الشهير آنذاك أ. جونسون (وآخرون) في نظرية محاكاة المَثل الأعلى؛ بمعنى أن يكون للفن بعد أخلاقي بالضرورة.

   وتعكس الجوانب الذاتية التي يعبر عنها الفن بعداً معرفياً، أي المعرفة الذاتية، المناقضة تقريبا للمعرفة العلمية من حيث طابعها وموضوعاتها وطبيعة اليقين فيها، حيث يكون طابع الحقائق في المعرفة الفنية والذاتية بشكل عام، ذاتياً أو اجتماعياً، ويطلق عليها المعرفة غير المباشرة.

  ومنذ ظهور فلسفة الجمال؛ كفرع فلسفي مستقل، اتضحت بصورة جلية صلة الفن بالفكر، واتسع نطاق البحث الفلسفي الهادف إلى بيان الأبعاد الفكرية للفن. لقد مهد ذلك الطريق لقيام العديدين من فناني العصر الحديث بتوظيف الفن في خدمة الفكر، وبرزت قامات كبيرة وظفت الفن في خدمة قضايا التنوير، فعلى سبيل المثال نجد الرسام الإسباني فرانشيسكو دي غويا بنزعته الإنسانية والعقلية، يقدم لوحات خالدة عبرت عن قضايا الانسان ومعاناته. وكذلك الدور التنويري الكبير الذي قام به الكاتب المسرحي النرويجي هنريك أبسن في كتاباته التى تحولت إلى مدرسة فكرية تنويرية وظفت الأدب في معركة التنوير الفكري.

الفن ولغة الحقائق

    يعتبر الفن، خصوصا الديني والواقعي، لغة رمزية تعبر عن المعتقدات والقضايا الانسانية، يستخدمها الفنان في ابداعاته، وينقل من خلالها الفكر والمعنى للجمهور، فالأسماء على سبيل المثال ترمز إلى الأشياء في الواقع، مثل الطائرة أو الحصان أو الطاولة، وإذا قيلت لأي فرد وهي ليست موجودة أمامه سيعرف ما المقصود بذلك، نتيجة لتعقل صورتها في العقل؛ بمعنى أن الرموز والأسماء اللغوية هي دلالات للأشياء الموجودة في الواقع، وتحمل معنى الشيء المرموز إليه. وكما هو معروف فإن اللغة هي تعبير عن الفكر أو الأفكار التى في الذهن، والكيفية التى تصاغ بها الأفكار لها وقع على الأفراد وتؤثر فيهم، ومن خلال الحجج والجدل اللغوي يمكن تغيير الأفكار في العقول.

  وقد حظيت اللغة بأهمية فلسفية كبرى في القرن العشرين، الذي يعد قرن اللغة بحق، إذ ذهب الكثير من الفلاسفة إلى أن اللغة، أو القضايا اللغوية البسيطة، هي وصف وتصوير للواقع ولمعناه الواقعي (مثلا كصورة فوتوغرافية لكرسي فوق طاولة يمكن التعبير عنها أو وصفها لغويا بـ الكرسي فوق الطاولة). كما تنقل اللغة الواقعية وكذلك الأدبية، صورا متحركة لإيقاع الحياة اليومية والممارسات فيها، وهي بذلك تعكس أو تنقل أفكارا يريد الفنان أو الأديب إيصالها للآخرين والتأثير في وعيهم وتفكيرهم ونظرتهم للأمور، فالصورة اللغوية على ارتباط وثيق بالمعنى والفكر، ولها القدرة على التأثير على الأفراد وأفكارهم، وينسحب الأمر على الصورة الأدبية والفنية التى يفوق تأثيرها الصورة اللغوية الوصفية للواقع، نظراً لإثارتها العواطف والانفعالات، ومن ثم الاستجابة أو النفور من موضوع العمل الفني.

الفن والحقيقة

  ومن جانب آخر هناك صلة وثيقة بين الفن والحقيقة، على الرغم من اعتقاد الكثيرين بعدم وجود صلة بينهما، والمجال الأساسي المختص بها هو العلم، فالحقائق العلمية دامغة؛ لأنها موضوعية ومستقلة عن الإنسان وتقدم أدلة وبراهين، وتأتي عن طريق التجربة، علاوة بالطبع على الحقائق الواقعية في الحياة اليومية. ولا شك في أن هذه النظرة قاصرة؛ لأن الفن يعبر عن الحقيقة، وربما يكون مجاله أوسع من العلم، لكن هذا ليس موضوعنا هنا. فإذا أقررنا أن الفن يعبر عن المعرفة الذاتية، فذلك يعني أنه يعبر عن حقائق ذاتية، يختلف طابعها بالتأكيد عن الحقائق العلمية. فالحقائق الذاتية تمثل أهمية كبرى للإنسان والجماعة، والفن، كما أشرنا سابقاً، هو القادر على التعبير عنها، بل والحفاظ عليها ونقلها للآخرين. وتتسم الحقائق الذاتية بالطابع النسبي، كما تختلف تعبيراتها اللغوية عن الحقائق العلمية، حيث تتميز الأخيرة بالمعنى الحرفي للكلمة والدقة والتحديد الشديدين، ولا مجال فيها للتعددية في التفسير أو الغموض والالتباس. في المقابل تتسم تعبيرات الحقائق الذاتية بالأسلوب الفني والمجازي الأدبي، وتركز في الأغلب على حقائق غير مدركة بالحواس، وقابلة لأكثر من تأويل، وبالتالي تتسم الحقائق الذاتية بالتعددية لا الأحادية، وأي محاولة لجعلها أحادية ستقود للتعصب والتطرف وإلغاء الآخر.

إعادة تشكيل الوعي

  إذا كان الفن قادراً على التعبير وتوصيل القيم والمعتقدات، فهو إذن يساهم مساهمة فعالة في تشكيل مضمونها وغرسها في الأفراد، وتوجيهها في أي اتجاه يرغب به من يبدعها. وعليه إذا كان العلم قد تعامل مع الواقع المادي وطوره في صالح الإنسان، فإن الفن قادر على تطوير ثقافة الإنسان وقيمه وإعادة صياغة منظومة القيم السائدة في المجتمع. وهذا يعني إعادة تشكيل الوعي الذاتي، والبعد الاجتماعي للفرد أو للمجتمع بشكل عام. فلو نظرنا مثلاً لمنظومة القيم السائدة في أوروبا العصر الوسيط؛ سنجد أن الأساس الذي قامت عليه كان دينياً، فتم توظيف الفن في خدمة المعتقد السائد وقيمه، ومع التغيُّرات التي جرت في أوروبا قام الفنانون والأدباء، ومعهم المفكرون والفلاسفة، بإعادة صياغة منظومة القيم على أساس جديد يقوم على العقل وتأثير التطورات العلمية الفكرية والثقافية.

    لقد ساهم الفنانون والأدباء في حركة التنوير عبر الدفاع عن قيم الحرية بشتى أنماطها، وعملوا على تحديث ثقافة المجتمع وقيمه، والتأسيس لوعي ثقافي جديد، فأثَّروا على الجماهير والنخب من أجل إحداث التغيير المنشود. ولعل أقوى نموذج على دور الأدب والفن في عملية التنوير والتغيير في المجتمع، هو الثورة الروسية في القرن العشرين، التي لعب فيها الأدباء والفنانون الروس في القرن التاسع عشر دوراً جوهرياً في توعية الشعب الروسي وحثه على الثورة التي قامت عام 1917. وذلك بشهادة أحد أبرز قادتها وهو فلاديمير لينين.

الفن والقيم

  في ضوء ما سبق، نرى الدور الجوهري الذي قام به الأدباء والفنانون، عبر أعمالهم الإبداعية، في معركة التنوير في العصر الحديث، حيث استطاعوا إحداث تغيير قيمي وفكري في مجتمعاتهم والمجتمع الإنساني بشكل عام. فالفنان المبدع قادر على إعادة صياغة مفردات واقعه بطريقة يخاطب فيها العقول، وينقد واقعه، ويعطي بدائل، أو يجدد فيما هو موجود من قيم ومفاهيم. وخلاصة القول إذا كان العلم قد أعاد تأسيس المعرفة الإنسانية المادية على أسس فيزيائية، من حيث القوانين والحقائق وتفسير الطبيعة، فإن الفن ساهم في إعادة تأسيس القيم والمفاهيم الإنسانية في ضوء التطورات الحضارية المستمرة.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية