هل يمكن تجاوز ما لا يقبل التكفير والتقادم من خلال الصفح؟

في حالة الحرب المزرية، الجرائم ضد الإنسانية، الاضطهاد الديني، العنف الطائفي.. وكل الفظائع التي ترتكب باسم الإنسان وضده، وتتجاوز الشرط الإنساني نفسه؛ لتنخرط في خانة ما لا يقبل التكفير أو التقادم أو النسيان؛ أي الشر الخالص أو المطلق، هل من سبيل أخلاقي وعقلاني؛ لمناشدة السلم الإنساني، بعيدا عن أطره السياسية والقانونية الوظيفية، أو استعمالاته الاجتماعية الضيقة وحمولته التاريخية والثقافية؟

  يقترح جاك دريدا اعتناق "الصفح" في شروطه الفلسفية والعقلانية، التي تقطع مع منطق التوافقات السياسية والثقافية، وتركز على الغايات الأخلاقية للوجود الإنساني، وتؤسس لفعل إنساني في ذاته، قائم على خلق تفاعلات وعلاقات أخلاقية بين الذوات، تكسر حدود المستحيل، انطلاقا من الحفاظ على ذاكرة الفعل المستوجب للصفح وفعل الصفح نفسه، ضمن نسق الاستعدادات الأخلاقية؛ لمناشدة الإنسانية في شروطها الأخلاقية العليا.

فلسفة جديدة للصفح

  لقد اقترن تاريخ الإنسانية، طوال 300 ألف سنة من وجودها؛ بأفعال وسلوكات وتصرفات، تتجاوز نطاق الإنسانية وقواعد الأخلاق والأديان. والمثير للدهشة أن هذه الأفعال التي ارتكبت من قبل الإنسان ضد أخيه الإنسان؛ قد ترافقت مع مبادرات سياسية واجتماعية وثقافية، تنشد الصفح. لكن، هل يكون الصفح؛ بما هو غاية إنسانية في ذاتها، مرتبطا؛ بتوافقات واستراتيجيات وظيفية طامحة؛ لمحوِ الفظائع والجرائم من أذهان الجناة والضحايا، بحثا عن المصلحة الجماعية أو الوطنية؟ وهل يحق للضحية أن ترفض الصفح؟ وهل يعني هذا الرفض غياب التعايش والتسامح والسلم الاجتماعي...؟ تلك أسئلة يحاول دريدا الخوض في غمارها في إطار مطمح تأسيس فلسفة "جديدة" للصفح خلال القرن الحادي والعشرين.

    ينطلق دريدا من تحليل مفهوم الصفح من أجل التأكيد على طابعه الإنساني الخالص، والمفرغ من أي رهانات واستراتيجات وتوافقات؛ كيفما كانت منطلقاتها وأهدافها. فنحن أمام سلوك إنساني بعيد عن الفعاليات السياسية والقانونية والثقافية التي رسخها التاريخ في الأذهان، والهادفة إلى جعل الصفح وسيلة وليس غاية. لهذا، يؤكد دريدا على أن أول شرط للصفح هو "فرديته" أو "فردانيته"؛ بمعنى أن "طلب الصفح لا يكون إلا فردا لفرد، في وضعية، وجها لوجه؛ دون وساطة". فالغايات والتوافقات والاستراتيجيات الجماعية والسياسية، تفرغ الصفح من معناه الإنساني، وتقزم من صعوبته وقوته في الآن نفسه، فأن تصفح، فأنت تجعل من المستحيل ممكنا، ومن الضعف قوة، ومن الشر خيرا.

 

 

  الصفح قيمة إنسانية

لكن، هناك أفعال لا يمكن الصفح عنها؛ بل يمكن أن تقود أنقى القلوب وأرقى العقول؛ نحو التفكير في الانتقام، عوضا عن الصفح؛ تلك الفظائع التي من المستحيل –نظريا طبعا- الصفح عنها. فما العمل؟

   في الواقع، يؤسس دريدا كتابه على حوار نقدي، مع فلاديمير جانكلفيتش، في كتابيه "الصفح" و"ما لا يقبل التقادم"، الذي يرفض مقولات الصفح؛ لعدم قدرتها على محو آثار ذاكرة الجرائم؛ ضد الإنسانية، واستحالة العفو ونسيان الفظائع التي تُركتب في حق الإنسان؛ تحت أي ذريعة أو هدف. أن نصفح معناه أن ننسى الفظائع؛ تحت ثقل المصلحة العامة أو الإنسانية، وحينما يتعلق الأمر؛ بارتكاب جرائم أو انتهكات تتجاوز ما هو إنساني، يستحيل القول بالصفح، حسب جانكلفيتش.

  أما دريدا، فيرى ذلك؛ بمثابة خلط مفهومي، في إنتاج خطاب فلسفي خالص، حول الصفح. ما يستدعي "التمييز بين التكفير، الخلاص، الفدية، المصالحة [والتوافق] والصفح". فالمفاهيم الأولى حاملة؛ لمرجعية دينية، ثقافية، قانونية واجتماعية، تصب في اتجاه البحث عن توافق بين المجموعات الإنسانية، قوامه النسيان وطي الذاكرة، وخط صفحة جديدة، ضمن نسق العلاقات الإنسانية، أما الصفح فهو سلوك فردي وقيمة إنسانية، تحول المستحيل إلى، ممكن في إطار أخلاقي خالص.

  ثنائية الصفح والإخاء

 في ربطه بين الصفح والمصالحة السياسية والثقافية بين الشعوب، جعل جانكلفيتش من الصفح "مستحيلا ولا أخلاقيا". ربط الصفح؛ بطالبه، يشرعن – بالضرورة – رفضه؛ باسم مرجعية الطلب نفسه، الأمر الذي يفرغه من معانيه الإنسانية. إننا ننسى فكرة أنه يمكن منح الصفح؛ حتى لمن لم يعترف بخطاياه، جرائمه ولم يطلب الصفح في الأصل؛ بحيث لا تكسب هذه القيمة معناها، إلا "باستدعائها للقيام؛ باللا ممكن، ولصفح ما لا يمكن الصفح عنه". دائما، وفقا لدريدا، من الضروري الفصل بين الصفح والإيتيقا أو الأخلاقيات المفرطة، التي تقرنه؛ بطقوس وممارسات، تضيع المعنى والغاية الإنسانية للصفح. مثل هذه التمثلات، يمكن أن تحول "الصفح الأخلاقي إلى صفح سيادي (الصفح بما هو عقاب وفقا لمنظور حنا أرندت)"؛ إنْ هي حملت (التمثلاث) غايات سياسية أو عرقية أو طائفية أو قانونية خالصة (العفو الملكي أو الرئاسي على سبيل المثال)، ولم تنبع من الذات والإرادة الإنسانية الخالصة.

  يرفض دريدا الخلط بين الصفح والمفاهيم المرادفة له، المنتمية إلى الحقلين الاجتماعي والسياسي. لكنه يولي مركزية كبرى لمفهوم "الأخوة" أو "الإخاء" ضمن سيرورة مناشدة الصفح. إن الإخاء "يتجاوز التعاطف والرأفة، ويؤسس لتقاسم الإنسانية، الإخاء بين البشر"؛ لكونه فعلا واعيا، نابعا من الذات الإنسانية، وحاملا لثقافة وأخلاقيات الصفح. يشترك الإخاء والصفح في ارتباطهما باللا شرطية، أي أن ربطهما بأي غاية أو منفعة، يفقدهما حمولتهما الأخلاقية والإنسانية الخالصة. فنحن لا نعتنق التآخي طريقا للعيش؛ من منطق البحث عن المصالح السياسية والاقتصادية، والظهور بمظهر القوي (اقتصاد الأخلاق)، ولا نصفح؛ لنعاقب أو ننسى ونعفو (اقتصاد الصفح). إننا لانبحث عن "جذب اهتمام الآخر وشد انتباهه، ولا ننتهي بذرف الدموع" أو نصفح للتهرب أو الانسحاب، و"لا ننتظر الصفح"، وإنما نصفح؛ لكون "الصفح، لا يوجد كشيء ممكن، ولا يوجد إلا إذا استثنى ذاته من قانون الممكن". بهذا المعنى نكون أمام هبة إنسانية، وقدرة فريدة على تحويل المستحيل إلى ممكن، وقلب التصورات الثقافية السائدة واعتناق الإنسانية المطلقة.

تجربة وجودية

   لماذا يُقَوض الصفح؛ بوجود طرف ثالث؟ ببساطة؛ لكون الصفح مقولة أخلاقية مفرغة من أي رهانات أو توافقات وظيفية. فالانخراط في سيرورة طلب الصفح؛ لشخص أو جماعة، أو الحديث؛ باسمهم، من طرف أي جهة كانت، يمثل وصاية على الصفح نفسه. وكأننا لا نبحث عن الصفح، وإنما عن إنهاء وضع صراع ضمني أو صريح – في تمثلنا- بين طرفين متناقضين، وإنهاء ذاكرة الصراع، انطلاقا من حثِّ الضحية على قبول الصفح؛ بوصفه حلا وسطا؛ لشيء لا يمكن إصلاحه. والواقع أن الصفح بعيد عن هذا التصور المبسط، الذي نحمله للعدالة. إننا أولا وقبل كل شيء أمام "تجربة إنسانية وجودية" – تحمل بالضرورة مخرجا أخلاقيا وإنسانيا لأزمة وجودية سابقة - لا يمكن فهمها إلى خارج دائرة الممكن، وحديث دريدا عن الصفح والهبة، نابع من هذا المنطلق. حينما أصفح فأنا أتجاوز حدود المنطق، كما هو محدد اجتماعيا وثقافيا، عبر اختيار إرادي حر لا يرتبط بالخوف أو البحث عن الجزاء في حد ذاته.. أصفح لأكون إنسانا.

    إذا كان "البشر يصفحون حينما يعجزون عن المعاقبة على ما يرونه غير قابل للصفح" (بلسان حنا ارندت)، أليس الصفح مساويا للعقاب؛ بالضرورة، تحت ذريعة اللاممكن؟

  أولا، هناك اختلاف بين الصفح والعقاب – حتى العقاب القانوني المرتبط بتطبيق العدالة - لأن الأول فعل إنساني بالضرورة، في حين أن رغبة العقاب من الممكن أن تنزاح نحو الانتقام؛ بوصفه صوتا غير إنساني.

  ثانيا، اللاممكن هو المجال الحقيقي لتجربة الصفح.

 ثالثا، الصفح تجربة زمانية بامتياز، فهي تتضمن اعترافا؛ بفعل الانتهاك من قبل الجاني والضحية، واستعدادا للتعايش مع الماضي وصون الذاكرة الشخصية. انطلاقا من هذه المتغيرات، يُنظر إلى الصفح كنقيض للشر الخالص، وأيضا علاجا لهذا الشر الذي يسيطر على النفوس.

موسيقى الصفح

  يجعلنا القول بالصفح كتجربة انسانية أمام ضرورة فصله عن الإطار المؤسساتي والقانوني. يمكن للمؤسسة أو الدولة أو الرئيس أن يمارس العفو، الرحمة؛ باسم مجموعة اجتماعية متجانسة، لكن وحده الفرد من يملك القدرة والأهلية الأخلاقية؛ لممارسة الصفح. لا يعني هذا الأمر هنا أننا ننفي القدرة على الصفح عن المجتمعات أو الثقافة وحتى التاريخ، وإنما نتحدث عن تربية وثقافة إنسانية مرتبطة، قولا وفعلا؛ بالأفراد حصرا، ومنفصلة عن تصوراتنا المختلفة عن الممكن والمستحيل. قد يحس الأفراد تحت، ثقل المسؤولية والواجب الوطنية؛ بضرورة الصفح عن من يخون الوطن والأمة (مقولة الوطن غفور رحيم للملك الراحل الحسن الثاني). والواقع أن هذا الفعل مجرد عفو اجتماعي، يتأثر؛ بتقلبات الضمير الاجتماعي والأوضاع السياسية القائمة، أما الصفح عن من ارتكب الفظائع في حقك؛ كشخص، فلا أحد يطالبك به أو ينتظره منك... ببساطة هذا هو جوهر الصفح لدى دريدا.

   هل يجب أن يمر الصفح عبر الكلمات، أم يجب أن يمرر الكلمات؟ يولي دريدا كذلك أهمية كبرى للغة وخطاب الصفح، أو ما يسميه موسيقى الصفح. يقترن الصفح باللغة اللفظية والإقرارية ويتعداها إلى خارج ما هو لفظي. قد نبدأ بطلب الصفح – وهو المثال الذي ينطلق منه دريدا نفسه في بداية الكتاب- حينما تتعدد الأسباب الداعية إليه، ودون الإشارة إلى طبيعة موضوع الصفح نفسه. يقترح دريدا انتهاج هذه الطريقة حتى لا يتحول الصفح ومنحه إلى فعل مصطنع، مرتبط بالبحث عن إنهاء أزمة أو التظاهر بمنح الصفح في سياقات ووضعيات غير مناسبة لهذا الفعل.

   واهم من يعتقد أن جوهر الصفح الحقيقي رهين بالإفراط في الاعتذار أو طلب الصفح، قولا وفعلا. بإمكان الصمت أحيانا أن يكون أبلغ من مئات الكلمات. حتى في منطق التواصل والتفاعل الإنساني، يعد الصمت نوعا من التواصل وضجيجا من الكلمات (بلغة ميرلوبونتي). يجب أن نتذكر دوما أن الصمت يتولد من المستحيل ومن فعل اللا إمكان، ويظل تجربة إنسانية متعالية عن اللغة أو الخطابات الاعتيادية وثقافة التواصل في الحياة اليومية. وبالتركيز على البعد الإنساني والأخلاقي والذاتي، يتحقق الصفح بالتعالي عن الشروط والحدود الاجتماعية والثقافية.

الصفح الأخلاقي

  هل بالتعالي عن هذه الشروط يتحقق الصفح اللامشروط؟

   إن القول بالصفح الأخلاقي والإنساني المنفصل عن المصالح والتوافقات المختلفة، يكاد يكون تصورا مثاليا، في عالم متغير، ويفقد شيئا فشيئا بوصلة التآخي والتعايش، مع تزايد الصراعات والاختلافات والحروب. قبل الحديث عن تحديد شروط عقلية وأخلاقية للصفح المطلق، من الأولى الدعوة إلى نشر ثقافة الصفح على نطاق واسع. وبما أن الصفح يكاد يكون مدخلا للتآخي المطلق، من غير الممكن استثناء المرجعية الدينية ضمن سيرورة تحقيق ونشر هذه القيمة الإنسانية.

   تشترك فلسفة الصفح مع الدين في الدعوة الصريحة إلى انتهاج طريق العقل والأخلاق بحثا عن تفعيل مقومات التآخي الإنساني الكوني. وحتى حينما نحتفظ بالمعنى المطلق والمثالي للصفح، المنفصل عن التوافقات والمصالح السياسية والاجتماعي، سيظل التآخي والتسامح والتعايش مفاهيم تسبح في الحقل المغناطيسي للصفح. إن دريدا يحتفظ بالتصور الأخلاقي والذاتي لتجربة الصفح بما هي تجربة إنسانية منفصلة أحيانا عن الواقع ومنبثقة من المستحيل. مع ذلك، قد يكون الممكن طريقا لتنوير العقول من أجل حسن تمثل فعل الصفح، قد ننطلق من الصفح الديني، الاجتماعي والثقافي للوصول إلى الصفح الإنساني. وكنتيجة، سننطلق من الذات الإنسانية لنعود إلى الذات، ومن الممكن إلى الممكن؛ عبر المستحيل.

الإخاء الكوني

   إن الحديث عما يقبل الصفح، ما لا يتقادم، ما لا يقبل التكفير.. وكل الفظائع التي تتجاوز نطاق الإنسانية، وربطه بشروط مثالية لتجربة ذاتية أخلاقية، هي بالضرورة نتاج تجربة اجتماعية وثقافية، متشبعة، بتصور معين للذات والآخر، سيحد في الحقيقة من فرص نجاح وفعالية هذه التجربة. هل يجب أن ننتظر الصفح من خلال انتظار اللا صفح؟ بمعنى هل نراهن على الصفح، من خلال الرهان على تجربة أخلاقية وعقلانية، تتنافى وتجربة الواقع اليومي؟ لماذا لا نتحدث عن ثقافة الصفح؛ بما هي بناء اجتماعي وثقافي، أكثر منها إنتاجا إنسانيا وفرديا أو فردانيا؟ يقاس الفعل الاجتماعي؛ باستعداد الأفراد لهذا الفعل. ويكفي أن يعترض بعض الأفراد على الصفح، وفقا لتجربتهم الذاتية، من منطلق أخلاقي وعقلاني، حتى يضعف تأثير تجربة الصفح المثالية. قد لا يكون هناك تعارض بين التجربة الذاتية والتجربة الاجتماعية، في سياق مجتمعي، يعرف هيمنة الاقتصاد والسياسة على الأخلاق نفسها.. وحده الرهان على الإخاء الكوني، يستطيع الدمج بين التجربتين، في منحى مطلق، يروم حفظ التجربة الوجودية للإنسانية؛ بما هي تجربة كونية ومطلقة.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية