تطور مفهوم التسامح عند جون لوك صاحب الفلسفة التجريبية

المتتبع للميراث الثري الذي خلفه مؤسس المذهب التجريبي في الفلسفة، الفيلسوف جون لوك، يسهل عليه أن يرصد تبايناً، يعكس، في بعض الرسائل والمباحث، دلائل تناقض،  جراء  موقفه المتردد في مسألة التسامح. ولكن لا يمكن قراءة فكر لوك؛ بشأن قيمة التسامح؛ من دون فهم واستيعاب تصوره الفلسفي الجوهري، الذي يقوم على أن التفسير التجريبي؛ لأصل أفكارنا الأخلاقية، يحول دون معرفتنا وإقرارنا؛ بمبادىء أخلاقية يقينية بالأساس.

   سألتني أيها الرجل النبيل عن رأيي في التسامح المتبادل بين المسيحيين، وإني أجيب بإيجاز أن هذا هو المعيار الأعلى للكنيسة الحقة. فللبعض أن يتباهوا بعراقة الأماكن والألقاب وجلالة العبادات. وللبعض الآخر أن يتبذخوا بصلاح نظامهم، وللجميع بوجه عام أن يُزهوا باستقامة إيمانهم؛ لان كل واحد هو في نظر نفسه مستقيم العقيدة.

   بهذه المقدمة استهل جون لوك رسالته الأخيرة في التسامح، تلك الرسالة التي صدرت مرتين قبل ذلك؛ دون أن تحمل اسم مؤلفها. إلى أن كشف ذلك بنفسه في حاشية وصيته، وكان ذلك قبل وفاته بشهر واحد. يتضح في تلك المقدمة ذروة النضج الفكرى لدى لوك، فيما يتعلق بمسألة التسامح، حيث نجده يتحول من النقيض إلى النقيض. فقد كتب في عامي (1661و1662) رسالتين عن التسامح، اكتشفتا ضمن مجموع مخطوطاته. وهو مجموع أحدث انقلاباً كبيراً في فهمنا؛ لموقف لوك. ودفع الباحثين إلى العناية بنشر بعضه، وساعد في تعديل رأينا في تطور فكر هذا الفيلسوف.

رسالة في التسامح

   يرى لوك في هاتين الرسالتين أن التسامح مجرد اسم آخر للعصيان والفوضى، ولكنه في عام 1667 كتب "بحثاً في التسامح" Essay on Toleration، وكان هذا البحث بداية الطريق إلى إقراره بهذه الفضيلة. وبعد ذلك باثنى عشر عاما سجل ملاحظات عن التسامح في مذكرة؛ بعنوان "التسامح" Toleratio  العام 1679. تضمنت هذه المذكرة حججاً؛ سيستعين بها فيما بعد، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة الدعوة الصريحة إلى التسامح في "رسالة في التسامح" Epistola de Tolerantia عام 1689. وفي السطور التالية محاولة لعرض مفهوم التسامح، كما يعرفه قانون الكنيسة الكاثوليكية، يليه استعراض الأوضاع الدينية في عصر لوك؛ تمهيدا لعرض ما جاء في الرسائل الثلاث؛ بشيء من الإيجاز. وذلك كي يتضح تبلور وتطور مفهوم التسامح عند هذا الفيلسوف.

أنواع التسامح

  للتسامح عند لوك أنواع، ديني، وسياسي، واجتماعي، وأخلاقي، وغير ذلك. وتعرف رسالة لوك التسامح الديني والكنيسة الكاثوليكية عموماً؛ بأنه "السماح السلبي بالشر"؛ فما يُتسامح فيه ليس خيراً ولا فضيلة؛ ولهذا فهو لا ينطوي على استحسان، كما أنه ليس شراً مطلقا، ولهذا لا ينطوي على استنكار مطلق. ولما كان السماح سلبياً، فإنه ينطوي مع ذلك على إقرار بالاستهجان، وإن كان في الباطن لا في الظاهر. ولهذا كان التسامح في الكنيسة الكاثوليكية أمراً تمليه الظروف، وليس عقيدة. فإن اقتضت الظروف- السياسية غالبا- أن يُتسامح مع المذاهب والأديان الأخرى، فذلك؛ لأن عدم التسامح؛ سيؤدي إلى شرور أكبر، فإن من المندوب- ولا يقال من الواجب- التسامح. أما البروتستانتية فقد بدأت تشق طريقها إلى إنجلترا إبان حياة مؤسسها مارتن لوثر. وساعد على انتشارها لأول مرة، الملك هنري الثامن في النصف الأول من القرن السادس عشر؛ إذ وقع في نزاع خطير مع البابا، (حول طلاقه من زوجته كاترينا دراغون)، فلم تحكم الكنيسة لصالحه، فأعلن استقلال انجلترا دينياً عن بابا روما، وأعلن أنه هو "الرئيس الأعلى للكنيسة" في إنجلترا. مرغماً الأساقفة على الإقرار بذلك عام 1531.

مؤامرة البارود

   احتجاجا على تصرفات هنري الثامن قامت حركة تدعى "حجج اللطف الإلهي" في عامي 1536و1537. كان هدفها الاحتجاج ضد الملك، وضد الأساقفة المنحازين، وتهديد الأديرة، ونبذ سلطة البابا. فقام هنري بقمع هذه الحركة بكل قسوة. وقرر عام 1540 الاستيلاء على الأديرة والرهبانيات  في إنجلترا. وعندما توفى هنري الثامن عام 1547، خلفه في العرش إدوارد السادس، وكان بروتستانتيا، فانتهز كرانمر Cranmer رئيس الأساقفة الفرصة، وأدخل مبادئ البروتستانتية في الكنيسة الإنجليزية. لكن تولت العرش بعده ماري تيودور 1553- 1558 أخت إدوارد السادس وكانت كاثوليكية، فأعادت للكاثوليكية مكانتها، وقامت باضطهاد فظيع للبروتستانت. ماتت ماري تيودور فخلفتها في 17 نوفمبر سنة 1558 أختها غير الشقيقة إليزابيت ابنة هنري الثامن، وعلى الرغم من أن إيمان إليزابيت غير واضح المذهب، فإنها عملت على تشجيع البروتستانتية. وبعد وفاتها سنة 1603، خلفها على العرش جيمس الأول. وعلى الرغم من أنه كان بروتستانيا مخلصا؛ إلا أنه بدأ حكمه باتخاذ سياسة التسامح مع الكاثوليك. لكنه سرعان ما تحلل من وعده هذا، نتيجة لما يعرف باسم "مؤامرة البارود" سنة ،1605 وأحيا قوانين العقوبات ضد الكاثوليك.

 

شروط وعقوبات

  عقب موت جيمس الأول خلفه تشارلز الأول 1625- 1649، زوج هنرييت دي فرانس، وكان من شروط الزواج السماح لعدد كبير من رجال الدين الكاثوليك بالعمل في إنجلترا. فقام وكلاء باباويون عديدون بالإقامة في لندن؛ بدعوى أنهم سفراء لدى بلاط الملكة، وذلك في الفترة من 1634 حتى 1641. ثم صار الملك تشارلز الأول على اتصال بالمراسلات مع بابا روما. لكن قامت الحرب الأهلية في انجلترا سنة 1642، وكان فيها زعماء كاثوليك في صف الملك ضد البرلمان والشعب، فانتهت هذه الحرب في يناير سنة 1649 بإعدام الملك تشارلز الأول، وإلغاء النظام الملكي في إنجلترا ، وتولى الحكم أولا مجلس الدولة، ثم ألوفير كروميل؛ بوصفه لوردا حاميا، فأعيدت قوانين العقوبات ضد الكاثوليك. ثم أعيدت الملكية في إنجلترا سنة 1660، وكان في الظاهر بروتستنتيا إنجليكانيا، لكن في الباطن كان كاثوليكيا. توفى تشارلز الثاني في سنة 1685، وخلفه أخوه جيمس، الذي كان قد اعتنق الكاثوليكية؛ فكان من الطبيعي أن يمكن الكاثوليك في حكم البلاد، فوكل إليهم مهمات في الجيش والبحرية. ثم وقعت أزمة خطيرة؛ عندما أصدر الملك سنة 1688 قرارا بالتسامح، يضمن كل الحقوق المدنية للمذاهب الدينية المخالفة؛ لكنيسة إنجلترا الرسمية، وعلى رأسها الكاثوليك والكويكرز. فرفض الأساقفة الأنجليكان إعلان هذا القرار، فعاقبهم. ونتيجة لذلك اندلع ما يعرف ب (ثورة 1688 المجيدة) فهرب الملك. وتولى العرش وليم أوف أورنج 1688- 1702. وكان وليم بروتستنتيا.

 

دعوة إلى التسامح

  يتبين من العرض، أن تطور الفكر الديني في انجلترا من عهد هنري الثامن إلى عهد جيمس الثاني، أي من سنة 1530 تقريبا حتى سنة 1688، أدى إلى: استقلال كنيسة إنجلترا عن بابا روما. وتزايد نفوذ الأفكار البروتستانتية، إلى درجة سيطرتها على توجيه الفكر الديني في إنجلترا. وأدت هذه السيطرة إلى اعتبار الكنيسة الأنجليكانية هي المؤسسة الأساسيىة بين التيارات والمذاهب الدينية. لكن قام في مواجهتها تيارات ومذاهب معادية، أهمها: الكاثوليكية، والبيوريتانية، والكويكرز. وقد أطلق على هذه المذاهب اسم عام وهو "المخالفون". وقاد لواء الحملة ضد التسامح مع "المخالفين" العديد من الأساقفة والدعاة، الذين دعوا إلى استئصال "المخالفين"، وإلى معاقبة كل من يأخذ بأرائهم. وكانت التهمة الرئيسية الموجهة إليهم، هي أنهم يعارضون سلطة الملك المطلقة، في أمور الدين والدولة، وهذه تهمة لا محل للتسامح فيها. طالما أن الملكية تقوم على قرار من الله (حسب الوعي السائد آنذاك). وطالما أن القائمين بأمر الكنيسة والدولة أقدر على الحكم. لكن إزاء التعصب الشديد مع المخالفين، ظهرت بعض الكتابات للدفاع عنهم والدعوة إلى التسامح معهم.

 

موقف متباين

      لقد اتخذ لوك موقفا متراوحا بين رفض تام وتسامح مطلق مع أولئك المخالفين. فهو في رسالتيه عن التسامح رأى أن كل الأفعال متساوية، ومهما كان نوعها؛ فإنها تقع تحت سلطة من وُكل إليه التصرف،  ووكلت إليه حياة كل فرد من أفراد الرعية، أي الحاكم المدني. وتبعا لهذا أنكر لوك مطالب الأفراد حول الضمير والحرية. معبراً "إن الضمير ليس شيئا غير رأي في الحقيقة". ومبادئ الدين تحتاج إلى الموافقة الباطنية. ومهمة الديانة المسيحية الكبرى تقوم في القلب، لا في السلوك الظاهر. ولهذا لا محل للإهابة بالضمير الفردي ضد أوامر الحكم. وما يطالب به البعض من حرية ضمير ما هو في الواقع، إلا مطالبة بحرية الفعل. وهذا يؤدي إلى مخالفة الحاكم وإشاعة الاضطراب. ولهذا طالب لوك باستعمال العقوبات ضد المخالفين؛ لأن القهر يرغم المخالف على الخضوع والإذعان.

 

العودة إلى التسامح

  لم يستمر لوك على هذا الموقف طويلا، فنجده في سنة 1667 يكتب "بحثا في التسامح". وفيه بدأ يميل إلى التسامح. ويقال إن السبب في تغيير فكره في هذا الاتجاه هو زيارته إلى ألمانيا. وإقامته بضعة أشهر في مدينة كلف Cleves، التي كان يسودها التسامح الديني وقتذاك، فأثر هذا التسامح في نفس لوك. فهو عندما رأى كل الطوائف الدينية، تمارس العبادات؛ بحرية، ويحتمل بعضها بعضا، اقتنع في رسالته "أن كل واحد منهم يسمح للآخر في هدوء أن يختار طريقه إلى السماء". في هذا البحث يحد لوك من سلطة الحاكم المدني، ولا يعطه الحق في التدخل؛ إلا فيما يؤمن السلام المدني وممتلكات الرعية. ولا يعطي للحاكم المدني أي سلطة على الرعية؛ فيما يتصل بالدين. ذلك لأن أمور الدين تخص الفرد والله فقط. أيضا يستبعد لوك في بحثه ما كان قد أكده من قبل في الرسالتين السابقتين، من خطر الفرق الدينية على السلام والأمن العام، وراح يصف المخالفين بأنهم أفراد، يتبعون قناعات ضمائرهم بإخلاص. ولا محل إذن؛ لاستخدام القوة القاهرة؛ كي يغيروا آراءهم، وإنما علينا أن نقنعهم بأن يصيروا أصدقاء للدولة؛ حتى وإنْ لم يكونوا أبناء للكنيسة السائدة. وفي القسم الثاني من "البحث في التسامح" يبرز عداءه لأنصار البابا (الكاثوليك)، فيقول إنهم لا يستحقون التمتع بنعمة التسامح؛ لأنهم إينما كانت لهم السلطة، فإنهم يميلون إلى إنكار التسامح مع الآخرين.

 

ملاحظات في التسامح

   بعد ذلك باثني عشر عاما، يسجل لوك ملاحظات ضمن مذكرة بعنوان "التسامح"، يؤكد فيها أنه ليس لأي إنسان السلطة، في أن يفرض على إنسان آخر، ما يجب عليه أن يؤمن به، أو أن يفعله لأجل نجاة روحه هو؛ لأن المسألة شأن خاص، ولم يمنح الله مثل هده السلطة لأي إنسان. والناس في كل الدول معرضون للخطأ؛ سواء أكانوا حكاما أم كانوا محكومين، فليس من المعقول أن يوضع الإنسان تحت التوجيه المطلق؛ لأولئك الذين يمكن أن يقعوا في الخطأ. كذلك يرى لوك أنه لا فائدة في استعمال القوة؛ لجعل الناس على الجادة المستقيمة نحو النجاة، وبناء على ذلك لا بُدَّ من الفصل الحاد بين الكنيسة والدولة؛ إقرارا بأن السلطة الدينية ليست لديها معرفة خاصة؛ بحقيقة الدين، ولهذا ليس لها أي حق في إكراه أحد على اعتناق عقيدة؛ بعينها.

ثنائية التسامح والفضائل

  المرحلة الأخيرة في تطور فكر لوك فيما يتعلق بالتسامح، تمثلها "رسالة في التسامح"، التي يؤكد فيها أن عدم التسامح يتنافى مع الفضائل المسيحية. وأن الدولة توجد للمحافظة على الخيرات المدنية، التي تتمثل في "الحياة، الحرية، الصحة، الملكية". ولا شأن للحاكم المدني بالعناية بالأرواح؛ لأن الأرواح لم يكلها الله إليه. ولأن القوة لا يمكن أن تقنع عقول الناس. وأن البلاد المختلفة، تعتنق أديانا مختلفة. وأوضح لوك أن الكنيسة جماعة حرة إرادية، لها الحق في أن تضع قوانين، تنظيم شؤونها الداخلية الخاصة. لكن ليس ثمة ضرورة لحكم الأساقفة؛ لأن المسيح لم يأمر بذلك. ولأن ذلك كان دائما موضوع نزاع. وأكد لوك في رسالته أنه على الرغم من أن التسامح واجب؛ فالكنيسة ليست ملزمة بالتسامح مع عضو يصر على هتك قوانينها، بل لها الحق في طرده؛ لكن هذا لا يتضمن حرمانه من أي حق من الحقوق المدنية. أما الحاكم المدني، فليس له الحق في منع أية شعائر ومراسم مقررة، بما في ذلك الشعائر الوثنية.

عقائد فوق القانون

  فيما يخص العقائد؛ يقول لوك إن هناك عقائد نظرية لا يمكن فرضها أو منعها بالقانون؛ لأن القانون لا يستطيع أن يكره الإنسان على الإيمان، وهذه العقائد لا تؤثر في الحقوق المدنية. وهناك عقائد عملية، يمكنها أن تحدث نزاعا؛ لأن السلوك الطيب أمر يهم الدولة، كما يهم الضمير. والحل هو جعل كل من الكنيسة والدولة، محصورةً في نظام حدودها الخاصة فقط. ولا ينبغي للحاكم أن يتسامح في العقائد، التي تتنافى مع الأخلاق الطيبة الضرورية؛ للمحافظة على المجتمع. ولا مع الكنائس التي تطالب بمطالب محرمة؛ كاستخدام العنف ونقض العهود مع الهراطقة. ولا التسامح مع كنيسة أعضاؤها يدينون بالولاء لأمير أجنبي.

إقرار بالحرية

   هكذا أقر لوك بالحرية الفردية في الشؤون الدينية؛ لأن رعاية نجاة روح كل إنسان، هي أمر موكول إليه وحده، ولا يمكن أن يُعهد بها إلى أي سلطة مدنية أو دينية. لكن البعض يرى أن التسامح الذي يدعو إليه لوك، إنما هو تسامح قاصر؛ لأنه يستثني من التسامح طائفتين: هم الكاثوليك والملحدين، رغم أنه يبرر موقفه؛ بالنسبة إلى الكاثوليك؛ بأنهم كانوا متآمرين؛ لأن لديهم ولاء لأمير آخر، يقصد به، لويس الرابع عشر ملك فرنسا. أما موقفه من الملحدين فيبرره؛ بأن من لا يؤمن بالله، لا عهد له، ولا يوثق به. وربط البعض تسامح لوك؛ بالظروف التي كانت سائدة في إنجلترا آنذاك. معتبرين أن "رسالة في التسامح"، كانت وليدة ظروف سياسية ودينية في عهده. ولكننا إذا تناولنا هذا الرأي في ضوء ما نعرفه عن جون لوك؛ كمؤسس للمذهب التجريبي في فلسفة العصر الحديث، ذلك المذهب الذي جاء في مقابل عقلانية ديكارت؛ لن نندهش من موقفه المتردد في مسألة التسامح؛ إذ لطالما رفض لوك فكرة المبادىء النظرية الفطرية، أو المبادىء العملية أو الأخلاقية الفطرية.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية