القراءة غير المتسامحة للأدب .. محاكمة تُغيِّب الموضوعية

الفنون على تنوعها، هي وسيلة للتعبير عن الجوهر الإنساني، وعبرها تتبلور رسالة سامية، تتجاوز حسية المادة، إلى إعلاء قيم الحب والخير والجمال، عبر استنطاق الذات في التعبير المنفتح الذي يترجم دقائق الأحاسيس المتناقضة في دواخلنا. فتغدو انتصاراً للإنسانية الحرة، أمام الخطاب الدغمائي الجاهل، الذي تسقط متاريسه صريعة أمام أسئلة الفن الثرية.

   بالفن تعلو نداءات الاقتراب من أنوار التسامح الإنساني، الذي يدحض يقين أحاديي النظر في امتلاك المطلق واحتكار الصواب. وهكذا ترسخ رسالة الفنون كل القيم الجمالية اللصيقة بالأنسنة. ذلك لأن الفن يصبو إلى أقصى أفق في ممارسة الحرية، وتلك الحرية بمستطاعها أن تجابه وتنتصر على الخطابات المنغلقة، لذا سعى أصحاب تلك الخطابات؛ لوأد خطاب الفن المنفتح المتسامح، مخافة انتصاره على كل القيم الرجعية الخالطة بين الدين؛ كدافع روحي نحو السمو، وبين تفسيراتهم القاصرة.

رحيق الورد

إن الفنون تنفتح وتتشعب؛ لتنهل من بعضها، كما تنهل النحلات من رحيق الورود، لكننا هنا سنقتصر على الفنون المكتوبة، وعلى الرواية بشكل خاص.

  القراءة فعل إنساني حر، ولكنه ينحرف عن ضوابطه؛ حين ينطوي على أفكار طفولية قاصرة، يحاكم بها القارئ المقروء، وكأن القارئ في اللاوعي يعامل الأدب كخطيئة، أو على الأدق يفتش في متن المكتوب، باحثًا عن إدانته، مشرعًا في وجه الفن خطاب التحريم والمنع، صابغًا خطابه بصبغة الدين، مع العلم أن خطاب التحريم ليس هو خطاب الدين الحقيقي. بل هو جزء من خطاب التحريم العام، المفتوح والمتسع والذي يتمحك في الدين، بغية الاحتماء بالمقدس، نظرًا لإفلاسه العقلي الذي يخاف من هزيمة سهلة مع أي مجادلة عقلية إنسانية.

جوهر الكتابة

  ممارسة الكتابة والقراءة، ترتكز في جوهرها على شقين، الحرية والتسامح، فانتفاء التسامح والحرية في كتابة أي عمل، يخرجه من دائرة الفن إلى الوعظ والتلقين، بمعنى أكثر وضوحًا، فإن عدم التسامح يجعل الفن محكوماً بقيم الصواب والخطأ، فتمسي رسائل الفن مباشرة وتافهة، تدين وتؤيد، وهو ما ينسف جمالياتها ويخرجها قاصرة مطرودة من دائرة الفن.

إن قيم التسامح والحرية ليست وثيقة الصلة بالكاتب فقط، بل هي واجبة الوجود عند القارئ أيضًا، حيث أن سعي الكاتب ورسالته، يكمنان في محاولة توسيع أفق ذلك القارئ، وتعميق إيمانه بكلتا القيمتين الجليلتين.

حكمة الأدب

   إن القراءة غير المتسامحة مع الأدب، هي تلك التي لا تعي الفرق الجوهري بين النقد والمحاكمة، فينتفي حينها عن القراءة غرضها وتنتفي نتائجها في تحريك العقل الراكد المتكلس، وأعتقد أن أولى المهمات التي يجب أن يقوم بها التعليم، هو إزكاء فعل الإرادة الحرة في القراءة، والإعلاء من الوعي بطبيعة الفن وأفق حريته الواسعة، ولتوضيح هذه العلة، لابد من تلك الحكاية الكاشفة عن محاولة إدانة الأدب والرواية بشكل خاص، والتي من خلال التمعن فيها سنكتشف حكمة الفن وعظمته.

   إنْ كانت للفنون تجلياتها المنيرة، فللرواية تجليها الأكثر انتشاراً وتأثيراً، بوصفها سيدة الأجناس الناهلة من رحيق كل الفنون. يمكن توصيف الرواية في تعريفها الأولي؛ بأنها الحكاية الناهلة من معين الواقع المضفر بالخيال، المغزول بخيوط سردية، تسير به على درب خلق حياة جديدة في زمن ما، معتمدة على شخوص؛ بغرض الإضاءة على رسالة في إطار جمالي جذاب. لكني أحسب أن الرواية في تجليها الأعمق، هي تلك المنفتحة على الوجود، الغائرة في أعماق النفس البشرية، الحاملة لكل التناقضات داخل جوانياتها القلقة المتغيرة.

الأدب والتسامح

تكتب الرواية كي تبعد الإنسان عن التشيؤ، ليعود كما كان يحسبه ديكارت سيدًا للطبيعة. هاربًا من سجون التقنيين والسياسيين على السواء. يُسترد بالرواية ما استلب من إنسانيتنا، ويضاء بها الطريق للأنا، فيتكشف من نحن، وتتجلى قدرات ذواتنا على تحقيق الأحلام والخوض في المستحيل.

 إننا نقرأ لنمد أعمارنا بحيوات متخيلة نثقل بها دروب حيواتنا الحقيقية. فتجلي الأدب الحقيقي أنه يختصم من قبح العالم وقسوته، ليسمو طليقًا بمخيلته الحرة الداعمة لقيم الإنسانية وأولها التسامح.

نقرأ ما نحب لنستمتع، أما وإن قرأنا بآليات غير حرة، فسوف نحاكم المقروء؛ بغرض إدانته، وفق حكم مسبق خالٍ من أية موضوعية.

عبق الورق الماتع

 اعتدت منذ سنوات شراء طبعات قديمة؛ لكتب أدبية، بدأ الأمر بتعويض النقص في مكتبتي من الكتب التى يستعيرها الأصدقاء دون إرجاعها، واتسع الأمر؛ ليصبح إدماناً في شراء تلك الكتب، تماماً كمدمني الأنتيكات القديمة، وأكون في أوج سعادتي حال الحصول على رواية في طبعتها الأولى؛ لاستنشق عبق ورقها الماتع، ومع الأيام صرت الزبون الأهم؛ لعدد من بائعي الكتب والصحف. ذات عصر وأثناء مروري عرض عليَّ البائع عدة روايات؛ لنجيب محفوظ، ولم أكن أتخيل أن بداخل تلك الكتب جوابًا؛ لسؤال كبير يشغلني ويشغل الكثيرين: كيف يحاكم النص الأدبي؛ بانغلاق في التلقي وانعدام في التسامح؟!

 فور عودتي للبيت، ومجرد أن فتحت بعشوائية صفحة من رواية "أفراح القبة"، طبعة مكتبة مصر، فوجدت ما جعلني أتتبع صفحات الرواية صفحة صفحة؛ لأثني طرف الورقة التي تحمل تعليقًا من قارئ مجهول، يضع خطًا تحت جمل بعينها ويكتب تعليقاً يدعو للكثير من التأمل.

رواية أفراح القبة تدور حول عمل مسرحي، يكتبه مؤلف، يكشف فيه تفاصيل الحياة الحقيقية للممثلين، ويحاول الممثلون إيقاف العرض لكنه يستمر؛ لتبدأ مكاشفات الأبطال، في محاولة للتطهر من آثامهم الحقيقية السابقة.

 

الأبيض والأسود

سنرجيء التوجه إلى متن النص بتأويلاته وجمالياته وفلسفة بنائه، لنمعن في بعض ما خطه القارئ وتعليقاته الملفتة الكاشفة، محاولين الحوار مع ذلك الخطاب وتلك العقلية.

  في صفحة 10 يضع القارئ خطًا على جملة، "حي التقوى والخلاعة"، ثم يضع علامة استفهام كبيرة في نهاية الجملة.

   أتصور ذلك القارئ قد مر على التعبير غاضبًا، لأنه لا يعرف في الدنيا غير الأبيض والأسود، يرى كل شيء بحدة، غير مدرك أن بعض الأمور ملتبسة متشابكة، وكثيراً ما تكون خادعة، فلا الأبيض الذي يراه أبيض بحق، ولا الأسود الذي يكرهه أسود كما يظن، فالأبيض لون من غير صبغة؛ لأنه مجموع كافة الألوان في الطيف المرئي، والأسود كما الأبيض صبغة محايدة وليست لونية!

  كيف يستغرب القارئ اجتماع الضدين، رغم أن سر الدنيا في ذلك المزج المتناقض، فدواخلنا البشرية مخلوقة؛ لتحمل الصفة وضدها، الخير والشر، القبح والجمال، الفضيلة والخطيئة.. لكن بنية العقل غير المتسامح تفرض خطابًا أحاديًا منغلقًا؛ بأن ثمة عالمين، عالم قديم كان يحمل الفضيلة الكاملة، وعالم جديد ومتجدد ليس فيه غير الخطايا، ولا صلاح للعالم الجديد، إلا بجره صوب الزمن القديم؛ لنعيش الآن بآلياته الماضوية وتحت مظلة قوانينه ونواميسه؛ لتتجلى مقولة بطل نجيب محفوظ في تلك الرواية؛ عندما سأل: ماهي الحياة في نظرك؟ هي معركة الروح ضد المادة!

 

فضيلة التدبر

  في صفحة 36 يضع القارئ خطًا على جملة، "أحيانًا يخيل إلىَّ أن الله موجود!"، ويكتب مستفهماً: لماذا هذه العبارة يا نجيب؟

لقد خلط القارئ بجهل بين الكاتب والشخصية، فقائل العبارة ليس هو الكاتب لكنها الشخصية التي يتصورها تتهكم على حتمية وجود الله، رغم أن الكتب المقدسة ناقشت قضايا على ألسنة منكرين وهي قاعدة تعي المسافة بين الكاتب والشخصية الناطقة. ربما يوقن ذلك الرجل أن الأدب ينطلق من عالم الشك للشك فقط، رغم أن الايمان المبني على فضيلة الشك، هو الإيمان الأكثر التصاقًا؛ بفضيلة التدبر والرسوخ؛ لأن الشك هو سعي الإنسان بالمعرفة إلى دليل، وسعي الحيرة إلى يقين غير مسطح أو قشري.

توسل الأدب

في صفحة 111ترد عبارة "لا قدر إلا النفاق". ويتساءل القارئ: أوليس الحرام أيضًا يا نافث السم في العسل؟

    هنا بدا أن السخط يضرب قلب القارئ، أراه يتخيل وجه الأستاذ نجيب محفوظ، بأبشع صورة، يراه منحلاً عن قيم الحلال، فخارطة مدارك القارئ لا تستوعب توسل الأدب لفهم العالم وفهم ذواتنا، كما يصرح أحد أبطال الرواية، "أصبح الفن هو الأمل الباقي للرغبة الملتهبة وللحياة الواقعية معًا".

 

أسوار العزلة

   لقد انطلق القارئ في فهمه هذا من تفسيرات بشرية، أضفى عليها هالات من قداسة ليست فيها، صانعاً سجنًا متوعدًا كل من يحاول استشراف ما خلف أسوار سجنه، رغم أن شغفنا بالسؤال هو حتمية إنسانية خلقنا لها، فلا حياة حقيقة داخل أسوار العزلة! فكيف يكتمل امتحاننا الحياتي دون أن نكون أحرارًا طلقاء، نعيش الأيام، نخوض التجارب، نرشف الذنوب ونغتسل بالفضائل؟!

دهشة وأسئلة

في صفحة 117، ترد عبارة، "عاشرت أباك زمنًا قصيرًا ثم ترهبنت"، فيعلق القارئ ..لا رهبانية في الإسلام!

 لقد أسقط القارئ من حسبانه أنه يقرأ نصًا أدبيًا، نصًا يجب أن تبوح فيه كل شخصية؛ بمكنوناتها الداخلية؛ بحزنها وفرحها؛ بجنونها وجنوحها، ولذلك سيظل العداء كبيراً للأدب، إن ظلت تلك النظرة السطحية في فهمه؛ بمحاسبته على الجمل واقتطاعها بنية مبيتة للمحاكمة. إن الأدب هو مصباح يضيء؛ ليكشف أسرار عوالم، فيها بعض مما تحمله الحياة من دهشة وأسئلة. وكما ينصح بطل الرواية، وكأنه يخرج صوته إلى ذلك القارئ المجهول، "على المؤلف أن يعرف كل شيء، والشر خاصة". 

 

مرآة الحياة

في صفحة 163 ترد مقولة، "الفشل في الفن موت للحياة نفسها". ويكتب القارئ اعتراضه بخط كبير: كيف؟

 عند هؤلاء، تنعدم أهمية الفن بكل أشكاله، فلا هم يقبلون أن يسموا الأدب بروحهم، ولا هم يقبلون أن يثير فيهم فريضة التدبر؛ لفهم ذواتهم قبل فهم العالم ورحابة اختلافاته. الفن في نظر هؤلاء هو درب من دروب المعصية، والإنسان في نظرهم كائن مادي خالٍ من العواطف. هنا تحضرني نصيحة قالها "ألبرتو مانويل"؛ لقارئ ذات يوم، مطالباً إياه "أن يستقبل في قراءته بعض المعاني بقلبه".     

  الملفت أن بنية ذلك النص الروائي"أفراح القبة"، يعري ذوات الشخصيات وتناقضاتها، وعندما تعرض ذلك القارئ للنص، فضحه النص في كل تعليقاته؛ بواسطة أبطاله، فكشف بنية عقل القارئ الهشة، وترصده المنبيء على امتلاكه للحقيقة، وكأنه إله يملك يقين الصواب؟!

التعاطف سمة بشرية

  ما أحوجنا إلى القيم القرائية التي تعزز بناء الشخصية المتسامحة، كما يشير "آدم سميث" في نظريته " المشاعر الأخلاقية، "أن التعاطف مع الآخرين سمة بشرية وضرورة أخلاقية". لقد امتنع ذلك القارئ لرواية نجيب محفوظ؛ عن أن يعيش تجربة أشخاص الرواية، ويرتاد حيواتهم التي يستحيل أن يرتادها في الواقع، لكنه شرع في القراءة متربصًا يصادر حتى متعته القرائية، وينشغل بمحاكمة الشخصيات أخلاقيًا، غير واعٍ للفن ولا لآليات تلقيه، فيقول "بليز سندرار"عندما أكتب؛ لا أغمس ريشتي في الحبر بل في صميم الحياة"، نعم فالكتابة مرآة كاشفة للحياة وتناقضاتها.

  سيتعامل ذلك القارئ بنفس الآلية الضيقة عند وقوفه أمام أي مفردة فنية أخرى، لوحة تشكيلية كانت أم قصيدة أم فيلماً، سيقف متباهيًا بزعم امتلاكه للصواب وللأخلاق؛ ليحكم الفن بعيون صبيانية، فيعطينا دلالة يقين على وجود فوائض شهوة وقمع بداخله.

 

الأدب والحكمة

  إن قراءة الأدب ما هي إلا وسيلة لاكتساب الحكمة، والانفتاح على وجهات نظر مغايرة، بعيدة عما ترزح به ثقافتنا؛ كي تتوسع مداركنا، وأحسبه هو الدرب الأهم في التنوير، يفتح بوابات الخيال؛ لنطل خارج أزماننا وأماكننا نحو انفتاح أشمل، واضعاً أمامنا حكمة أننا لسنا وحدنا ملاك القيم، وأن وجهة نظرنا هي احتمال من الاحتمالات.

   ولنا فيما قاله نجيب محفوظ ناصحاً به أديباً شاباً، أن يعطي أولويته القرائية؛ لتلك الكتب التي نختلف معها في مضمونها وتوجهاتها، وألا نقرأ كتابًا ونحن متربصون بكاتبه، مهما كانت سيرته لا تروقنا، وكذلك عدم النأي عن عنوان كتاب صادم. لقد كان فولتير متنبئًا عندما سأل عمَّن سيقود الجنس البشري فأجاب: من يعرفون كيف يقرؤون.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية