التسامح في فكر جون لوك رسالة ومسؤولية

على الرغم من تأكيد وتشديد جميع الأديان، على أهمية التسامح؛ باعتباره رسالة الخلاص الضامنة لسعادة البشرية، إلا أن سيادة التسامح في الواقع تتطلب ضوابط وضمانات؛ غير متسامحة، مع من يزعزعون السلم الاجتماعي، ويهددون أمن وسلامة وحقوق الآخرين. لذلك يتعين على السلطة المدنية حماية التسامح من اللا متسامحين، أو الخارجين على القيم المجتمعية.

    يتباهى البعض بقدم الأماكن والألقاب، أو بعظمة الطقوس، والبعض يزهو بصلاح إيمانه، بينما يفاخر الجميع بما يعتقدون أنه الإيمان الحق، الذي لا يشاركهم فيه أحد. هذه كلها وغيرها مما على شاكلتها، إنما هي علامات دالة على شهوة البشر، في تسلط كل منهم على الآخر، أكثر مما هي علامات على حب كنيسة الله، كما يقول جون لوك.

 محبة الآخرين

    يرى جون لوك أن تجرد المسيحي من المحبة والتواضع وإرادة الخير للبشرية، لا تجعله مسيحياً حقاً. هذه الإشارة؛ وإن كانت موجهة للشخص المسيحي، فإنها إشارة عامة، تخاطب للبشر كافة، مسلمين ويهود ولا دينيين؛ لأن الخطاب يعتبر أن الدين الحق، لم يتأسس من أجل ممارسة الطقوس، ولا من أجل الحصول على سلطة كنسية، ولا من أجل ممارسة القهر، وإنما من أجل تنظيم حياة البشر، استنادا إلى قواعد الفضيلة والتقوى. ما يتعين على كل إنسان يحمل شعار المسيح، أولا وقبل كل شيء، أن يشن حرباً على شهواته ورذائله؛ لأنه "من العبث أن تكون مسيحياً؛ دون أن تكون حياتك مقدسة، وأن يكون سلوكك طاهراً، وأن تكون رقيقاً ومتواضعاً".

 

الخلاص والتسامح

  للخلاص أهمية مركزية في فكر جون لوك، فعبره يتم القضاء على اللا تسامح أو تحقيق التسامح؛ لأنه من الصعب على إنسان لا يكترث بخلاصه الروحي أن يقنع الآخر باهتمامه البالغ بخلاصه، فالأمر  محال على أولئك الذين تخلو قلوبهم من الديانة المسيحية، (حسب لوك)، أن يكرسوا أنفسهم بإخلاص وحمية؛ لتحويل الآخرين إلى المسيحية. وإذا كانت البشارة والرسول موثوقاً فيهما، فإنه لا يمكن لإنسان أن يكون مسيحياً؛ دون محبة، ودون الإيمان الذي لا يؤثر؛ بالقوة؛ بل بالمحبة، فالخلاص الحقيقي، هو المحبة، والمحبة هي أن يطهر الإنسان نفسه من كل الرذائل، حسب لوك.

 

التسامح ومقتضيات العقل

   يعتقد لوك أن أي إنسان يتصور أنه مهيأ؛ لإنزال العذاب بإنسان آخر؛ بدعوى أنه ينشد خلاصه، فإن مثل هذا الإنسان يبدو غريباً عن أي شخص آخر. فمن المؤكد أنه لا يوجد إنسان، يعتقد أن مثل هذا الفعل، يصدر عن المحبة أو إرادة الخير. وإذا زعم أي إنسان، أنه ينبغي استخدام السيف والنار؛ لإجبار الناس على اعتناق عقائد معينة، والانتماء إلى عبادات وطقوس معينة؛ بغض النظر عن "الجانب الأخلاقي".. وإذا حاول أي إنسان أن يحول الآخرين إلى عقيدته، أو أن يجبرهم على الاعتراف بما لا يؤمنون به؛ بدعوى أن عقيدتهم كاذبة، وأن طقوسهم لا يسمح بها العهد الجديد؛ إذا حدث ذلك، من المؤكد أن مثل هذا الإنسان، ينشد تجمعاً ضخماً يشاركه نفس العقيدة، ولكن أن يكون مقصده تأسيس كنيسة مسيحية حقيقية، فهذا لا يصدقه عقل.

  لذلك، نجد جون لوك يؤكد صراحة على التسامح بين أولئك الذين ينتمون إلى عقائد مختلفة في أمور الدين، يتسق تماما مع العهد الجديد، الذي أتى به المسيح، كما يتماشى مع مقتضيات العقل الإنساني الحق. ويرى أنه لأمر غريب، أن يكون المرء أعمى، إلى الدرجة التي لا يرى فيها ضرورة التسامح ومزاياه؛ في ظل ضوء ساطع كهذا؛ لأن رسالة المسيح لم تأت؛ لإرغام الناس على اتباعها بالقوة. ما يقتضي على المؤمن التسامح الديني؛ كواجب مع الآخر المختلف دينياً.

 

عنف اللا تسامح

  وعليه، يتساءل لوك: ما العمل في حال استفحال ظاهرة العنف الديني وعدم التسامح مع الغير؟

  جواباً على ذلك، يرى  أن من واجب الحاكم المدني تطبيق القوانين، من دون استثناء؛ لتوفير الضمانات التي تسمح لكل الناس على وجه العموم، ولكل فرد على وجه الخصوص، بالامتلاك العادل للأشياء الدنيوية. "أما إذا حاول أحد أن يغامر وينتهك قوانين العدل والمساواة التي تأسست من أجل الحفاظ على هذه الأشياء، فإن مثل هذا المغامر يجب أن يمنعه الخوف من العقاب، الذي هو عبارة عن الحرمان من الخيرات المدنية، أو من الخيرات التي من حقه أن يتمتع بها. وحيث إنه لا يوجد إنسان يقبل بإرادته أن يوقع على نفسه العقاب؛ بالحرمان من ممتلكاته أو من حريته أو من حياته، لذلك ينبغي أن يكون الحاكم مسلحاً؛ بسلطة رعاياه وقوتهم، من أجل معاقبة من ينتهكون حقوق الغير".

  وهذا يعني أن لوك يؤكد على حضور ودور الدولة المدنية في رعاية وحماية التسامح من اللا متسامحين، كما يؤكد على دور الحاكم المدني، في تطبيق القانون المدني؛ لأنه في حال عدم تدخله، فالنتيجة انتشار الفوضى المؤدية إلى العنف المادي، من خلال اعتداء الناس على بعضهم البعض.

   ويقدم لوك ثلاث مبررات منطقية أو عقلانية؛ لتدخل الحاكم في هذا الخصوص:

- الأول: لأن خلاص النفوس ليس من شأن الحاكم المدني أو أي إنسان آخر، ذلك لأن الحاكم ليس مفوضاً من الله لخلاص نفوس البشر.

- الثاني: أن رعاية النفوس ليست من شؤون الحاكم المدني، لأنه يحكم بمقتضى سلطة برانية، بينما الدين الحق، الذي ينشد خلاص النفوس، ينشد اقتناع العقل اقتناعا جوانيا. أي أن الحاكم يحكم بما هو خارجي، بينما الدين يستند إلى ما هو داخلي.

- الثالث: أن العناية بخلاص نفوس البشر، ليست من مهام الحاكم؛ بأي حال من الأحوال؛ لأنه حتى إذا أقررنا أنه من الممكن، إقناع البشر وتغيير آرائهم بسلطة القانون وقوة العقوبات، فإنذلك لا يسهم في خلاص نفوسهم.

  هذه الأسباب وحدها في نظر جون لوك كافية؛ للتدليل على أن سلطة الحكم المدني تتعلق فقط بالخيرات المدنية للبشر، وتقوم على حماية الأشياء بهذا العالم، ولا تمت بصلة إلى العالم الآخر.

 

الحرية الدينية والتسامح

   يرى جون لوك أن الكنيسة عبارة عن جماعة حرة من البشر، يتجمعون بمحض إراداتهم، بهدف العبادة؛ بأسلوب يتصورون أنه مقبول من الله، وكفيل بخلاص نفوسهم. وبالتالي فإن انضمام أفراد ما إلى مجتمع كنيسة ما، هو فعل حر تلقائي خالص. وعليه يقرر أن لجوء الكنيسة إلى اضطهاد الآخرين، وإجبارهم على اعتناق إيمانها وعقيدتها بالسيف والنار، مخالف للإنجيل، وبالضرورة أن يكون مخالفاً؛ لقانون الدولة.

   لذلك نجده يلح بشدة، على أن غاية أي مجتمع ديني، هي عبادة الله، وبالتالي نوال الحياة الأبدية. وينبغي أن يتجه أي نظام إلى تحقيق هذه الغاية، وأن تكون جميع القوانين الكنسية محكومة بهذه الغاية. كما لا ينبغي أن ينشغل هذا المجتمع، بل ليس في إمكانه أن ينشغل، بامتلاك الخيرات المدنية والدنيوية. ولا يمكن استخدام القوة في أية مناسبة مهما كانت؛ لأن القوة تخص الحاكم المدني. وهذا ما لا يمكن رفضه، فسلطة الحاكم المدني ضرورية، في ضبط النظام العام؛ كي لا يُستغل الدين؛ لتحقيق أهداف خاصة، قد تتعارض مع صالح المجتمع.

 

بدائل القوة القهرية

  السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: ما هي الوسائل التي بها تتأسس القوانين الكنسية؛ إذا كان من اللازم خلوها من أي قوة قهرية؟ جواباً على ذلك يرى جون لوك ضرورة تأسيس وسائل ملائمة؛ لطبيعة هذه القوانين، حيث تكون الممارسة البرانية؛ للعقيدة، عديمة الفائدة والمنفعة؛ إذا لم تصدر عن اقتناع واستحسان من العقل. والأسلحة الوحيدة التي يفترض أن يمتلكها أعضاء هذا المجتمع، هي الدعوة والإنذار والنصيحة. وإذا لم تكن هذه الوسائل كافية؛ لإصلاح الآثمين وإقناع الخطاة، فلا يسعنا إزاء هؤلاء المعاندين، الذين ليس لديهم أي أساس، نقيم عليه أملا في إصلاحهم، إلا استبعادهم وعزلهم عن المجتمع، وهذه هي أقصى وأعظم  قوة، تخص السلطة الكنسية.

 

واجب التسامح

 في هذا السياق يتساءل لوك، إلى أي مدى يمتد واجب التسامح، الذي يتطلبه هذا الواجب من كل إنسان؟ جواباً على ذلك يقول:

أولا: أعتقد أن أي كنيسة ليست مكلفة، بحكم واجب التسامح، بالاحتفاظ بأي إنسان في حضنها، يصر – رغم التنبيهات- على الخروج على قوانين المجتمع، لأن هذه القوانين، هي أساس الرباط الاجتماعي. فإذا سُمح بانتهاكها من غير عقاب، فإن المجتمع سرعان ما يتفكك. ومع ذلك فإنه في مثل هذه الحالة، يجب ألا يضاف إلى الطرد من الكنيسة، أي مكروه؛ سواء بكلمة أو فعل، يترتب عليه إحداث ضرر في بدنه أو ممتلكاته؛ لأن استخدام القوة من اختصاص الحاكم وحده.

ثانيا: لا  يجب أن يحقد أي شخص على آخر، في شأن متعه المدنية؛ بسبب انتمائه إلى كنيسة أخرى أو إيمانه بدين مغاير. وتأسيسا على ذلك فلا الأفراد ولا الكنائس ولا الدولة لديها أي مبرر للاعتداء على الحقوق المدنية والخيرات الدنيوية بدعوى الدين. أما الذين لا يرون هذا الرأي، فإن عليهم أن يتأملوا أنفسهم وهي تزرع، في البشرية، بذور النزاع والحرب، وتثير الكراهية والنهب والسلب؛ من دون حدود. فلا السلام ولا الأمان، ولا الصداقة بين الناس ممكنة ومصانة، طالما ساد الرأي القائل، إن الهيمنة مؤسسة على اللطف الإلهي، وإن الدين لا ينتشر إلا بقوة السلاح. "وما أقوله إن التسامح المتبادل بين الأفراد المتباينين دينياً، أقوله أيضا عن الكنائس التي تكون علاقتها فيما بينها، مثل العلاقة القائمة بين الأشخاص.

ثالثا: دعنا نفحص ما يتطلبه الالتزام بالتسامح، من أولئك الذين يتميزون عن سائر البشر بخصائص كنسية ودينية، سواء كانوا أساقفة أو كهنة الكنيسة أو أياً كان اللقب. وليس المطلب هنا أن أتساءل عن أصل سلطة الكهنوت أو كرامته. فكل ما أريد قوله هو، أيا كان مصدر السلطة، فإن السلطة ما دامت ذات طابع كنسي، يجب أن تكون مقيدة بحدود الكنيسة؛ إذ ليس في إمكانها، بأي حال من الأحوال، أن تمتد إلى الشؤون الدنيوية؛ لأن الكنيسة ذاتها منفصلة عن الدولة ومتميزة عنها تماما. فالحدود بينهما ثابتة مستقرة. ومن يخلط بين هذين المجتمعين كمن يخلط بين السماء والأرض.

 

شمولية التسامح

  يذهب لوك بالتسامح إلى أبعد مدى، ولكن على طريقته، حيث يرى أن من يعتقد باجثاث الوثنية من أي مكان بالقوانين والعقاب والنار والسيف، عليه أن يطبق هذه القصة على نفسه، لأن الحالة واحدة سواء في أمريكا أو في أوروبا. فلا يمكن حرمان الوثنيين هناك أو المسيحيين المنشقين هنا، من متع الحياة الدنيا، استنادا إلى محكمة كنسية، كما لا يمكن تغيير الحقوق المدنية أو انتهاكها اعتمادا على أسباب دينية في مكان دون آخر.

  ويختم لوك رسالته بدور الحاكم المدني،ال فعال في إرساء دعائم التسامح،  التي تمر كذلك؛بعدم التسامح في مجموعة من الأمور، هي:

-إن الحاكم ينبغي عليه ألا يتسامح مع الآراء المضادة للمجتمع الإنساني، أو مع القواعدالأخلاقية الضرورية المحافظة على المجتمع المدني.

- لا يجب التسامح مع أولئك الذين، لا يعلمون لزوم التسامح مع كل البشر في المجال الديني.

- لا يجب التسامح مع الكنيسة التي يفرض دستورها على المنتمين إليها؛ وضع أنفسهم تحتحماية أمير آخر، فهذه الكنيسة ليس لها الحق في أن تطلب التسامح من الأمير.

-لا يمكن التسامح على الإطلاق مع الذين ينكرون وجود الله. ومبرر لوك بخصوص هذه النقطة هو: "أن الوعد والعهد والقسم، من حيث هي روابط المجتمع البشري، ليس لها قيمة بالنسبة للملحد". فالملحد من هذا المنطلق يشكل خطراً على المجتمع وعلى الأديان. ما يعني أن للتسامح حدوداً، ودور الحاكم أن لا يتجاوزها. وبذلك يكون التسامح السليم هو الذي ترعاه الدولة.

 

رؤية محدودة

  يتفق العديد من المفكرين، على حقيقة أن فكر لوك عن التسامح موسوم بالمحدودية، وذلك راجع لمجموعة من الاعتبارات، أجملها الباحث محمد غنايم فيما يلي:

- التسامح لدى لوك هو تسامح ديني فقط؛ لكونه لا يشمل الثقافي وغيره من أنماط التسامح الأخرى.

- محكوم  تسامحه؛ بنظرة ضيقة للمجتمع المسيحي، ولا يتميز بطابع كوني، بقدر ما يعبر عنخصوصية المجتمع الإنجليزي في تلك المرحلة.

- تسامحه ضيق النطاق، لأنه لا يشمل الإنسان غير المتدين.

- التسامح لدى لوك سياسي في عمقه، بغض النظر عن صورته الدينية، ما دامت الغاية منه؛إعطاء طابع أخلاقي للخلاص، والعمل على تقزيم أدوار الكنيسة من الناحية التشريعية؛بالإضافة إلى إمداد الحاكم المدني؛ بكل الصلاحيات؛ تحصين الأمور الدنيوية؛ للمواطنين منكل حيف كنسي.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية