المواثيق والعهود في الإسلام

       لا ريب أنّ من مقاصد خلق الأمم التعارفُ وتغليبُ نقاط الالتقاء الكثيرة بينها؛ فمساحات التلاقي أوسع بكثير من هامش الاختلاف، ومن ثَم يلزم عدم الالتفات إلى وجود فروقات إثنية أو عرقية أو جنسية، وإنما يتفاضل الخلق بأعمالهم التي يكونون قريبين فيها من الخالق جل وعلا؛ قال تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾[الحجرات: 13].

       والتعارف بين الشعوب هو أحد أرقى المفاهيم وأكثرها قيمة وفاعلية، ومن أشد وأهم ما تحتاج إليه الأمم والحضارات، وهو دعوة لأن تكتشف وتتعرف كل أمة وكل حضارة على الأمم والحضارات الأخرى من دون سيطرة سيطرة ولا هيمنة أو إقصاء أو تدمير، والتعارف هو الذي يحقق وجود الآخر ولا يُلغيه، ويؤسس العلاقة والشراكة والتواصل معه لا أن يقطعها أو يمنعها أو يقاومها.

       كانت الحضارة الإسلامية أكثر وأدق الحضارات استيعاباً لأحكام الاتفاقيات التي أسمتها «معاهدات»، فوضعت الأسس والقواعد والأحكام الضابطة للاتفاق مع الأمم الأخرى، وناقشت ذلك في قضايا فرضتها الظروف التاريخية المحيطة بها، وكانت نقطة انطلاقها دائمًا المبادئ الحاكمة للإسلام، ومنها مبدأ "حفظ العهد"، فهو مبدأ إنساني وأخلاقي وديني، وكذلك مبدأ العدل ونصرة المظلوم.

 

قيمة العهود

 

       إن لكل شريعة مبادئ معينة تحدد الأُطُر العامة لقواعدها وتفصيلاتها، ومن هذه المبادئ في الشريعة الإسلامية مبدأ «حفظ العهد»؛ وهو وإن كان مبدأ تقرره ضرورة الاجتماع البشري إلا أنه كذلك وقبل كل شيء مبدأ يتعلق بالطبيعة الأخلاقية التي تُميِّز الإنسان عن أي كائن آخر، كما أنه في الإسلام تكليف شرعي؛ فمبدأ «حفظ العهود» هو مبدأ ضروري للاجتماع البشري، فالعهود والمواثيق فيها التزام إنساني وإيماني وأخلاقي سواء على الصعيد الفردي أو الجماعي.

فالعهود والمواثيق تُضفي على أعمال الأمم والشعوب والدول والأفراد عنصر الثقة والاطمئنان، وتعمل على تخفيف حدة التوتر، وفي إخبار رسول الله  أنه لو دعي إلى نحو «حلف الفضول» لأجاب إشارة إلى هذا المعنى؛ فإن حلف الفضول كان يشمل مختلف القبائل، ومن ضرورة عقد هذا الحلف حفظ ما يتحالفون عليها؛ أي: يتعاهدون عليه؛ ولولا كون مبدأ «حفظ العهد» من مبادئ الاجتماع الإنساني التي تقوم على الأمانة والصدق، لما كان لهذا الحلف جدوى.

       إن الوفاء بالعهد في الشريعة الإسلامية ملازم لصفة الإيمان، ودستور أساسي معظَّم لا يُنقض، ونقض العهد شأن المنافقين لا المؤمنين، قال تعالى واصفًا المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ المِيثَاقَ﴾[الرعد: 20]، فسماه «عهد الله»، فالمسلم حينما يُعاهد غيره فإنه بذلك يجعل الله سبحانه شاهدًا على عهده.

 

أنواع المعاهدات وصِيَغها

       من المقرر أن غالب الأيدلوجيات تستهدف نشر مبادئها في أنحاء العالم، ولظروف تاريخية تعلقت بالمسيرة الحضارية للإنسان أدى ذلك في أحوال عدة إلى صراعات حضارية اضطُّر المسلمون أن يكونوا طرفًا فيها، وهذا أثَّر ولابد في تشكيل نظرة المسلمين، وخاصة فقهائهم، إلى العلاقة مع الآخَر؛ فأدى ذلك إلى تكوين نظرية إسلامية كانت وليدة هذه الظروف التاريخية؛ فقسَّم فقهاؤنا العالم إلى ثلاثة أقسام: دار الإسلام، ودار الحرب، ودار العهد.

       والحق أن هذا التصوُّر لم يعد صالحًا الآن لمساوقة العصر، فلابد من إعادة النظر في هذا التقسيم، وذلك عبر إعادة قراءة التراث الإسلامي الخاص بالتعامل مع الآخر، خاصة بعد أن حل مبدأ "المواطنة" محل مبدأ "الجزية"، وحل مبدأ "التعارف الحضاري" محل مبدأ "الصراع الحضاري"؛ للتوصل إلى تأمين جميع المصالح الإنسانية اقتصادية كانت أم اجتماعية أم سياسية، وصار «ميثاق الأمم المتحدة» بمثابة عهد جماعي من غير المسلمين مع المسلمين.

       والناظر في هذا كله يخلُص إلى أن هناك إطارًا عامًّا في الإسلام لسائر الاتفاقات المرتبطة بغير المسلمين؛ سواء المواطنين أو المعاهَدين، وهذا الإطار يحوي نقاطًا محددة، وهي: عصمة الدماء والأموال والممتلكات، نصرة المظلوم والأخذ على يد الظالم، التعاون والتضامن لدرء العدوان الخارجي، احترام الحرية السياسية والدينية، والتناصح والتشاور بالطرق السلمية.

تنقسم المعاهدات في التصوُّر الفقهي الإسلامي بحسب غرضها إلى: معاهدة سياسية (معاهدات التعايش السلمي والتي تهدف إلى حماية حرية العقيدة، ومعاهدات الصلح والهدنة والتي تهدف إلى إيجاد حالة من الصداقة والتعاون في شتى المجالات)، معاهدة تجارية وهي المعاهدات التي تُنظم المبادلات الخارجية مع غير المسلمين.

       وللمعاهدات في التصور الفقهي الإسلامي صِيَغ مختلفة؛ فهي قد تكون مؤقتة كالأمان والهدنة وقد تكون دائمة كعقد الذمة، والتي استُبدلت الآن بالمواطنة، وقد تكون مقفلة وهي التي لا تحتوي على نص يُبيح انضمام جماعات أخرى إليها فيما بعد، وقد تكون مفتوحة وهي التي تحوي نصًّا يبيح انضمام الغير إليها. وهي خير نموذج لإقامة اتفاقية تهدف إلى إقامة السلم العالمي.

 

قيم تدعيم العهود

توجِّه العهود والمواثيق في الإسلام عدة قِيَم تُمثل المورد الأساسي لتدعيم هذه العهود وتأديتها لوظيفتها في المجتمع؛ ومن هذه القيم:

- المسارعة إلى الدخول في العهود والمواثيق النافعة للمجتمع الإنساني: لا شك أن العهود والمواثيق النافعة للمجتمع الإنساني من مواقع الخير العميم، وقد حث الإسلام على المسارعة إلى الدخول في الخيرات؛ قال تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾[البقرة: 148]، وحث النبي  على المبادرة والمسارعة في عمل الخير ومنه التعاهد على السلم وعلى تعظيم حرمات الله.

- الوفاء بالعهد: المعاهدات والمواثيق في الإسلام محفوظة عن أي غدر أو خداع أو قهر؛ وقد أمر القرآن الكريم بالوفاء بالعهد وفاء مطلقًا من غير قيد بضعف أو قوة؛ ولا يجوز نقضها ما دامت قائمة، كما لا يجوز الإخلال بشروطها أو بنودها ما لم ينقضها الطرف الآخر.

- تبادل المصالح: كل اتفاقية أقامها أو يقيمها المسلمون لابد وأن تحوي مصلحة نافعة لهم؛ كما أن من ضرورات عقدها أن تحوي مصلحة نافعة للشريك فيها؛ ولا يمنع الإسلام من تبادل المصالح ما رُوعيت المبادئ التشريعية.

- رفض الاستبداد الحضاري: الناظر في المعاهدات التي تمت في الحضارة الإسلامية يجد أنها لم تؤسس للاستبداد الحضاري؛ فقد قَبِلَ المسلمون الأوائل القِيَم والعقائد والاتجاهات والممارسات للأمم التي أقام معها هذه المعاهدات، ولم يفرضوا عليهم إلا الالتزام بالبنود العامة التي وُضعت في هذه المعاهدات، وهذه البنود في غالبها تؤسس للعدالة والأمن ونصرة المظلوم.

- التسامح: التسامح من المبادئ الكبرى التي تقوم عليها المعاهدات في الإسلام، وهو مبدأ إنساني لابد منه في كافة العلاقات بين الفرد أو الجماعة والآخر.

- تشجيع فكرة الانتفاع المتبادل من خيرات الأرض: وذلك من خلال التعاون؛ فالرؤية الإسلامية تنطلق من عقيدة أن الله لم يخلق الأرض لنسفك الدماء؛ بل لينتفع كل فريق بخير ما عند الفريق الآخر؛ فإذا كانت الأرض مختلفة فيما تنتجه فالإنتاج كله للإنسانية كلها.

- مراعاة حقوق الإنسان: بلغ الإسلام في الإيمان بالإنسان ومراعاة حقوقه إلى الحد الذي تجاوز بها مرتبة الحقوق فاعتبرها "ضرورات" ومن ثَم أدخلها في إطار الواجبات؛ فليس من حق الفرد أو الجماعة التنازل عنها لأنها لا سبيل إلى حياة الإنسان بدونها.

 

القواعد الناظمة للعهود

لا تؤدي العهود والمواثيق وظيفتها ولا تحقق غاياتها إلا بعدة أسس حاكمة لها تنتظم حدودها وأُطرها، وقد ناقش الفقهاء المسلمون هذه الأسس في أبواب السياسة الشرعية والحديث عن النزاع العسكري غالبًا، وهذا لظروف محددة استوعبت الفكر الإنساني عامة في عصور وضع النظريات والعلوم الإسلامية.

ولكن مما ينبغي في العصر الحالي وفي ظل التوجه نحو التعايش العالمي إعادة النظر في هذه الأسس بعد تحديد الموقف المعرفي من التراث، وهذا يقتضي منهجية علمية قوامها النقد والفحص في قراءة تراثنا لتحديد الجوانب الحية والمعقولة من الجوانب الميتة واللامعقولة؛ لأن التوجه نحو التعايش العالمي إنما ينطلق من رؤية صحيحة لتراثنا.

ومن هذه أهم الأسس الناظمة للعهود والمواثيق في الإسلام: احترام الخصوصيات الحضارية، تحقيق المصلحة الإنسانية، التراضي بين أطراف المعاهدة، لابد من توافر النية الحسنة لدى الأطراف، واعتبار القواعد الفقهية.

من خلال النظر في قيمة العهود في الشريعة وأنواع المعاهدات في الإسلام وأُطُرها العامة وأسسها وقواعدها الشرعية يمكن أن يُقال بأن دخول الدول الإسلامية في ميثاق عالمي يهدف للسلم العام من الأمور المستحسنة شرعًا إن لم يصل إلى حد الواجبات في ظل انتشار التطرف والإرهاب ومظاهر الكراهية المتبادلة بين الشعوب، وينبغي على هذا الميثاق أن يكون مبنيًّا على «مشروع تواصل حضاري عالمي»، وهو مخطَّط يُفترض فيه الاكتمال يحوي برامج ومشاريع سياسية واقتصادية واجتماعية.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية