الهجرة والجوء بين التأصيل والتنزيل

لا يمكن أن نعتبر في وقتنا المعاصر ظاهرة اجتماعية أكثر تعقيداً من ظاهرة الهجرة /اللجوء. فهي كفيلة بتجييش مشاعر الوطنية والعنصرية وكره الأجانب بحيث أصبح موضوع المهاجرين واللاجئين الأكثر حساسية وأهمية في الجولات الانتخابية في العالم الغربي والعربي. وطبعاً يتجاوز هذا الموضوع موضوعة العنصرية، فرهاناته ذات بعد اقتصادي لطالما استغل المهاجرون قوة عملهم بأجور زهيدة، واستخدموا كطريقة لإضعاف منافسة القوة العاملة المحلية. كما للهجرة رهانات ثقافية تتعلق بكيف ستسمح سياسات الدول المستَقبِلة بالتعددية الثقافية وكيف سيقبل المهاجرون/اللاجئون الاندماج الإيجابي ويمارسون التعايش والتعارف في هذه المجتمعات، بحيث يحافظون على ثقافتهم ويأخذوا من الثقافات الأخرى بعملية خلاقة كتب عنها الكثير من باحثي الهجرة وسموها بالهجينية والتطبع والاندماج. وهذا يختلف كثيراً عن الانصهار أي تخلي المهاجر عن ثقافته الأصلية، وغالباً تحت ضغط الهيمنة الثقافية للمجتمع المستَقْبِل.

 

       يشير سامي الذيب أبوساحلية إلى أنّ الهجرة قد ميزت المجتمع المسلم منذ التاريخ الإسلامي المبكر. فقد أرسل النبي محمد  بعض أتباعه من سكان مكة المكرمة إلى الحبشة لحمايتهم من الاضطهاد، وهو نفسه وأتباعه قد هاجروا من مكة المكرمة إلى يثرب، وقد دشن ذلك الحدث بداية العصر الإسلامي، التقويم الهجري. واعتبر التراث الإسلامي الهجرة والتنقل فعاليات اجتماعية كقاعدة وليست استثناء. واستمر هذا التقليد بعد عهد النبي محمد ، بما في ذلك الحق في اللجوء.

       على ضوء هذا التاريخ الغني في سياق ما قبل الدولة الوطنية، كيف فهمت السلطات الدينية الإفتائية هذا التاريخ وحولته على مواعظ ترشد المسلمين حول شروط الهجرة والإقامة في بلدان المهجر؟

       لقد تطورت تقنيات الإنترنت والاتصالات، فأصبحت الفتاوى عبر الإنترنت أداة مهمة إلى حد كبير في طرح الأسئلة المتعلقة في الفقه الإسلامي. وتتمثل خصوصية الفتاوى على الإنترنت هو أن الناس يمكن أن يختاروا علماءهم المفضلين لهم بغض النظر عن حدود دولتهم الوطنية وعيون الرقابة الدولاتية.

       وقد لاحظنا الاستخدام المكثف لهذه الفتاوي الإنترنيتية من خلال المقابلات التي أجريتها مع العديد من المسلمين، خاصة في لبنان وفرنسا، بما في ذلك اللاجئين السوريين القاطنين هناك. وتختلف طبيعة هذه المواقع الإلكترونية: فبعضها تتبع لمؤسسات فتاوى وطنية رسمية (مصر، قطر، المملكة العربية السعودية) وأخرى هي عابرة الحدود الوطنية (المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، فقه أمريكا الشمالية، دار الإسلام، وطريق الإسلام). هناك أيضاً بعض الشيوخ ذوي الشهرة والذين يفتون من خلال مواقع مستقلة (الإسلام اليوم، جمعية المشرعين المسلمين في أمريكا، درب السلف، وما إلى ذلك)..

       على الرغم من حقيقة أنّ المفتين يشيرون إلى النصوص الأساسية الإسلامية عينها، أي القرآن الكريم والحديث الشريف، فإنها تختلف بشكل كبير في تفسيرهم للقضايا الاجتماعية مثل الهجرة. ثمة سبع وعشرون آية في القرآن حول كلمة الهجرة ومشتقاتها، بما في ذلك «الهَجْر» أو ترك وضع غير عادل أو مكان ظالم.

لقد ميزت فتاوى كثيرة بين ثلاث حالات من استعداد المسلم للهجرة أو الإقامة في الغرب أو ما يسمونه بعضهم الدول غير الإسلامية:

  1. إذا كان المهاجر لديه سبب وجيه لبقاء في الغرب ويمكن ممارسة الشعائر الدينية علناً ​​والحفاظ  على الإيمان والتدين، فهو يسمح له بالبقاء هناك، ولكن يفضل للهجرة إلى بلد مسلم.
  2. إذا كانت الهجرة من أجل حمل رسالة الإسلام (القيام بالدعوة) ومساعدة الجالية المسلمة، فيصبح البقاء مستحباً.
  3. إذا كان المهاجر لا يمكن ممارسته الشعائر الدينية ويخشى فتنة ضد دينه، فيجب ترك البلاد والهجرة إلى واحد من الدول الإسلامية، إلا إذا كان غير قادر على الرحيل لأسباب صحية أو مالية.

في الحالة الأولى، فقد وصف «السبب الوجيه» في معظم فتاوى إما الهجرة من أجل العمل أو طلب العلم أو الحصول على العلاج الطبي. فيما يتعلق «بممارسة الشعائر الدينية علناً»، قلة من الفتاوى قد حددت ما معنى ذلك. على سبيل المثال، وضح الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، مفتي المملكة العربية السعودية، «ممارسة الشعائر الدينية علناً ​​لا يشير فقط إلى الصلاة وقضايا ثانوية للدين وتجنب فعل محظور مثل الربا أو الزنا  وما إلى ذلك، وإنما أيضاً الممارسة تعني صراحة التوحيد والبراءة من طرق المشركين، مثل الشرك بالله في العبادة وغيرها من أنواع الكفر والضلال»، كما يفصل إسلام-ويب في فتواه حول حكم الهجرة إلى بلاد غير المسلمين "لا تجوز الهجرة من بلاد المسلمين إلى بلاد غير المسلمين لمن لا يستطيع أن يقيم شعائر الدين، ولا يأمن على نفسه الوقوع في الفتنة، وذلك لما يترتب على السكنى بين ظهراني الكافرين من محاذير جسيمة ومخاطر عظيمة".

تتصل مسألة الهجرة أيضاً بقضية المواطنة. ثمة فتاوى تتعلق بحكم الحصول على جنسية دولة غربية أو غير مسلمة في مواقع اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (السعودية) و«جمعية المسلمون المشرعون الأمريكية» وموقع «طريق الإسلام». فبينما حرمت الأولى الحصول على الجنسية، أجازتها المؤسستان الآخريتان فقط في ظل الظروف الملحة. والحجة أن الحصول على الجنسية قد يسمح للمسلم أن يؤيد الأقوال والأفعال التي تتعارض مع العقيدة الإسلامية، وإعطاء الولاء للكافرين.

بالإضافة إلى موضوعة المواطنة، هناك مفاهيم هامة تحكم أحكام الهجرة في الإسلام متعلقة بوضع الدول المضيفة وعلاقتهم مع المسلمين أو الدول الإسلامية. ففي فتوى لـ «إسلام-ويب» (توضح أن الأراضي هي نوعان: دار الإسلام ودار الحرب) وليس من الغرابة أن التقسيم الجغرافي للعالم حسب هذه المفاهيم يبني صورة للآخر في مخيال المؤمنين بأنه بلد كافر.

وبما أن أزمة اللاجئين السوريين مستمرة، وأصبحت مشكلة كبيرة في كثير من دول العالم، أصدر الشيخ محمد توفيق رمضان فتوى بأن الهجرة من الدول العربية التي تعيش اضطرابات ومشاكل أمنية مثل سورية و العراق و ليبيا إلى دولة أوروبية غير جائزة، ويتوالى مشايخ آخرون (موقع نسيم الشام) بتبني هذا الرأي.

من جهته قدم مجمع الفقه الإسلامي الدولي مساهمة هامة في فقه الأقليات، مشيراً إلى أن غير المسلمين هم مواطنون لهم نفس الحقوق والواجبات ما للمسلمين وأنهم يتمتعون بقوانين خاصة للأحوال الشخصية الخاصة بهم.

 

المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث

هناك منوال جديد للفقه من قبل مؤسسات مثل المجلس الفقهي لأمريكا الشمالية والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث.  وأصدر المجلس الأول بيانين هامين: واحد بعنوان أن تكون مسلماً مؤمناً وأمريكياً مخلصاً (اعتمد في اجتماع الهيئة العامة في 24-25 سبتمبر 2011)، والآخر حول العلاقة بين المسلم وغير المسلم (ألفه عضو في اللجنة التنفيذية لهذا المجلس، الدكتور جمال بدوي). لقد أسسا هذان البيانان فقهاً جديداً للأقليات وقدّما نموذجاً جديداً كيف يمكن أن يكون الإنسان مسلماً ومواطناً في المجتمعات غير الإسلامية. بالطبع هناك بيانات قد أتت من مؤسسات في المنطقة مثل إعلان مؤتمر مراكش حول حقوق الأقليات الدينية في المجتمعات ذات الأكثرية المسلمة (يناير 2016)، والذي نظمه منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة (أبوظبي).

جاء في البيان الختامي للدورة العادية الـ25 للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، والتي انعقدت في مدينة إسطنبول بتركيا في الفترة من 6-10 تشرين الأول (أكتوبر) 2015 تحت عنوان: «فقه العيش المشترك في أوروبا، تأصيلًا وتنزيلًا» مؤكداً على التعايش والاندماج الإيجابي وتسليط الضوء على واجباتهم تجاه الاشقاء اللاجئين السوريين من حيث رعاية أسرهم وأطفالهم. ويرى المجلس أن متطلبات العيش المشترك تقوم على مبادئ عديدة يمكن تلخيصها على النحو التالي: التسليم بوحدة الأصل الإنساني، احترام الكرامة الإنسانية ومراعاة حقوق الإنسان، الوفاء بالعهود والمواثيق، القول بالتعددية وحرية الاعتقاد والعبادة، اعتماد الحوار واحترام المقدسات ورفض كل ما يؤدي إلى العنف أو التطرف.

 

ثلاثة مدارس للإفتاء

تبين الأمثلة المختلفة من الفتاوى المذكورة أعلاه بأننا يمكن التمييز بين ثلاث مدارس من الفتاوى:

المدرسة الأولى من الفتاوى هي التي أسميها المدرسة النصية.  حيث يأطر المفتون من هذه المدرسة الجغرافيا في انقسام المعمورة لدار إسلام ودار كفر أو دار حرب ودار سلم. وتدعو هذه المدرسة الى واجب المسلمين للانتقال نحو الدول حيث يستطيعون ممارسة الشعائر والواجبات الدينية.

المدرسة الثانية من الفتاوى هي المدرسة الواقعية الحذرة سياسياً. إنها حريصة على تهيئة ظروف جيدة للمهاجرين في المجتمعات المضيفة، خصوصاً في البلدان ذات الأغلبية غير المسلمة، ويركز بعض المفتيين ضمن هذه المدرسة على الخصوصية الثقافية للمسلمين.

المدرسة الثالثة من الفتاوى هي المدرسة الإنسانية. وتعتبر فتاوى وقرارات مؤسسات مثل المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث والمجلس الفقهي لأمريكا الشمالية وأحياناً بعض فتاوى الأزهر ضمن هذه المدرسة. مع هذه المجالس، يمكن ملاحظة النقلة النوعية، والانتقال من الانقسام المعمورة من دار إسلام وكفر وأمان وحرب إلى الحديث عن العيش المشترك.

نحن على أعتاب فقه جديد تؤسسه هذه المدرسة الذي سماه جميل حمداوي (2013) فقه التعارف، لكونه يبين علاقة المسلم بالآخر الأجنبي على مستوى المعاملات والعبادات والتفاعل الأخلاقي. ويتطلب أن يكون تعاملاً إنسانياً إيجابياً، قائماً على التفاهم والتسامح والتعارف والتعايش والصداقة والمودة والمحبة.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية