سلامة الأديان والأوطان وسلام العالم

       لقد شكل حلف الفضول القديم مبادرة لإقامة تجمُعٍ تعاقُدي على الحقّ والخير ودفع الظلم، ونُصرة الضعيف على القوي بما يشبه السنة أو العرف؛ وهو أمرٌ يستحق التشجيع للسير على مثاله. فهذا التعاقُد والتعاهُد نموذج أولي يمكن الاستئناس بسُنّته في رعاية المصالح العامة، وأخلاق المسؤولية في الوقت ذاته. وهذا هو مجتمعُ "المروءة" أو أخلاقُها التي كان عقلاءُ الناس وأخيارُهم قبل الإسلام يتطلعون إليه وإليها.  فالعرب في القرنين الخامس والسادس للميلاد قد شعروا بالحاجة الشديدة للتغيير وسط الفوضى الضاربة أطنابها بالدواخل، وصراع الدول الكبرى عليهم، فاستطاع فريقٌ من القرشيين تنظيم "الإيلاف" من أجل أمن التجارة، وترقّوا بأخلاق المروءة إلى مستوى حلف الفضول من أجل الإنصاف والانتصاف. وقد أثنى القرآن الكريم على تنظيم الإيلاف، وقرر أنه عزّ وجلّ وفّقهم إليه فأطعمهم به من جوعٍ وآمنهم من خوف، وهاتان هما الوظيفتان الرئيسيتان للدولة، فأين هي الدولة؟ جاء رسول ُ الله فأعطى الكيان الذي كان ينشئه في كتاب المدينة أوعهدِها سمة العقد الاجتماعي والسياسي، عندما أعلن عن النظام الجديد، والذي شكّلت فئاتُه "أمةً واحدةً من دون الناس"؛ المواطنةُ الأساسُ في دولتها، وأخلاقُ حلف الفضول ومروءته ركنٌ لمجتمع الخير فيها. وهاتان قيمتان ومبدآن لا يمكن الاستغناء عنهما في أي مجتمع وأي دولة، وإن اختلفت التجليات والصِيَغ.

 

       أما بشأن الحاجة اليوم لاستعادة نموذج حلف الفضول، وكيف نعملُ على هدْيٍ منه ومن كتاب المدينة وعقدها وعهدها على سلامة الدين وصَوغ سياسات دولة المواطنة، والإسهام في سلام العالم؟ فهذا يقتضي الابتعاد عن الوقوع في ممارسات التأصيل التي غرقت فيها الحركات الإحيائية والجهادية من جهة، والتحررية من جهةٍ أُخرى. وإن المنهج في القراءة لا يكون بغلْق النص وتجاهُل سياقاته ومآلاته؛ بل بوضع النصّ في سياقات التجربة والمآلات، والنظر في إمكانيات الفهم والاستلهام والمقاصدية؛ وليس المسارعة إلى دعوى التطبيق وضروراته. ولذلك فعندما كان رسول الله يذكر حلف الفضول، ما كان يقصد إلى تطبيقه، وإنما إلى استلهامه في السياقات الجديدة للدين وللمجتمع السياسي الناشئ: بالنسبة للدين في مسائل المروءة والمعروف والإحسان، أما بالنسبة للمجتمع السياسي ففي مسائل الحقوق والواجبات والمسؤوليات الخاصة والعامة.

وهناك ضرورة عدة، تهدف إلى سلامة الدين، ودعم فكرة وممارسات الدولة الوطنية المدنية، والإسهام في صنع السلام في العالم، منها:

عودة الدين: وقد بدأ الفلاسفة وعلماء الدين في الغرب يستخدمون هذا المصطلح منذ السبعينات. وشمل ذلك كبارهم مثل غادامر وغوشيه وهابرماس وداريدا وبول ريكور وتشارلز تايلور. وقد تنبه الإسلاميون والدعاة إلى هذه الظاهرة في ديارنا، وأطلقوا على ذلك اسم الصحوة.

       ودارس هذه الظاهرة يرصد ست موجاتٍ في التفكير الديني من أجل الملاءمة والتطوير. الأولى: حركة الجامعة الإسلامية، التي أطلقها السلطان عبد الحميد، كانت لها بعض الأفكار والممارسات المعتبرة تحديثية. والثانية: حركة محمد عبده وتياره التي تصدت لمشكلات وتحديات مثل العلاقة بالغرب، والقول بالدولة المدنية، والثالثة: أثارها المفكر الهندي المسلم محمد إقبال في كتابه «تجديد التفكير الديني في الإسلام».  والموجة الرابعة: أو الفكرة الرابعة، رمتْ للتوفيق بين الموروث الفقهي الإسلامي والقوانين المدنية الغربية. والموجة الخامسة: يمثلها مشروع المفكر الجزائري مالك بن نبي لفهم مسألة الحضارة والنهوض والانحطاط في العالم الإسلامي. أما الموجة السادسة: فتتعلق بدور فكرة مقاصد الشريعة في البناء والتجديد. وبحسب مفكري وفقهاء المقاصد، وفي مقدمتهم اليوم العلاّمة ابن بيه أننا نملك قيماً ومبادئ نحن مُلزَمون بها في ديننا، ومُلتزمون بها تجاه العالم، ومن ضمن توجهاتها التفكير بعلاقاتٍ أُخرى بالعالم غير علاقات الحرب والصراع، تقوم على التعاون والمشاركة والتصالح بين المسلمين وبين بني البشر ومع نظام العالم. لذلك نظن أن العمل القوي والشامل من أجل سلامة الدين، يشمل مكافحة العنف والتكفير والدعوة إلى السكينة، وتوسيع الآفاق باتجاه النهوض الفكري والديني إضافة إلى  تجديد التواصُل مع العالم وأديانه وثقافاته، وإعطاء الأَولوية إلى جانب استعادة السكينة في الدين، للعمل المشترك في بناء الدولة الوطنية المدنية، دولة الحكم الرشيد.

ثانياً: مشكلات الدولة الوطنيـة ودولة المـواطنة: ذكر خيـر الدين التونسي في كتابه: «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» المنشور عام 1867، أنّ الحياة في ديار المسلمين تقوم على ركنين: ركن الدنيا (الذي يتضمن عيش المجتمعات، والسلطة القائمة على الحفظ والرعاية والحماية)، وركن الدين (المعني بالقيم والأخلاق والحياة الروحية والأُخروية). وقال خير الدين إنه لأول وهلةٍ يبدو كأنما ليست هناك علاقة مباشرة بين الركنين. إنما الحقيقة أنه إذا تهدَّد ركن الدنيا بالفوضى أو الاستعمار أوالاستبداد؛ فإنّ ركن الدين لا يكون بخير. ولذلك فإنه يطلب من العلماء أن لا يعارضوا الإصلاحات في الركن الدنيوي، وأن يتضامنوا معها أو يشاركوا فيها تشجيعاً للجمهور على اعتناق فكرة «المنافع العمومية» التي تحمي الدين والدولة والناس.   إلا أن العسكريين الذين تحولوا إلى سياسيين قادوا تلك الدول بدون حياةٍ سياسيةٍ ولا حكمٍ للقانون. ما جعل الأمة تتلقى خذلاناً شديداً من جانب مثقفيها وإسلامييها معاً. فالمثقفون وإن أدلوا ببعض المطالب الديمقراطية؛ تركّزت همومهم على ملاحقـة الموروث الدينـي وإعاقاتـه الحائلـة دون إقامة دولٍ حديثـة. بينـما انصـرف الإسلاميون سياسيوهم وجهاديوهم للاشتراع للدولة الإسلامية، بدواعي المواجهة للدولة الوطنية.  ماأدى إلى فصام باسم الدين أو باسم العصرانية، وهو العِلّةُ في مشكلات الدولة الوطنية في العالم العربي. بيد أنّ ضعف شرعية الإدارات القائمة في نظر شعوبها أفضى أخيراً إلى التقليل من قدرات تلك الدول على إدارة الأزمات الداخلية، وتلك الآتية من تأثيرات الخارج الإقليمي أو الدولي. ولذلك فإنّ مربط الفرس في البحث عن استنقاذ الدولة الوطنية يتمثل في استنهاض تجربة العيش المشترك، ودولة المواطنة والحكم الصالح. فالدولة التي تحمي شعبها ومصالحه ومواطنته، هو الذي يحميها ويحول دون الاضطراب والاستتباع.

ثالثاً: الأوضاع الاستراتيجية والتهديدات للأوطان والأديان: العرب لم يخاصموا أحداً لكي يلتمسوا التحاور والتصالُحَ معه؛ لكنّ الضعف العربي أغرى كلَّ الآخرين بتجاوز كلّ الحدود. فلنبحث أولاً كيف نقوّي دولنا وعملنا المشترك وصَوننا لحدودنا وأوطاننا واستعادة الاحترام لسيادتنا، لكي يكونَ للحوار معنىً وفائدة لنا ولجوارنا. وقد ازداد الخواء اتساعاً وعتمةً وسواداً في السنوات الثماني اللاحقة. فالمشهد يتحدثُ عن نفسه، فالخواء الاستراتيجي، الذي استدعى دول الجوار والعالم للتدخل والاحتلال والاستقطاع وكلّ أشكال الهيمنة والاستتباع، علته الغياب العربي، والضعف العربي. لكنّ علّة العلل: أزمة الدولة الوطنية العربية.

رابعاً وأخيراً: سلامُ العالم: نعم، إنّ الاختلال الحاصل في شأننا الديني، وشأننا الوطني والعربي، هدَّد ويُهدِّد سلام العالم. فالاختلال أصبح شاملاً للدين والوطنية والقومية؛! إنّ هذا التطرف العنيف، مارس ويمارس التخريب والاستهواء للتخريب والقتل في ديارنا وفي العالم.

       أما الخروج من تلك الاختلالات والانسدادات يقعُ في أمرين: استعادةُ السكينة في الدين، واستنقاذ الدولة الوطنية المدنية. والشيخ العلاّمة ابن بيّه اعتبر حلفَ الفضول، أو مجتمع الخير مدخلاً لتحويل التأزُّم إلى فرصة أو فُرص أو آفاق.

نحن نحتاج سرديةٍ جديدةٍ في الدين، ينبغي أن تتوافر لإطلاقها وتفعيلها الاستعدادات والإعدادات والإجراءات، ولدينا مشروعات التجديد الستة. ولدينا النموذجان العمليان اللذان عمل عليهما العلاّمة ابن بيه وهما: حلف الفضول لمجتمع الخير، وعهد المدينة ونظامها لدولة المواطنة. مقترحاً سرديةً تركيبيةً تقومُ على ثلاثة مقومات، اثنتان منهما قرآنيتان، والثالثة من يقينيات الشريعة بحسب علماء الأصول: الأولى: أن القيمة العليا في علاقة الله سبحانه الرحمن الرحيم ببني البشر هي قيمةُ الرحمة. وهذا ظاهرٌ وواضحٌ في مثل قوله تعالى: ﴿ورحمتي وسِعت كلَّ شيء﴾ - (الأعراف: 156)، وأما المقولة الثانية فهي مقولة التعارف باعتباره الفلسفة القرآنية لعلائق البشر بعضهم ببعض: ﴿يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتَعارفوا. إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ - (سورة الحجرات: 13). أما المقولة الثالثة فهي مقاصد الشريعة، لتكتملُ بها منظومةُ السردية الجديدة أو التركيبية.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية