من أجل حلف فضول معاصر

تشير الخريطة الدينية لسكان العالم الذين يبلغ عددهم حوالي سبعة مليارات إنسان؛ 84 بالمئة منهم ينتمون إلى الأديان. من بينهم 2،2 مليار مسيحي و 1،2 مليار مسلم، حيث يعيشون جنباً إلى جنب في معظم القارات، أما أصحاب الديانات الأخرى فهم: الهندوس الذين يبلغ عددهم ملياراً، والبوذيون يبلغ عددهم 500 مليون، أما اليهود فيقدر عددهم بحوالي 14 مليوناً، وهناك أصحاب عقائد دينية عديدة أخرى في الصين والهند واليابان وإفريقيا وأستراليا والأمريكيتين يقدر عددهم بحوالي 58 مليوناً.

 

       تجدر الإشارة إلى أن ثمة 1،1 مليار إنسان لا يدينون بأي دين أو عقيدة إيمانية؛ أي أنهم يشكلون، من حيث الحجم، الكتلة البشرية الثالثة بعد الكتلتين المسيحية والإسلامية، وهذه الأرقام تبين عكس ما توقعه علماء الاجتماع في الغرب، ومنذ القرن الثامن عشر أن ينحسر دور الدين، وأن يتراجع عدد المؤمنين بالأديان أو الملتزمين بتعاليمها. والوقائع تؤكد صحة النظرية المعاكسة التي قال بها الفيلسوف الفرنسي أندريه مارلو (مستشار الرئيس الفرنسي الأسبق الجنرال شارل ديغول) «بأن القرن الواحد والعشرين يكون دينياً أو لا يكون».

 

       وقد أثبت الدين أنه أهم عامل في بناء المجتمعات وتماسكها واستمرارها. ولكن في الوقت نفسه قد استعمل، في إقامة حواجز معنوية، ومادية، بين الأفراد والجماعات. كما كان للدين دور أساسي في تمكين الإنسانية من التغلب على كثير من التحديات التي واجهتها، وزودتها بقوة الاستمرار. ولا يزال رغم تعرضه لتشويه السمعة ورغم تحميله مسؤولية الكثير من الحروب والصراعات الدينية، حاجة إنسانية لصناعة المستقبل.

       والمدخل إلى ذلك يكمن في فك الارتباط بين الدين والتوظيف السياسي للدين في الأزمات والصراعات بين الأمم والشعوب وحتى بين الشعب الواحد، من هنا أهمية استخراج مبادئ من صميم الدين لنشر الودّ والمحبة والسلام بين الناس المختلفين، فكانت مبادرة مراكش انطلاقاَ من وثيقة المدينة، ثم كانت مبادرة حلف الفضول انطلاقاً من موقف نبوي شريف في مرحلة ما قبل الإسلام، وهو الموقف الذي يؤسس لعلاقات تعاون واحترام وثقة بين المجتمعات المسلمة وغيرها من المجتمعات المنتشرة في العالم.

 

التعدد والوحدة في المفهوم الإسلامي

       يقول الإسلام بوحدة الإنسانية وبتنوعها. ويرسي أسساً ومبادئ لاحترام التنوع والتعدد الإثني والثقافي والديني بحيث تشكل هذه الأسس والمبادئ جوهر العقيدة الإسلامية، وفي القرآن الكريم عدد كبير من الآيات الكريمة التي تؤكد ذلك، منها الآية: ﴿يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ (سورة الحجرات – 13). تكشف هذه الآية الكريمة عن ثلاث قواعد: القاعدة الأولى هي الوحدة الإنسانية. القاعدة الثانية هي التنوع الإنساني. القاعدة الثالثة هي التعارف بين الناس. فالتعارف هو الجسر الذي يربط بين الجماعات المتنوعة والمختلفة ولكن لا تعارف من دون معرفة. والدعوة القرآنية للناس ليتعارفوا هي لبناء مجتمع إنساني واحد ومتناغم على قاعدة معرفة المختلفين وتعارفهم.

       في الأساس الحق واحد كما يقول أبو الوليد الباجي في كتاب (أحكام الفصول في أحكام الأصول) وإن من حكم بغيره فقد حكم بغير الحق. ولكننا لم نكلف إصابته، وإنما كلفنا الاجتهاد في طلبه. فمن لم يجتهد في طلبه فقد أثم، ومن اجتهد فأصابه فقد أجر أجرين: أجر الاجتهاد وأجر الإصابة للحق. ومن اجتهد فأخطأ فقد أجر أجراً واحداً لاجتهاده ولم يأثم لخطئه».

       هذا يعني أن الاجتهاد كعمل فكري إنساني مفتوح على الصواب والخطأ. وبالتالي فإنه ليس مقدساً، وإنه ليس لأحد حقّ احتكار الصواب بالمطلق. أو حقّ توجيه اتهام الفكر المختلف بالخطأ بالمطلق. فمن أبرز صفات السماحة الإسلامية أن المفكر أو المجتهد المخطئ لا يؤثم على خطئه، بل يؤجر على اجتهاده، حتى إذا أصاب يؤجر ثانية لإصابته الحق. من هنا قول أبي حنيفة «رأيي صحيح يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب».

       في ضوء ذلك يمكن القول إن ما جاء به المجتهدون الأولون على أهميته فإنه ليس مقدساً. وليس مطلقاً. وليس ثابتاً ودائماً. ولكنه يشكل ثروة تراثية وأساساً فكرياً وخلفية فقهية للاعتماد عليها وللاستنارة بها وللقياس عليها، ولكنها  مفتوحة دائماً وبالضرورة على التطوير والتحديث والتغيير، وحتى على التخلي والإلغاء بشرط واحد، وهو أن يستند ذلك كله إلى الثوابت القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الصحيحة.

       ما كان للمجتهدين السابقين أن يتوصلوا إلى ما توصلوا إليه من استقراء للنص ومن استخراج للأحكام من متنه لو لم يدركوا أهمية الحرية الفكرية التي منحها الله للإنسان وضرورة العمل بمقتضاها، وهذا الإدراك ليس وقفاً عليهم. بل إنه حق لكل مسلم وواجب على كل عالِم مختص تتوافر فيه ولديه الأسس التي تؤهله للاجتهاد.

لا يتناقض الاختلاف مع الوحدة الإنسانية، فالعلاقة التكاملية بين الوحدة والاختلاف تبرز من خلال المبادئ الثلاثة التالية التي قال بها القرآن الكريم: التداول، التدافع، التغاير. فالتغاير والاختلاف هو القاعدة، وهي قاعدة عصية على التجاوز، تشكل الثابت الدائم في المجتمعات الإنسانية منذ بدء الخلق وحتى نهاية الزمن. ولذلك أرسى الله قاعدة التعارف المكملة لقاعدة الاختلاف والتغاير. والقاعدتان معاً، تشكلان الأساس الذي تقوم عليه الأخوّة الإنسانية التي لا سلام ولا استقرار من دونها.

تحديات علاقات الإسلام مع الآخر

       يواجه المسلمون تحديات مباشرة في علاقاتهم مع العديد من أهل الأديان والعقائد الأخرى. منها مع المسيحية في أوروبا والولايات المتحدة. وحتى في كندا وأستراليا، بسبب الهجرة إلى هذه الدول وما تسببه من صدامات ثقافية واجتماعية، ومنها مع اليهود انطلاقاً من القضية الفلسطينية وتداعياتها. ومنها أيضاً مع الهندوس منذ انقسام القارة الهندية في عام 1947 وانفجار سلسلة الحروب بين الهند والباكستان على خلفية الصراع حول تقرير مصير كشمير.

       ثم إن الإسلام يواجه تحديات في علاقاته مع دول كبرى. فهناك أزمة العلاقات مع روسيا على خلفية أزمة الشيشان، وهناك أزمة العلاقات مع الصين على خلفية تطلع إقليم سينكيانغ للاستقلال؛ وتنظر كل من روسيا والصين إلى الحركات الاستقلالية في المنطقتين على أنها حركات تمرد بإيحاء ديني وليس بإيحاء وطني. والواقع أنها قضية وطنية تحررية. ولكن لأن شعوب هذه المناطق تدين بالإسلام، فقد اتخذت في العقود القليلة الماضية الطابع الإسلامي.

       تبدو صورة العلاقات الإسلامية مع أهل هذه الأديان الأخرى سلبية وقاتمة، إذ إنها توحي وكأن المسلمين يقفون في جانب، وأهل الأديان الأخرى في جانب آخر. لكن هذه التحديات تختلف من دين إلى دين. إلا أنها جميعها لا تمتّ إلى المضمون العقائدي بصلة. إنها تنطلق من خلفيات سياسية واقتصادية واجتماعية، وحتى عنصرية.

       فالتوترات التي تهز العلاقات بين أهل الأديان المختلفة، وبصورة خاصة بين المسلمين وغير المسلمين، هي في جوهرها نتائج أحداث عفا عليها الزمن، إلا أن عواقبها لا تزال حية في الحاضر. بل إنها لا تزال قادرة حتى على صياغة المستقبل، لذلك يبدو التصدي لهذه الظاهرة صعباً ومعقداً نظراً لتداخل عدة أسباب ثقافية وتربوية واجتماعية وسياسية، وليست دينية عقدية. وإن تجلببت برداء الدين.

       من هنا أهمية اعتماد حلف الفضول ما قبل الإسلام صيغةً للتفاهم اليوم بين جماعات مختلفة من المسلمين وغير المسلمين. فالحلف من حيث إنه كان سابقاً للإسلام، أي أنه كان حلفاً بين أقوام لم يكونوا يؤمنون بالله وبرسوله، إلا أن هدفهم كان المحافظة على كرامة وحقوق الإنسان، وتحقيق السلم بين الجماعات المختلفة. كذلك من حيث إن النبي عليه الصلاة والسلام أثنى على هذا الحلف شكلاً ومضموناً، لهدفه الإنساني السلمي النبيل، ومن حيث إنه عليه السلام ذهب في الثناء عليه إلى حد القول إنه لو كان حاضراً يومها لما تأخر عن الانضمام إليه. فإن ذلك يعني أن الأسس والمبادئ، وأن الأسباب والنتائج المتوخاة من الحلف، تتماهى مع الإسلام شرعةً ومنهاجاً.

       وبالتالي فإن إضافة حلف فضول اليوم على هذه القاعدة السامية بين جماعات إنسانية متعددة العقائد والثقافات من أجل تحقيق هدف إنساني نبيل يتمثل في تعزيز السلم، ومدّ جسور المحبة والثقة والتعارف والتعاون بينها، لا يتوافق مع الإسلام فحسب، ولكنه يشكل قاعدة من قواعد تعامل المسلمين مع شعوب العالم المختلفة في مشارق الأرض ومغاربها.

       قد تساعد هذه المقاربة الجديدة والجريئة التي استعادها العلامة الشيخ عبد الله بن بيه، قد تساعد الفكر الإسلامي الحديث على «إعادة ترتيب الماضي بطريقة تجعل ذكرياته تكف عن كونها عبئاً على الحاضر»، كما يقول عالم الاجتماع الألماني بيرنهارد شلنك.

       ولقد ذهب المؤرخ الألماني هيرمان هايمبل إلى أبعد من ذلك عندما قال إن «ألمانيا بحاجة إلى ثقافة التغلّب على الماضي»؛ وهو ما يحتاج إليه المسلمون في إعادة بناء علاقاتهم مع دول وشعوب العالم المختلفة.

ولكن في ثقافة حلف الفضول ليس فقط تغلباً على الماضي، بل تصحيح للحاضر، وإرساء لقواعد تفاهم وتعاون من أجل بناء غد أفضل للمسلمين وللإنسانية جمعاء.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية