فقه المعاملات والمواثيق في الإسلام

إن موضوع الملتقى الخامس "حلف الفضول: فرصة للسلم العالمي" لهام جداً نظراً إلى أنّ العالم الاسلامي، بل العالم كله يواجه في هذه الأيام ظروفاً قاسيةً ساخنةً من إراقة الدماء والظلم والجور، ففي هذه الآونة الحرجة يمكن أن يجعل "حلف الفضول" جسراً للسلم العالمي، وأساساً نموذجياً لحلّ كثير من القضايا العالمية .

       وإنّ محاور هذا الموضوع خطيرة بالغاية، وكل محور يتضمن موضوعات عديدة، وسوف أتناول في هذه السطور أحد موضوعات المحور الثاني وهو "فقه المعاهدات والمواثيق في الإسلام".

 

معنى المعاهدة والميثاق في اللغة

       المعاهدة مشتقة من العهْد. وهو كل ماعُوهِدَ اللهُ عليه وكلُّ مابين العبادِ من المواثِيقِ وهو العهد [لسان العرب 3/ 311]، والمِيثاقُ: أيضاً العهد، وهو مِفْعال من الوَثاقِ، وهو في الأَصل حبل أَو قَيْد يُشدّ به الأَسير والدابة. [النهاية في غريب الأثر - لابن الأثير] ومنه قوله تعالى: ﴿وميثاقه الذي واثقكم به﴾. (المائدة:7). ولقد ورد العهد في عدة معان في القرآن الكريم: فمنها العقد والميثاق.

       أما الفرق بينهما فإنّ العهد إلزام والتزام سواء كان فيه يمين، أو لم يكن، والميثاق: هو العهد المؤكد باليمين. وقال بعضهم: العهد يكون حالاً من المتعاهدين، والميثاق يكون من أحدهما - (معجم الفروق اللغوية للجزائري).

       دلت آيات مباركة كثيرة وأحاديث طيبة عديدة على مشروعيــــة العهـــد والميثاق في الشريعة الإسلامية. فقـــال الله تعــــالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنفال: 41)، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾(الإسراء: 43).

       وعن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده: عن رسول الله  قال: «الصلح جائز بين الناس» [المعجم الكبير 17/ 22].

للعهود والمواثيق في الإسلام قيمة وأهمية وحرمة مقدسة يجب احترامها، وإن الوفاء بالعهود والمواثيق خلق كريم وفضيلة عظيمة من الفضائل التي حث عليها الإسلام ودعا إلى التحلي بها، وأكد عليه تأكيداً شديداً، وجعل مِن ألزم صفات المؤمن الصادق أنه إذا وعد أوفى، وإذا عاهد صدق، وبالمقابل وصف المنافق بأنه إذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر، وقد وردت في ذلك نصوص كثيرة من القرآن والسنة.

       فمن نصوص القرآن الكريم التي يحّتم الوفاء بالعهد وعدم نقضه، وتحذر من الخديعة  فيه،: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 76]، ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ • الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ [الرعد: 19، 20]، ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ • وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل:91، 92]

       ومن نصوص السنة النبوية في ذالك: عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَرَأْتُ كِتَابَ رَسُولِ اللهُ  الَّذِي كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ عَلَى نَجْرَانَ، وَكَانَ الْكِتَابُ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللهُ : هَذَا بَيَانٌ مِنَ اللهُ وَرَسُولِهِ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾( سنن النسائي (8/ 59)

       وعن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أنني خرجت أنا وأبو الحسيل، فأخذنا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدًا؟ فقلنا ما نريده، وما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننطلق إلى المدينة، ولا نقاتل مع محمد، فأتينا رسول الله  فأخبرناه الخبر فقال: «انصرفا، نفي بعهدهم، ونستعين بالله عليهم» (رواه مسلم).

       وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : «أربع من كن فيه كان منافقا خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» (رواه البخارى، ومسلم )

       ومن ذلك يتبين لنا أن المسلمين مأمورون بالوفاء بعهودهم إلاّ إذا نقض العدو عهدهم معهم، ففي هذه الحالة يكون للمسلمين حق أن يقاتلوهم كما فعل النبي  مع أهل مكة عندما نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي -- فخرج عليه الصلاة والسلام لقتالهم دون أن ينبذ إليهم.

شروط صحة المعاهدة

       لاشك أنّ الإسلام أجاز المسلمين في إنشاء المعاهدات بينهم وبين غيرهم لأغراض شتى لكن هناك شروط يجب توفرها في المعاهدات لصحتها، و نذكر بعضاً منها فيما يلي:

ألاّ يكون شرط من شروطها مخالفاً لشريعتنا الإسلامية العامة التي بها قوام الشخصية الإسلامية وقد جاء في ذلك قوله : «المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً، وأحل حراماً، والصلح جائز بين الناس إلا صلحاً أحل حراما، أو حرم حلالاً»، [المعجم الكبير 17/ 22] (التيسير بشرح المجامع الصغير للمناوى:2/456)

وأن لا تكون خلاف مصالح المسلمين. قال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: «ولا يجوز ذلك إلا على وجه النظر للمسلمين وتحصيل المصلحة لهم»[الكافي في فقه ابن حنبل 166،4]

كذلك أن تتم الشروط باتفاق من الجانبين، ومِن هنا لا يرى الإسلام قيمة لمعاهدة تنشأ على أساس القهر والغلبة.  (شرح السير الكبير 1: 1712) و (المعجم الوسيط:2/634).

       أما العهود والمواثيق التي جرت في عهد الرسول فكان أكثرها بعد البعثة إلا أن العهد الذي هو معروف بحلف الفضول حيث كان قبل البعثة والتفصيل فيه كثير، وأود أن أذكره بالاختصار، وهو ما يلي:

       ذكر العلامة الجصاص في جامعه: «ذكر ابن اسحاق: اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان لشرفه ونسبه، فتعاقدوا، وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول».

       وروى ابن إسحاق عن ابن شهاب قال: قال رسول الله: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم لو أدعى به في الإسلام لأجبت» (الجامع لأحكام القرآن:10/ 151)

والعهود التي جرت في عهد بعد البعثة كثيرة متنوعة، فمثلاً:

- عهود ومواثيق أخذها الرسول على الصحابة.

- عهود ومواثيق أخذها الرسول على اليهود.

- عهود ومواثيق أعطاها الرسول لبعض النصارى.

- عهود ومواثيق كانت بين الرسول لبعض قبائل العرب من المشركين والكفار.

 

معاهدة الأمم المتحدة

       إن الأمم المتحدة منظمة عالمية قد تأسست لتحقيق السلام والأمن في العالم وحل النزاعات الدولية بالطرق السليمة، وإنماء العلاقات الوُدية المتبادلة بين الأمم، وتحقيق التعاون الدولي على تعزير احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً.

       ولا شك أن لها دورها الذي لعبته فى تحقيق هذه الأهداف النبيلة، ولكن المؤسف أنها لم تستطع أن تحقق إنجازها في عديد من القضايا العالمية الهامة كأمثال قضية كشمير المحتلة وفلسطين العزيزة وأفغانستان وغيرها.

فلو أنّ الأمم المتحدة اتخذت «حلف الفضول» فرصةً للسلم العالمي لاستطاعت تحقيق أهدافها السامية وغاياتها النبيلة بإذن الله تعالى عز وجل.

 

ثمرة فقه هذه المعاهدات

       تبين لنا من فقه هذه المعاهدات التي ذكرناها جواز عقد معاهدة سلام وأمن وأهمية إيفائها، وتبين أيضاً أنها مفيدة للصعيد الفردي والاجتماعي على السوية، في ضوء «حلف الفضول» وعهود ومواثيق أخرى أعطاها الرسول في مختلف الفرصات والمواقع، وقد اشتدت الحاجة إلى أمثال هذه المعاهدات والمواثيق في الوقت الراهن وأوضاعه المعاصرة الساخنة لا على صعيد الدول الإسلامية فحسب، بل على صعيد الأمم المتحدة.

       لا شك أن المنظمات الحاضرة التي تسعى إلى إقرار وتحقيق السلام وإقامة الهدنة في جميع العالم وإيصال حقوق الناس إليهم مساعيها مشكورة، لكن لا يتحقق شيء من ذالك إلاّ عن هذا الطريق الذي قدمناه في ضوء الاسلام.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية