حلف الفضول .. رؤية راهنة في المفاهيم والقيم

ماذا نقصد بحلف الفضول؟ وأي قيم يقوم عليها؟ وماذا يعني لنا تاريخياً؟ ثم كيف يمكن الاستناد إليه في تعزيز ثقافة الحقوق؟ وأين هو من الفكرة الكونية لحقوق الإنسان المعاصرة؟

       أسئلة طالما طرحتها على نفسي حيث كنت أعيش في الغرب (لندن) قبل أكثر من ثلاثة عقود ونصف من الزمان، وقد حاولت أن أقارب فكرة «حلف الفضول» من هذه الزوايا المختلفة والمتنوّعة، خصوصاً حين ازداد الاهتمام بقضايا المجتمع المدني وحقوق الإنسان على المستوى العالمي منذ أواخر الثمانينات، فكان رصيدها كبيراً ومؤثراً، بل أصبح مقياساً لدرجة  تقدّم البلدان والشعوب، وكانت الدول تتسابق لإظهار مدى احترامها لحقوق الإنسان، وتتبارى لإظهار مدى تأثير رافدها الثقافي في الفكرة الكونية، دليلاً على رقيّها وتحضّرها. وكلّما كان الحديث عن الخصوصية الثقافية والمساهمات المتميّزة لبعض البلدان والشعوب يعلو، كان شغفي وقناعتي تزداد بأهمية «حلف الفضول» الذي يمكن اعتباره أحد المرجعيات الأساسية للحركة الكونية لحقوق الإنسان تاريخياً لما احتواه من قيم ومبادئ عالمية وشمولية تخصّ الإنسان بغض النظر عن دينه وقوميته ولونه ولغته وجنسه وأصله الاجتماعي.

 

حلف الفضول: قراءة راهنة

       على الرغم من الأبعاد التاريخية فإنّ ما يجمع بين الثقافات المختلفة في إطار الحضارة الموحدة هو الدفاع عن حقوق الناس وردّ الظلم وإحقاق الحق، وتلك هي الغايات والأهداف العامة، أما الوسائل فقد اختلفت باختلاف التطوّر التاريخي، وحتى فكرة الحقوق ذاتها فقد تطورت واتسعت وهي في تطور دائم ومستمر.

ولكن للمفهوم والفكرة المدافعة عن الحق جذورها في التاريخ الإنساني للبشرية، وهي لم تبدأ الآن، وإنْ كانت الرؤية المعاصرة مهمة في بلورتها وصياغتها وتطويرها، لكن جذورها عميقة في التاريخ وفي الثقافات المتنوعة لدى الأمم والشعوب.

       ولهذا يمكن القول إن فكرة حقوق الإنسان لم تبدأ مع الأمم المتحدة و»الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»، وإنما جاءت هذه الوثيقة تتويجاً لتطور تاريخي امتدّ لقرون وتراكماً لأديان وفلسفات وأفكار لأنبياء ومفكرين ومصلحين.

وتجسّدت الفكرة في القرن العشرين بعد حروب عالمية وضحايا كونية ومحق لملايين البشر، وقد صدر خلال الـ 70 عاماً الماضية ما يقرب من 100 معاهدة واتفاقية دولية في مجالات الحقوق  المختلفة أهمها «الشرعة الدولية لحقوق الإنسان»، لكن حلم البشرية في عالم أكثر تسامحاً وعدالة وإنسانية واحتراماً للحقوق ظلّ هاجساً دائماً ومستمراً.

       وتكتسب الذكرى الـ70 لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هذا العام أهمية خاصة حيث تحتفل البشرية جمعاء بهذه المناسبة، وتظهر الدول منجزها على هذا الصعيد، وعلى الرغم من اقتراب الذكرى إلّا أن الفاعليات والأنشطة العربية والإسلامية لا تزال دون مستوى الطموح، على المستويين الرسمي وغير الرسمي باستثناءات محدودة.

 

الازدواجية «المزدوجة»

       تنحو بعض الحكومات والحركات السياسية باللائمة على الغرب الذي يريد استغلال قضية حقوق الإنسان لأهداف سياسية أنانية ضيقة، فالفكرة وإنْ بدت نبيلة... إلّا أنها تُستخدم أحياناً لمصالح خاصة وبطريقة انتقائية، وتزخر السياسة الدولية بالكثير من الأمثلة لمساعي القوى المتنفذة لبسط هيمنتها وإملاء إرادتها على الدول النامية بشكل خاص تحت يافطة «حقوق الإنسان»، إلّا أن ذلك لا يمثّل كل الحقيقة.

       فهناك انتهاكات للحقوق وتجاوز على الحرّيات لابدّ من التأشير إليها، أولاً- لكي لا يتم التعكّز عليها لممارسة ضغوط من جانب القوى الكبرى لإملاء إرادتها، والعمل الجاد والمثابر لسدّ النواقص والثغرات في هذا الملف الشائك والمعقّد كي لا يُستخدم ذريعة  وثانياً- لا يمكن تبرير محاولات فرض الهيمنة للتملّص من استحقاقات الفكرة والالتزامات المترتّبة عليها، بل يقتضي تفويت الفرصة على «القوى» المتربّصة، وذلك بالالتزام بالحقوق وبتوسيع دائرة الحريات والمشاركة.

ويعتبر البعض الآخر الفكرة مجرد «بدعة» غربية وربّما اختراع مشبوه أساساً، لا يستهدف سوى تحطيم العرب والمسلمين وإذلالهم وإخضاعهم، ويذهب البعض الآخر من الحكومات والتيارات الفكرية والسياسية إلى معارضة الفكرة الكونية لحقوق الإنسان من منظور «ثقافي» تحت مبرّرات «الخصوصية الثقافية»  والقومية  والخصائص الدينية والمحلية، وهي وإنْ كانت غاية في الأهمية إلاّ أنها لا ينبغي أن تستخدم ذريعة للتنصّل من الالتزامات والمعايير الدولية، التي تتضمنها «الشرعة الدولية». وإذا كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد ارتدى الثوب الغربي لكنه بالمحصلة جاء نتاج تفاعل الحضارات والثقافات والفلسفات الإنسانية على مرّ التاريخ.

       فالخصوصية الثقافية والروافد الفكرية للشعوب والتكوينات الإثنية والدينية والتراث التاريخي للأمم والبلدان لا تتعارض مع تأصيل فكرة حقوق الإنسان على المستوى الدولي، بل يفترض فيها الإضافة والرفد والتعميق، وليس التعارض والتنافر والتنازع، بحيث يكون كل ما هو دولي يمثّل توازن الثقافات والحضارات وقاسماً مشتركاً للأمم والشعوب.

 

من التراث الحقوقي

إذا كان البريطانيون يفخرون بوثيقة الماغنا كارتا Magna carta» العهد العظيم» الصادرة عام 1215، الأمريكيون بإعلان الدستور عام 1776، ويعتبرونه النواة الأساسية لحقوق الإنسان، والفرنسيون بوثيقة «حقوق الإنسان والمواطن» بعد الثورة الفرنسية 1789 ويعتبرونها الانطلاقة الأولى لحقوق الإنسان، والروس، بمبادئ الثورة الاشتراكية عام 1917، خصوصاً ما له علاقة بحقوق الإنسان الجماعية وحق الشعوب في تقرير المصير، فمن حق العرب والمسلمين  الاحتفاء بـ «حلف الفضول» كأول رابطة لحقوق الإنسان في العالم.

وإذا عدنا إلى بطون التاريخ سنرى كيف أسهمت الحضارتان اليونانية والرومانية في رفد الفكرة القانونية والحقوقية الخاصة بحماية حقوق الإنسان، حتى وإن اقتصرت على فئة محددة، «طبقة النبلاء» أو «الأحرار»، لكنها كانت تتضمن بعض أسس إيجابية لحماية  الإنسان وحقوقه في ظل التمايزات الاجتماعية السائدة آنذاك، وحسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس « الإنسان مقياس كل شيء»، ولكن إسهام الحضارتين الصينية والهندية كان كبيراً، خصوصاً عن أفكار التاو والفيلسوف لاوتسه وبعده الفيلسوف كونفوشيوس، كما لعبت الديانة البوذية دوراً كبيراً في نشر قيم السلام والتسامح.

أما الحضارة العربية – الإسلامية فلها رافدها الذي لا بدّ من الاعتزاز به في الإسهام بأفكار حقوق الإنسان الكونية، تلك التي هي نتاج تواصل الحضارات القديمة التي عاشت على أرض الرافدين وأرض النيل، خصوصاً أن شريعة حمورابي اكتسبت شهرة عالمية لا تضاهيها أية منظومة قانونية وحقوقية.

حلف الفضول:  ضوء معاصر

الحلف هو أقرب إلى منظمة مجتمع مدني بتوصيفاتنا المعاصرة، فهو منظمة طوعية وغير رسمية ولا تستهدف تحقيق الربح وتعتمد العلنية والسلمية طريقاً لتحقيق أهدافها وتقوم على نوع من الاستقلالية، وتلك بعض مواصفات مؤسسات المجتمع المدني المعاصرة.

جوهر فكرة الحلف

إن تبنّي مفهوم فكرة «حلف الفضول» الذي يقوم على رفض الظلم والتمييز مهما كان نوعه هو رد على بعض الاتجاهات السائدة والمتنفذة في الغرب التي تعتبر العرب والمسلمين وكأنهم في تناقض كلّي مع فكرة التسامح وحقوق الإنسان، وذلك بحكم الفطرة والتكوين والبيئة والدين دعاة تعصّب وتطرّف وعنف وإرهاب، كما أن إحياء الفكرة في الوقت نفسه بمثابة ردّ على الجماعات المتعصّبة والمتطرّفة التكفيرية والإرهابية، التي تدّعي الأفضليات وامتلاك الحقيقة ولا تعترف بالآخر وبالتنوّع والتعددية.

وإذا كان في الغرب ثمة اتجاه ضد الإسلام والمسلمين بزعم حالة حقوق الإنسان في عالمنا العربي والإسلامي، وهو بشكل عام سجل فيه الكثير من الانتهاكات  حسب تقارير منظمات دولية معتمدة مثل منظمة العفو الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان والمنظمة العربية لحقوق الإنسان وغيرها، لكن ذلك لا يعطيها مبرراً أو ذريعة إذا افترضنا حسن النيّة  لفرض إرادته وتوجهاته وقيمه على مجتمعاتنا ودولنا، وعلينا ألّا ننسى المصالح التي في غالب الأحيان تتقدّم على المبادئ والقيم في السياسات الغربية.

إن المبادرة بدعوة العالم للنظر إلى الإرث الثقافي العربي والإسلامي في ميدان حقوق الإنسان أسوة ببقية الأمم والشعوب، بدأت تحظى بالاهتمام من جانب نخبة من المفكرين والمثقفين والحقوقيين العرب، وآن الأوان لتعبئة الجهود العربية الرسمية بما فيها جامعة الدول العربية لوضعها موضع التطبيق من جانب الأمم المتحدة، وهو ما يساعدنا لدخول عالم الحداثة والمدنية والتقدم بثقة أكبر، خصوصاً أننا نحمل إرث ثقافة حلف الفضول.

الخطوة الأولى تبدأ من إقرارنا عرباً ومسلمين بحلف الفضول وتأكيدنا لأصالته وتعميمنا لثقافته، التي اكتسبت بُعدها الإنساني والتاريخي بالتعاليم السمحاء للقرآن الكريم، وبما ينسجم مع روح العصر والتقدم الحضاري للإنسانية، والخطوة الأهم تبدأ من أنفسنا باحترام حقوق البشر (دون تمييز) وحق الاختلاف والتنوّع قبل أن نطالب الآخرين.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية