سبق القول والعمل في تجسيد حقوق الإنسان

       مطلع الشهر المقبل (الأسبوع الأوّل من ديسمبر) تحتفل المنظمات الحقوقية بذكرى صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ولا يفوت في هذه المناسبة؛ العديد من شعوب العالم، التحدّث عن دورها الحضاري والثقافي، في بثّ القيم السامية والنبيلة، التي تحفظ للكائن البشري مكانته الجليلة في عيشٍ حرّ وكريم. فيحرص الفرنسيون على التذكير بثورتهم عام (1789) وإعلان حقوق الإنسان في الحرية والإخاء والمساواة. وكذلك الأمريكان لا يفوتهم التباهي بما جاء في دستورهم الصادر عام 1776 في حفظ هذه الحقوق، كما لا يغيب البريطانيون عن التفاخر بـ«الماغنا كارتا» عام 1215 وفي ما بعد الحركة الغارتية، وغيرهم وغيرهم ..

 

       في حين يبقى الصوت العربي الغائب عن أي تفاخر أو مباهاة؛ رغم ما قدمه أجدادنا، الذين كانت لملامحهم الحسنى قصب السبق في مرايا حقوق الإنسان، وفي الذود عن حياض الإنسانية وعن هامتها؛ حتى قبل البعثة النبوية، فعلى ذاكرة خرائط العرب الحقوقية «شريعة حمورابي» وقوانينها الضاربة في القدم، وكذلك «دار الندوة» و»حلف الفضول»، الذي نهض به الزبير بن عبدالمطلب؛ لإغاثة مظلوم يمني، ونصرته على أحد أبناء سادة قريش، (لن نتوسع في القصة لأنها معروفة). ولكن لا بُد من الإضاءة على أهم ما جاء في الحلف، مثل: حماية أي مظلوم من أهالي مكة، أو ممن جاء إليها، أو مرّ بها والوقوف إلى جانبه والدفاع عنه حتى يحصل على حقه. ما يعني حرص المتحالفين على السعي إلى نشر المبادئ الإنسانية السامية والرفيعة داخل المجتمع المكي، وتعزيز قيم الأخوة والتآزر والتضامن والتكافل والتعاون على حب الخير ونشر الفضيلة. والمتتبع لهذه المقررات سيلاحظ ـ رغم مجيئها قبل الإسلام وبعثته النبوية بعشرين سنة ـ إلاّ أنها تتوافق مع جوهر الدين الحنيف. وهذا ما جعل الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام يباركه، ويبدي استعداه للإجابة إلى مثله في الإسلام. وهو القائل حين بلغه التكليف الإلهي بالرسالة الإسلامية السماوية: «وإنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وهي الخلاصة التي قام عليها «حلف الفضول»، وهي جوهر مُنطلقه إلى فضائله التي كُنّي بها، والتي نستقي منها مقداراً عالياً وكبيراً من السّمو الأخلاقي الذي تتحلّى به قبائل مكة وعموم الجزيرة العربية. كما نستقي منها مقداراً رفيعاً من الوعي ومن ملامح الثقافة التي تتشكل منها شخصيتها على الصعيد الفردي والجماعي أيضاً.

       فلكلّ قبيلة شيوخها وحكماء مجالسها وشعراؤها الذين يمثلونها في سوق عكاظهم الشعري، وفي معلقاته المُزَيّنة بجزيل القول، وبلاغة العبارة، وجمال الصورة، علاوة على سوية من المعارف والخبرات التي أنتجوا منها مواثيق وعهوداً، أضافت قيمة حقوقية قانونية وإنسانية اتفقوا عليها في دار الندوة، ثم في حلف الفضول، وغيره من المآثر الأخرى. وهذا كله تقوم الأبعاد الدلالية في صورته لتعبّر على نحوٍ جلي عن خصوصية أخلاقية وقيمية لا يمكن لها أن تتبدى في مجتمع يفتقر إلى المعرفة.

       وهذا كله لم يكن غريباً عن العرب وعن أعرافهم بل هو من صميم ما تربت عليه القبائل العربية ومجتمعاتها قبل الإسلام، لذلك انبثق عنها ومنها ميثاق «حلف الفضول»؛ بمبادئ لم يختلف معها الدين الحنيف نفسه بل أكد عليها وعمّمها، وطالب سائر المؤمنين بتعاليمه الالتزام بها، بعد أن أقرّها واعتبرها من مكارم الأخلاق، وهو ما يعد دليلاً قاطعاً على رقي منبعها الثقافي. وفي هذا تأكيد إضافي وجديد على أنّ الملامح السامية والجميلة هي صفات رئيسة ومتأصلة في شخصيتهم الاجتماعية، وهي التي ساقتهم منذ ذلك العهد البعيد إلى الالتقاء من أجل حفظ حقوق المستضعفين الإنسانية للمقيمين في مكة، كما للزائرين والعابرين. وتمكنوا بفضل هذا الالتقاء تقديم ما يمكن اعتباره أقدم وثيقة حقوقية، علينا استعادتها من ماضيها الغارب؛ ليبلغها ضوء الحاضر الذي يساعدنا في إشهارها أمام أعين أعلى المؤسسات الحقوقية العالمية؛ لأن فيها جزء عزيز وجميل من ملامح أجدادنا ـ التي هي في النهاية بعض من ملامحنا ـ والتي يتأكد منها ريادتنا العربية في مجال حقوق الإنسان، كما يتأكد منها شراكتنا الأصيلة والفاعلة في بناء الحضارة الإنسانية، وفي شتى ميادين النهضة على اختلافها وتعددها. وفي هذا السياق لا نستطيع أن نخفي ما يصيبنا من أسى ونحن نطالع الأدبيّات الرسمية للأمم المتحدة؛ لأنّها رغم الطابع الدولي لإعلانها العالمي لحقوق الإنسان،  بقيت تكرّس، ومنذ عام 1948، دولاً وجهات محدّدة على نحوٍ انتقائي وكأنّها أحادية الطابع أو كأنّها تخصّ أقواماً دون آخرين، إذ من النادر أن لا نجد ذكراً لوثيقة (الماغنا كارتا) الإنكليزية، أو وثيقة «الثورة الفرنسية»، فيما لا نجد أية إشارة إلى «حلف الفضول» رغم أسبقيته التاريخية على تلك الوثائق بأكثر من ألف عام؛ لأنّ انعقاد الحلف تمّ عام (590) ميلادي على وجه التقريب، ومع ذلك لم نعثر على أية وثيقة عربية أو غير عربية في تلك الأدبيات الأممية التي تشرح المراحل التاريخية التي مرّ بها تطور شرعة حقوق الإنسان. فهل نتساءل عن الجهة أو الطرف الذي يدفع بهذه الأسبقية العربية نحو الغياب؛ لتخلو ساحة الحضور له وحده.. فلا يرى فيها غير ذاته وذات أجداده!! أم أنّه من العبث إلقاء التهم والعتب كلّ مرة على الغير، وعدم الاعتراف بتقصيرنا في إبراز إنجازات أجدادنا العظيمة، وأخذ زمام المبادرة للإضافة عليها، حتى نحقق الشراكة الحقيقية مع الآخر الإنساني المتقدم، ونساهم معه في بناء ما يليق بالإنسان المعاصر، وما يسمو به في حياة حرّة كريمة. ولعلّ ما يقوم به «منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة»؛ برئاسة معالي الشيخ عبدالله بن بيه، حيث يكرّ ملتقاه السنوي الخامس تحت عنوان «حلف الفضول : فرصة للسلام العالمي، وهو يواصل ما بدأه في واشنطن فبرير الماضي (2018)، حيث قدّم للبشرية «إعلان واشنطن»، الذي أطلق تشكيل «مؤسسة حلف الفضول»، بحضور ممثلين عن الديانات الإبراهيمية؛ معلناً عن خارطة طريق تقوم على صناعة ثقافة التسامح وتعزيز السلم العالمي على أسس التلاقي والاعتراف بالآخر، وعدم تجاهل ما قدمه إلى عموم المجتمع البشري، الذي يتأكد منه تكامل الحضارة الإنسانية، التي تَشكّل كامل قوامها بفضل تراكم إنجازات سائر الأمم، وعبر أزمنة تاريخية متعددة ومختلفة. وتسمية هذه المؤسسة العالمية بحلف الفضول من قبل فضيلة الشيخ ابن بيه لم يأتِ عفو الخاطر، بل جاء قصداً مقصوداً؛ لأخذ نبض ذاك الحلف العربي ـ الساكن في ماضيه البعيد ـ من هامش التجاهل والدفع به إلى حاضر متن الاعتبار، وتقديم نسغ الحضور والحياة إلى جذوره؛ لإحياء شجرة مبادئه على الصعيد الإنساني، والانضمام بثماره إلى المحيط الناشد للسلام والعدل؛ للتأكيد لدوله وجماعاته وأفراده، أنه لنا في مرايا العدل ملامحنا الْحُسْنى، وأنّ لأجدادنا سبق القول والعمل في تجسيد حقوق الإنسان وريادة الدفاع عنها.  وهذا يُلقي علينا نحن العرب ـ دولاً وأفراداً ـ مسؤولية عقد العزم على عدم إضاعة ما أنجزه الأجداد وضرورة متابعة هذه الإنجازات؛ بالإضافة عليها، من خلال فعل معاصر نؤكد عبره أصالة وحداثة أثرنا فيما بلغته الحضارة البشرية ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. وكما أننا لا ننكر فضل الأمم فيما أنجزته، وقدمته للحضارة الإنسانية، فإنّه من أجل إبراز الحقيقة بكل وجوهها ومظاهرها، لا بدّ من الاعتراف بما قدّمه أجدادنا في وقت مبكر لهذه الحضارة ذاتها، لا سيما في مجال حقوق إنسانها، وفي المجالات المتعددة الأخرى. فما بلغته هذه الحضارة برمتها مبني على تكامل جهود سائر الأمم، في سائر المعمورة منذ فجر التاريخ وحتى اليوم.

       ولعلّ من نافلة القول أن نؤكد أنّ العقل العربي ـ حتى في عصره الجاهلي القلق ـ استطاع أن يحرز سبق إنتاج ثقافة حقوق الإنسان، ويجسد أحد أروع الأمثلة الأممية التاريخية على صيانة عرضه وحفظ ماله واحترام حرياته، كائناً من كان، من خلال هذه المحطة الهامة في تاريخ حقوق الإنسان؛ فكيف تأسس حلف الفضول؟ ولماذا زكاه النبي ؟

       يروي المؤرخون وأصحاب السير أنه لم تكد «حرب الفجار» ـ حوالي 591م ـ تضع أوزارها بين كنانة وقيس عيلان حتى وجد المجتمع المكي نفسه مضطراً لمواجهة آثار تلك الحرب البشعة وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية المختلفة، وتبعاتها الماثلة، في بيئتها المحلية القلقة ومحيطها من الامبراطوريات العنيفة.

       وفي هذا السياق حدث أنّ رجلاً يمانياً قدم إلى مكة ببضاعة فاشتراها منه أحد رجال المال والجاه في المجتمع الجاهلي بمكة، وحبس عنه حقه، فاستغاث، وأجابه أهل الفضل. وكان ذلك سبباً في قيام الحلف بالاتفاق على أن يكونوا يداً واحدة مع كلّ مظلوم على كلّ ظالم؛ حتى لا يضيع حقّ في بطاح مكة. وفي ذلك قال  مزكياً الحلف: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت».

       وهكذا نلاحظ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد تجاوز الإشادة بالحلف وتزكيته إلى إبداء استعداده ومد يده الشريفة لجميع الحكماء والعقلاء على تعدد مللهم ونحلهم وتبيان دياناتهم واختلاف ألوانهم وثقافاتهم. ما يعني أنّ «الإسلام يزكي الفضيلة أياً كان مصدَرُها ومصدِّرها، وأياً ما يكن منشؤها ومُنشِئها» وأنّ «الدين واختلافه لا يقف حاجزاً دون التعامل معها، ولا يقف حائلاً دون مدّ اليد إليها» كما يقول مولانا الشيخ عبد الله بن بيه، الذي يرى «أنّ الفضيلة هي مرحلة متقدمة لحقوق الناس وأنّها طور جديد من تطور حقوق الإنسان».

       ولما بعث النبي بالإسلام جاءت رسالته الخالدة مفعمة بالعديد من النصوص التي تحثّ ـ جملة وتفصيلاً ـ على احترام سائر أنواع الحقوق، ومنها مبدأ تكريم الإنسان. وهذا يبين مدى رسوخ حقوق الإنسان في الإسلام وتجذرها في الثقافة العربية وقِدمها في الحضارة الإنسانية إلى درجة تؤهل العقل العربي للمشاركة الفعالة في مجال حقوق الإنسان؛ بل وتشعره بمسؤوليته التاريخية عن الإنسان وحقوقه والبشر وكرامتهم؛ ليأخذ زمام المبادرة نحو وضع دولي أكثر عدالة وإنصافاً، وأكثر قابلية للتسامح والتعايش والتكامل الثقافي والتفاعل الحضاري، للمساهمة في وجود بيئة دولية وعالمية أكثر أماناً وسلاماً ومحبة وطمأنينة وسعادة لأبناء البشرية جميعهم.

       وإذا كانت البيئة الجاهلية العنيفة، ومحيطها الامبراطوري القاسي قد فرضا في تلك الفترة ضرورة قيام حلف الفضول؛ فإنّ حالة الاقتتال العربي وإراقة الدماء المسلمة، واتسام البيئة الدولية اليوم بثلاث سمات بارزة؛ هي أولاً: «وصول الإنسانية إلى تقدم تكنولوجي غير مسبوق في التاريخ البشري المعروف. وثانياً: أنّ هذا التقدم التكنولوجي أوصل البشرية إلى قدرة على التدمير الذاتي غير مسبوقة في التاريخ. وثالثاً: أنّ البعض قد يكون مستعداً لارتكاب هذه الحماقة». هذا بالإضافة إلى «شعور العالم بالمأزق الذي أصبح فيه وانتشار حالة من القلق وعدم اليقين والثقة» كما يرى معالي الشيخ عبد الله بن بيه، فإنّ ذلك يملي تحالف القيم ويؤكد ضرورة البحث عن «أولي بقية من مختلف الديانات والمشارب والمذاهب من أجل إنشاء حلف فضول عالمي جديد، لإعادة القيم المشتركة في حياة الناس وهي: العدل والوفاء والصدق والحق، وسائر الفضائل والخصال المنبثقة منها؛ من كل ما يزكيه العقل ويشهد له النقل (...) كالرأفة والرحمة والإيثار والحب والأخوة»، داعياً «البشرية إلى ركوب سفينة القيم لأنها آخر ملاذ لنجاتها، وأن تعاد لحياتهم بعد أن دقّ الفلاسفة ناقوس الخطر» كما يقول الشيخ المجدد.

       وفي الطريق نحو إنشاء حلف فضول عالمي جديد يستحضر العلامة عبد الله بن بيه قيمة حلف الفضول وتزكية النبي  له، مبرزاً منابع ومصادر القيم في الإسلام، مستنبطاً قواعد إسلامية رصينة ترشد إلى إنشاء تحالف للقيم، يمكن أن يقود البشرية إلى رفع الظلم وإرساء قواعد جديدة للتعايش والتسامح، وتكريس حقوق الإنسان والسلام الدائم على أرضية القيم المشتركة، باحثاً عن توسيع دائرة المعايير الأخلاقية والفضائل الإنسانية التي تجمع البشرية، ثم عن أولي بقية من شتى عقلاء الأمم وحكماء العالم، مسترشداً بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ (سورة هود 116)، ومستعيناً بتجاربه الشخصية المتعددة الأبعاد، ومعرفتة المقاصدية الواسعة، وقدرته الفذة على التأصيل الشرعي والتجديد الفكري الديني؛ فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان، انطلاقاً من الكليات الخمس؛ ضمن دائرة المقصد الضروري، كما يبين ذلك في محاضرة «تحالف القيم» من الدروس الحسنية.

       وانطلاقاً مما سبق تتبين أهمية حلف الفضول ومركزية مضمونِه وبنودِه في منظومة حقوق الإنسان، ومكانةُ هذه المنظومة في الإسلام، وتجذرُ الحقوق في العقلية العربية والثقافة الإسلامية، وتعددُ فرص الاستفادة من حلف الفضول؛ كوثيقة مرجعية هي الأقدم في تاريخ حقوق الإنسان وماضي التضامن والتعايش بين بني آدم، حين توجد بصائر ثاقبة وإرادات صادقة، تسعى لإحياء وتجديد تلك القيم، من خلال حلف فضول عالمي وأممي جديد، يسعى لإيجاد فرص للسلم العالمي والتعايش الإنساني، كما هو عنوان الملتقى السنوي الخامس لـ«منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة»، الذي عقد في ديسمبر في أبوظبي تحت عنوان: حلف الفضول: فرصة للسلم العالمي.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية