حلف الفضول: المفاهيم والتصورات

تذكر كتب السيرة أن حلف الفضولِ عُقد قبلَ نحوِ عشرين سنةً من بعثة الرسول، عليه الصلاة والسلام، وتتفق على أن سببَه الخاصَّ كان تظلُّمَ وافدٍ غريبٍ، من شريفٍ مكي غصبَه بضاعةً ابتاعها منه فنَاكَرَهُ الثمنَ. وفي بعض الروايات أن تاجراً قدم مكة ومعه ابنة له، فغلبه عليها سهميٌّ، فنادى التاجرُ بحلف الفضول فردوها عليه، وزجروا السهمي على عدوانه.

 

       ومع اختلاف الروايات في تفاصيل سبب الواقعة، يمكن أن نقول: إن استشراءَ الفساد في المجتمع المكي حينَ انقطاعِ الوحي قرابة ستة قرون، أيقظَ ضمائر أولي بقية من العقلاء، كانوا من العرب على مثل السلطان الضابط، وعلى إرث من دين أبويهم إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، من تعظيم الحَرم ومنع البغي والإلحاد فيه، وقمع الظالم ومنع المظلوم، فبادروا بالتنادي إلى حفظ الحُرَمِ، وإقامةِ ميزان العدل بين الناس، وذلك معنى حلف الفضولِ منشأً ومقصِداً. 

 

       وقد مثّل هذا الحلفُ انقلاباً في قواعد الأعراف العربية التي لم تكن تسمحُ بمحاسبة الظالم على ظلمه، لاسيما إذا كانت قبيلتُه قويةً، فلو سفكَ دمَ من هو دونهُ شرفاً لكان دمُ المقتولِ هدراً، ويمكننا اعتباره مَعْلَماً دالاً على تلك الحالة العامة للمجتمع العربي قبيل الإسلام، وما شاع فيه من اختلال الأمن، الذي استوجبَ سعي أولي الحجا في سبيلِ إعادة استقراره، بصونِ الحقوق، وحفظِ الكرامة لجميع الناس، سواءٌ أكان منهم المقيمُ القارُّ والغريبُ الوافدُ حاجّاً أم مُتاجراً.

 

أسس حلف الفضول

       يمكننا أن نستنبطَ من مختلف روايات حلف الفضول مَفاهيمَ وتصوّراتٍ تمثّلُ مرجعيته التأسيسية، من أجل استثمارِها فيما نسْتشرفُه من تأسيس حلفٍ عالمي معاصر، ومجمَلها ثلاثة أسس:

 

أ. إنسانية فكرة الحلف:

       ما الإسلامُ في مبتدئه إلا دعوة تحالفٍ بين البشر باعتبارهم أشخاصاً طبيعيين، فكان خطابه لذلك إنسانياً؛ لأنه توجه إلى الإنسان من حيث كونُه إنساناً، ثم مضى في تقرير العلاقات الإنسانية على أساس الاتصال بين الفرد والفرد، بصورة لا يتأثرُ فيها ذلك الاتصالُ بمختلِف الروابط الجماعية التي يمثّلها مفهوم «الانتماء» العرقي أو القطري أو العقدي، والذي صار فيما بعدُ نتيجةَ سوء تمثله عاملَ افتراقٍ انقطعت به أواصرُ الوحدة الإنسانية.

فغايةُ الإسلام الدعوةَ إلى التحالفِ على المشترك الإنساني التزاماً بمقتضاهُ، واحتراما للاختلاف الطبعي فيما عداهُ، ومنه شرائعُ التديُّن: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن ليبلوكم فيما آتاكم، فاستبقوا الخيرات﴾.

 

ب. شرعيةُ تجدد التحالفات:

       إذا كان الإسلامُ –كما تقدم- دعوةً إلى تحالفٍ إنسانيّ على أساس مشتركات القيم والحقوق، فإن من لوازم ذلك تجدّد الأحلاف وتنوعها، بحسب تجدد مقتضياتها ودواعيها، فالأحلاف التي تكون مفرقةً للوحدة الإنسانية، خارمةً لبنية المشترك القيمي، مبنيةً على العصبيات البغيضة هي التي ينفيها الإسلام، أما الأحلاف التي تتأسّس على معنى التعاونِ على البرّ والتقوى، وخدمة مبادئ التحالف الأول ودعمها، فهي التي دعا الإسلام إلى الاستمساك بها.

 

ج- مركزيةُ فكرة الخير في البنية المفاهيمية للتحالف:

       تبيّنَ مما تقدّمَ أصالةُ التحالف ومشروعيةُ تجدده في الإسلام، ما دامت غايتُه الوفاءَ بمقتضى مشترَك القيمِ الإنسانية.

هذا المشتركُ يسعنا تحديدُه في مفهوم «الخير» الذي يُعدُّ أكثرَ ما تشتركُ البشريةُ في التطلع إلى تحقيقه، على ما يمكن أن يكون ما له في الأذهان من اختلافٍ في تصورِ حقيقته وحدوده.

 

تأسيس مجتمع التحالف على الخير العام

       نقترح أن يكون الانطلاق لحلّ هذا الإشكال من رصد فكرة «الخير العام» في التمثلات التاريخية لعلماء المسلمين، ذلك أنا نجدهم معترفين بشرعية أعمالٍ تستهدفُ نفعَ الأنفُسِ البشرية، بغض النظر عن اختلاف انتماءاتها، أطلقوا عليها: «حقوق الله»، عادّين إياها مقصداً شرعياً، ومقتضىً أخلاقياً. ويمكننا عدُّها قواعدَ «الخير العامّ»، وهي منتظمةٌ تفصيلاً في خمس:

 

- الحرية:

       ذلك أنه بالنظر إلى تشوّف الشارع إلى تحرير الإنسان – وهو مقصِدٌ ضروري- أبدعَ العلماءُ وسائلَ لتحقيقه، من خلال إناطته بمفهوم «فكّ الرقبة»، ومعناهُ: العِتْقُ؛ وهو أقوى ما يدل على تشوف الإسلام إلى الحرية؛ وما تعانيه البشرية اليوم من الأزمات الاجتماعية، كلّه من العقبات التي يجب على العمل الخيريّ أن يقتحمَها ليحرر البشريةَ منها، فقد بُذلت الصّدقاتُ، وأُوقِفت الأحباسُ ليعودَ ريعُها على مؤسسات التعليم والعلاج، وفداء الأسرى، وإغاثة الملهوفين، وإيواءِ الغرباءِ، وإطعام الجوعى، وكسوة العارين، وعلى غيرها من الأعمال الخيرية التي صارت مؤسساتٍ ذاتَ نظم وتراتيب تقصد إلى تحرير الإنسانِ.

 

- تعزيز السّلم المجتمعي:

       مما يندرجُ في قواعد الخير العام: تعزيزُ السلم المجتمعي، الذي توسلت إليه الشريعةُ باعتمادِ رؤية للعالم تأسّست على مفهومي «الأخوّة» و»التعارف»؛ ﴿يأيها الناسُ إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا﴾، فالمبادرات الخيرية أيا كان مصدرُها ووسيلتُها، ينبغي تشجيعُها ونشرُها على أوسع نطاق، ف:»يَدُ المعرُوف غُنمٌ حيث كانتْ»، ولابدَّ من التمسك بها متى امتدّتْ ببذل النّدى، وكفِّ الأذى؛ لما لها من تأثير قوي في نشر جو الطمأنينة والأمن بين أفراد المجتمع وفئاته.

 

-العمران:

       من جملة ما أناطَه الشارعُ بالعمل الخيريّ: بلوغُ أقصى ما يمكن من صورِ العمرانِ، وذلكَ يشملُ الجانب المادي متمثلاً في إعانة المعوزين على ما به تتحسن ظروفهم المعيشية، وفي تشييد المرافق العامة الضروريةِ في المدنِ والتجمعات السكنية، كالمستشفيات، ودور الإيواء، والطرق، والقناطر، وقنوات المياه، والإضاءة..

 

- الإغناءُ والتكريمُ:

       والمرادُ به التحريرُ من الفقر والإقصاء الاجتماعي. ذلك أن «الفقر» و»الخير» متقابلان في التمثل الاجتماعي العامّ، والتجربةُ التاريخية للأمة شاهدة على أن العمل الخيريَّ كان يتمثلُ في سياسات تنموية إنسانية تقصدُ إلى محاربة الفقر، بالإدماج المباشر في دائرة العمل، قطعاً لأسباب الآفات التي تعوق المجتمعَ فتشدُّ عليه وِثاقَ التخلفِ، كالجهل والبَطالة والإجرام..

 

- الإشراك في المجال العام:

       المجال العامّ هو ميدان لممارسة الحرية التي هي من صميم المقاصد الشرعية كما تقدّم، ولا يبادرُ الفرد إلى الالتزام بما يحقق «الخيرَ العام» إلا عندما يشعر بالانتماء إليه، ويتمتّع بحريّته، أما عندما يفقد هذين فإنه ينسحب من المجال العامّ وينكفئ على ذاته، فضعف الشعور بالانتماء، وفقد الحرية، يُفقد المجال العام أهم شرايين حياته؛ لأنه لا يتكوّن إلا بمجموع ذوات إنسانية حرة، تتشارك هموم الجماعة، وتسعى لتحقيق مصالحها.

 

مجتمع الفضيلة والخير

       إن واقع المجتمعات اليوم عموماً يشي بأنها تعاني من أزمة اهتراء بنيتها، سواء في اختلال منظومة الحق والواجب، والحرصَ على المنفعة الخاصة أكثر من المنفعة العامة، أو في انهيار «الأخلاقيات اليقينية» الإنسانية؛ وتصاعد نسب الفقر والمجاعة والبطالة والهجرة واللجوء، وتزايد ظواهر الجريمة والكراهية والعنف والعنف المضاد.

       إن تعليلَ هذه الظواهر بعد توصيفها أولُ خطوة في ذلك، ولا شكّ أن جُماع ما يمكن أن تعلل به فقدانُ مفهومِ الخير العام، سواءٌ لدى المجتمعات التي تراهُ نسبياً قابلاً للتعدّد، أم التي تراه قيمة تقتضي قواعدَ سلوك تتعالى على الرغبات.

وما دام الاتفاق على مقصدية «الخير العامّ» منعقداً، لا يبقى بعد ذلك للاختلاف في مجرد المفاهيم والتصورات كبيرُ أثرٍ.

       وإنّ «الخير» متى صُوّرَ مفهوما عمليّاً يضبطُ إشباع الرغباتِ في حدود معقولة تجعلُها ذات قيمةٍ، لَيورثُ النفسَ طمأنينة، والمجتمع سكينةً، فيجعله مهيأً لحياة أفضل، ويجعل فيه سعةً لإبداع وسائلَ تُحسَّن بها نوعية الحياة، ويُتَغلَّب بها على مشكلاتها، وهذا شرط «الوعي» المطلوب لإيقاظ الضمير الإنساني العالمي وإنعاشه.

       فمن أجل التمكين لهذا الوعي، والتحسيس به – كما يقول الشيخ ابن بيه - «يجب أن يكون رجال الدين جزءاً من الحلّ، وليس جزءاً من المشكلة كما شاهدناه من انزلاق بعضهم على الضفتين ومن مختلف الديانات في إثارة نعرات الخلاف...كما أنّ وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني والجامعات ومراكز البحث مدعوة لأن تؤدّي دوراً إيجابياً في تنمية القيم، كما أن القادة السياسيين مدعوون للانخراط في جهد جادّ لتخفيف وطأة الظلم والفقر حيثما وُجدَا، لإيجاد حلول للقضايا المزمنة ولو نصف حلول أو نصف عدالة..»  

       إن انبعاث هذا الضمير الجماعي الأخلاقي هو الذي يساعد على بناء مجتمع الخير والمعروف، وذلك بدوره متوقفٌ على شرطين: بناء الإرادة العامة للمجتمع ومعناه مطابق لمفهوم التحالف لغةً. وبعث ثقافة «التنظيم الذاتي» بما هي وسيلةٌ إلى حفظ نظام المجتمع.

       وأخيراً فإنّ للخير العام وسائل لا تبلى على مرّ الزمان؛ لاستجابتها لحاجات إنسانية فطرية يتوقف عليها بقاء نوع الإنسان، وهي وسائل تواطأت على استحسانها حكمة الحكماء، وشرائع السماء، منها: إطعام الجائع، وكسوةُ العاري، وتأمين الخائف..

       إن الذي يحركُ الإراداتِ نحوَ الخير العام هو شعور أصحابها بلذة العطاء الذي يحقق نفع الإنسانِ، ولو بشق تمرة، أو بكلمة طيبة.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية