حلف الفضول .. مفخرة عربية عالمية في تاريخ العدل والأمن

يعتقد الكثير من الناس، وهو اعتقاد خاطىء، أنّ الجاهلية في التاريخ العربي، هي مرحلة تخلف وجهل مطبق، ولكن الواقع يقول غير ذلك؛ فالتسمية جاءت في الإسلام للتمييز بين الدعوة الإسلامية وما جاءت به من دعوة إلى عبادة الله وبين ما كان سائداً قبل الدعوة من عبادة الأوثان والعصبية القبلية، وقد جاء في كتاب "تاريغ العرب" تأليف فيليب حتّي "الجاهلية بالمعنى الصحيح هي ذلك العصر الذي لم يكن لبلاد العرب فيه ناموس وازع، ولا نبي ملهم، ولا كتاب منزل". ولكن على الرغم من وجود بعض الظواهر الغريبة والشاذة، إلا أنّ هناك مفاصل تاريخية تستدعي الوقوف عندها بإمعان؛ نظراً لما تحمله من قيم أخلاقية إنسانية رفيعة ومعان سامية في الأخلاق والمعرفة والعلم.

الحقيقة أنّ العرب رغم ما رافق الجاهلية من صفات مجتمعية، كالصراعات والتفكك، وغيرها من الظواهر السلبية  التي كان  يواجهها المجتمع العربي في تلك المرحلة، إلا أنهم  "أي العرب " اتصفوا  قَبل مجيء الإسلام بمجموعةٍ من الصِّفاتِ الحسنةِ، التي لا يمكن فصلها عن التاريخ والتراث العربيين، حيث عرفوا بالكرم، والصدق، وإغاثة الملهوف، وهي صفات مُتأصِّلة في السلوك العربي قَبل الإسلام بصفة عامة، فقد كانوا يُكرمونَ الضيف بالاستقبال البشوش وحسن الوفادة، كما أنهم كانو يوقدون النار ليلاً ليستدل الغرباء على سكناهم؛ لاستضافتهم وإكرامهم بالمأكل والمشرب، كما كان يفعل عبد المطلب (جد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم)، فهو القائل:

 أَوقِد فَإِنَّ اللَيلَ لَيلٌ قَرُّ                   وَالريحَ يا موقِدُ ريحٌ صِرُّ

عَسى يَرى نارَكَ مَن يَمُرُّ               إِن جَلَبَت ضَيفاً فَأَنتَ حُرُّ

(البعض ينسب الشعر إلى حاتم الطائي، ولا ضير في ذلك)

ويقال إن عبد المطلب كان ينثر القمح على رؤوس الجبال، فقيل له، ماذا تفعل؟ فقال: حتى لا يمر طير جائع في بلاد العرب. وذكر أنه كان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيات الأمور.

عرف عن العرب قبل الإسلام عزّة النفس، ورفض الظلم، كما كانوا  يُؤدّونَ حقّ الجار كجزءٍ من خِصالهم النبيلة، ناهيك عن الشجاعة التي اتصفوا بها في التاريخ وتوقهم الشديد لإغاثة الملهوف وتقديم المساعدة لمن يحتاجها؛ من دون أي تردد، كما كانو يحافظون على عهودهم، ويمدحون من يفي بوعده، مثلما يمقتون الغدر والحنث بالوعود، ويقول أحمد أمين في كتابه "فجر الإسلام" إنّ الإنسان العربي قبل الإسلام مثله الأعلى في الأخلاق تركّز على المروءة التي تغنى بها في شعره وأدبه ومن الصعب أن تحدّها حداً دقيقاً، وهي تعتمد على الشجاعة والكرم، أما شجاعته فتتجلى في كثرة من نازله وقاتله، وفي مواقف دفاعه عن قبيلته، وأما كرمه فيتجلى في نحر الجزور للضيف وإغاثة البائس الفقير، وفوق هذا أن يعطي أكثر مما يأخذ، وأن "يغشى الوغى ويعف عند المغتم". وقد أحدثت مكارم الأخلاق تحولاً اجتماعياً وثقافياً وسياسياً في التاريخ العربي، ولعبت دوراً مؤثراً في تلقف الرسالة النبوية والتعامل معها بكل إيجابية ورغبة في التغيير.

ورغم ما رافق الحياة الجاهلية من مظاهر سلبية إلا أننا لا نعدم وجود الكثير من الصفات الحميدة التي اتصف  بها العرب في تلك المرحلة، ولا سيما قريش التي تعتبر إحدى أكبر القبائل العربية، في شبه جزيرة العرب آنذاك، وأكثرها فصاحة،  ومع أنّ هذه المرحلة لم تحظ بالقدر الكافي من الأبحاث حولها، وحول المجتمع القرشي، بشكل خاص والعربي عامة، إلا أنّ قريش استأثرت باهتمام  الباحثين وتطور التدوين عنها في بدايات العصر العباسي، حيث وضعت في هذه الحقبة التاريخية مؤلفات عديدة.

تشير الأكاديمية والباحثة التونسية سلوى بالحاج صالح- العايب في كاتبها "قريش: وقائع وأحداث قبل الإسلام"؛ نقلاً عن ابن حبيب إلى أنّ معنى قريش ارتبط بقُصي الذي جمع الأصرام (جمع الصِرم وهو جماعة من الناس ليسوا بكثير) المتفرقين في كنانة، ودخل بهم مكة فسمّوا قريشاً.

واستناداً إلى الكثير من الدراسات التاريخية، فإن قريش كانت قبيلة ذات دور محوري في الجاهلية، وأنها عقدت الكثير من الأحلاف، قبل الإسلام ربما يكون أقدمها حلف عقدته – بحسب الروايات الواردة في «المنمّق» – هو حلف قريش الأحابيش، وهو يعود إلى عهد عبد مناف بن قصي وهو الجد الثالث للنبي محمد(ص)، أي بعد استقرار قريش بمكة وسيادتها عليها. أما الحلف الأخير فهو حلف الفضول، الذي جاء بعد أربعة أشهر مما عرف بحرب الفجار

أما سبب قيام الحلف أنّ رجلاً من زبيد (بلدة في اليمن) جاء إلى مكة، فاشترى العاص بن وائل منه بضاعة ولم يؤد إليه حقه، فاستنجد الزبيدي بأشراف قريش على العاص بن وائل، فزبروه، أي لم ينجدوه أو يعينوه على أخذ حقه؛ بسبب مكانة العاص بن وائل فيهم، فوقف الرجل على قمة جبل أبي قبيس وقريش في نوادايها وقال:

يا للرجال لمظلوم بضاعته                     ببطن مكّة نائي الدار والنفر

ومحرم أشعث لم يقض عمرته          يا للرجال وبين الحجر والحجر

إنّ الحرام لمن تمت كرامته                    ولا حرام لثوب الفاجر الغدر

فقام الزبير بن عبد المطلب وقال: ما لهذا الأمر مترك. فاجتمع بنو زهرة، وبنو تيم بن مرة، وبنو هاشم وبنو عبد المطلب في دار عبد الله بن جدعان، فعقدوا حلفاً لنصرة المظلوم على الظالم، وذهبوا إلى العاص بن وائل فأخذوا منه بضاعة الرجل وردوها إليه.

لو تمعنا في ظروف تشكيل الحلف ودواعيه وحيثياته، لوجدنا أنه يمثل قيمة عليا في الاستجابة للعدل والأمن والمحافظة على الحقوق في المجتمع المكي؛ حتى لو تطلب الأمر استعداء علية القوم من أجل نصرة غريب مظلوم، كما هو شأن وائل بن العاص والزبيدي. هذا دون تجاهل حقيقة أنّ ولادة الحلف جاءت بعد نحو أربعة شهور مما عرف بحرب الفجار، بين قريش وحلفائها وقيس وكنانة وحلفائها. ما يعني أن الحلف جاء ليلعب دوراً في استقرار مكة.

وفي هذا الحلف قال الزبير بن عبد المطلب :

إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا          ألا يقيم ببطن مكة ظالـــم

أمر عليه تعاقــدوا وتواثقــوا          فالجار والمُعترّ فيهم سالم

ويجدر القول إنّ حلف الفضول كان تجمعاً وميثاقاً إنسانياً تنادت فيه المشاعر الإنسانية لنصرة الإنسان المظلوم، والدفاع عن الحق، ويعتبر من مفاخر العرب قبل الإسلام ، وإنّ بريق الرضا والفرح بهذا الحلف يظهر في ثنايا الكلمات التي عبّر بها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنه بقوله: "لقد شهدت مع عمومتي حلفاً في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت".

ولعل القراءة المتأنية في تفاصيل الحلف تكشف وجها آخر، يضفي على المجتمع المكي قبل الإسلام بعداً إنسانياً متقدماً، غير إحقاق الحق أو نصرة المظلوم ولو كان غريباً على الظالم ولو كان من سادات قريش، ألا وهو التضامن والتكافل في المعاش، فتذكر المصنفات التاريخية على اختلاف مصادرها أنّ المتحالفين "تعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونن يداً واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدي إليه حقه ما بل بحر صوفة وما رسا حراء وثبير مكانهما، وعلى التآسي في المعاش" فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول وقالوا: "لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر".

 وقال الزبير بن عبد المطلب:

حلفت لنعقدن حلفا عليهم         وإن كنا جميعا أهل دار

نسميه الفضول إذا عقدنا         يعز به الغريب لدى الجوار

يعز به الغريب لدى الجوار             أباة الضيم نمنع كل عار

ولو حاولنا التمعن في الافكار التي قام عليها حلف الفضول، لأمكننا القول أنه يمثل أحد أقدم المواثيف التي تؤكد على حقوق الإنسان، وكرامته، ومحاربة الظلم، ووضع حد للباغين، وإعادة الحقوق لأصحابها.

ويمكننا القول أنّ ما أقره حلف الفضول قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام ونيف، لا يختلف كثيراً من حيث المضمون، مع ما نصّت عليه المعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان في يومنا هذا، حيث يُعبّر مُصطلح حقوق الإنسان عن الحقوق الّتي يجب توفيرها لكل إنسان بغض النّظر عن الدّين، أو الجنس، أو العرق، أو اللّون، وغير ذلك من التصنيفات العنصريّة، فهي حق لكل البشر دون تمييز وتتّصف بكونها مُترابطة ومُتداخلة، وغير قابلة للتّجزئة، كما كفل قانون حقوق الإنسان، حق الأخير بالملكية، وهو ما يعد أحد أسباب حلف الفضول الذي انتصر لإنسان سلبت منه حقوقه، وبالتالي نستطيع القول إنّ حلف الفضول يمثل أنموذجاً مهماً في مرحلة الجاهلية، وسبقاً في مكافحة الظلم ونصرة المظلوم.         


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية