ثقافة مكارم الأخلاق منهل <حلف الفضول> بكل قيمه الإنسانية المدهشة

الأمر المؤكد أنّ قيم الكرامة والحرية والعدل تقتضي من المرء؛ رفض الظلم للآخر بالقدر عينه الذي يرفضه للذات. وهذا يمثّل ركناً ركيناً من أركان الأنسنة، التي تحتّم ضرورة الجدّ والاجتهاد؛ بعزم وحزم؛ لرفض الظلم وردع الظالم؛ بكلّ الوسائل الممكنة، التي تكفلها دولة القانون في الثقافة المعاصرة، أما في تلك الأزمنة الغابرة، حيث كانت تسود شريعة الغاب، فلم يكن يكفلها إلا "العقل السوي والزند القوي"، كما تقول العرب. وهذا ما عبّر عنه "حلف الفضول"، الذي نهضت به خمسة بطون من قريش لرفع الظلم في بطحاء مكة، كائن من كان الظالم أو المظلوم، عزيز منيع في قومه أو ضعيف فقير، زائر أو مقيم، غريب أو قريب.

السبب المباشر في قيام "حلف الفضول"، كما يرد في المرويات التاريخية، وكتب السيرة مثل "البداية والنهاية" لابن كثير، وغيره من المصنفات التاريخية، أنَّ رجلاً من زبيد في اليمن قدم مكة ببضاعة. فاشتراها منه العاص بن وائل، ولكنه حبس عنه حقه. فطلب الزبيدي النصرة من الأحلاف، عبد الدار ومخزوما وجمحا وسهما وعدي بن كعب، فأبوا أن يعينوا على العاص بن وائل؛ لأنه أحد أعيان قريش، فزبروا الزبيدي ـ أي انتهروه ـ فلما رأى الزبيدي الشرّ في وجوههم، أوفى على جبل أبي قبيس عند طلوع الشمس، وسادة قريش في أنديتهم حول الكعبة، فنادى بأعلى صوته:

يا آل فهر لمظلوم بضاعته                     ببطن مكة نائي الدار والنفر
 
ومحرم أشعث لم يقض عمرته               يا للرجال وبين الحجر والحجر
 
إن الحرام لمن تمت كرامته                   ولا حرام لثوب الفاجر الغدر

فنهض الزبير بن عبد المطلب، وقال أمام قريش: ما لهذا الأمر مترك. حينها اجتمعت بنو هاشم وبنو عبد المطلب وبنو أسد بن عبد العزى وبنو زهرة ابن كلاب وبنو تيم بن مرة في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعاماً، وتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام، فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونن يداً واحدة مع المظلوم على الظالم؛ حتى يؤدي إليه حقه، وأن لا يتركوا بمكة مظلوما من أهلها، أو غيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا كانوا معه على من ظلمه؛ حتى يرد عليه مظلمته ما بل بحر صوفة، ومارسي ثبير وحراء مكانهما (جبلان في مكة)، وعلى التآسي في المعاش. فسمت قريش ذلك الحلف، حلف الفضول، وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر، ثم مشى المتحالفون إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدي ودفعوها إليه.

وقال الزبير بن عبد المطلب في ذلك:

حلفت لنعقدن حلفا عليهم                       وإن كنا جميعا أهل دار
 
نسميه الفضول إذا عقدنا                     يعز به الغريب لذي الجوار
 
ويعلم من حوالي البيت أنا                    أباة الضيم نمنع كل عار
       وقال الزبير أيضاً:
 إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا                 ألا يقيم ببطن مكة ظالم
 
أمر عليه تعاقدوا وتواثقوا                    فالجار والمعتر فيهم سالم.

ولكن السؤال الذي قد يتبادر إلى الذهن، هو: هل هناك أسباب أخرى لقيام حلف الفضول، لم يأت على ذكرها الرواة؟

الإجابة، بالتأكيد نعم. فواقعة ظلم الزبيدي تأتي بعد نحو أربعة شهور من حرب الفجار بين قريش وخزاعة، التي دامت فترة ليس بقصيرة. وهذا يعني بداهة أن استقرار مكة وأمنها وأمانها؛ باعتبارها معبد العرب وأسواقهم التجارية منذ القدم قد تزعزع، ولم يعد كما كان عليه من الاستقرار؛ جراء كلفة الحرب، التي هي على الدوام باهظة على الناس. لذلك ربما تكون واقعة الزبيدي الشعرة التي قصمت ظهر البعير كما يقولون. ولكنها بالقطع ليست السبب الوحيد؛ لأن التدقيق في المرويات عن الحلف، وما تلاه من مكرمات، تكشف بوضوح جملة حقائق، ليس أقلها أنّ الحلف لم يأت كردة فعل حماسية، أو فورة عاطفية، أو تعبيراً عن رغبة في الوجاهة والتشاوف، كما يفعل أهل العصبيات المقيتة في كلّ الأزمنة، وإنّما هو ينضح من قيم راسخة في وجدان الناس في ذلك الوقت، وبخاصة منهم أهل الشرف والمروءة. كذلك لم يكن مؤسساً على أي معتقد ديني أو انتماء قبلي، وإنّما كان تجسيداً للقيم التي تختزنها منظومة "مكارم الأخلاق" عند العرب. ما يعني أنّه حلف قيم بامتياز، وأنّ القائمين عليه إنّما يستحضرون مكارم الأخلاق التي توارثها أجدادهم العرب كابراً عن كابر. ولم تقتصر بنود الحلف على ضمان العدل برد الحقوق إلى أصحابها والانتصار للمظلوم والضعيف والمساواة بين أهل مكة وغيرهم، وإنما تضمنت أيضاً، التعاون والتضامن في الأموال وموارد المعيشة؛ لإطعام الجائع وإكرام الضيف وعابر السبيل. فحلف الفضول إذن هو تجسيد لمكانة وقوة القيم الكبرى التي أجمعت عليها الإنسانية، مثل: الكرامة والحرية  والعدل والمساواة والمحبة والعطاء. وهذه القيم يمكن أن تكون جامعاً مشتركاً، يشكّل الوحدة الفكرية والشعورية للناس على اختلاف ألوانهم وألسنتهم ومعتقداتهم؛ إذ إن الحلف لم يكن ابن حادثته فقط، أي تعبيراً عن ردة فعل وانتهت مع إنصاف الزبيدي، وإنّما بقي العمل به سارياً قبل الإسلام وبعده. فيذكر ابن كثير في كتاب "البداية والنهاية"، أنّ رجلاً من خثعم قدم مكة، ومعه ابنة له يقال لها القتول، وكانت من أوضأ نساء العالمين، حسب تعبير الرواة، فاغتصبها منه نبيه بن الحجاج، وغيبها عنه. فقال الخثعمي: من يعديني على هذا الرجل؟ فقيل له عليك بحلف الفضول. حينها وقف عند الكعبة ونادى يا لحلف الفضول. فإذا هم يعنقون إليه من كل جانب وقد انقضوا أسيافهم ويقولون: جاءك الغوث فما لك؟ فقال: إنّ نبيهاً ظلمني في ابنتي وانتزعها مني قسراً. فساروا معه حتى وقفوا على باب داره، فخرج إليهم فقالوا له: أخرج الجارية. فقال: أفعل، ولكن متعوني بها الليلة. فقالوا لا والله ولا شخبة لقحة – أي ولا مدة شخبة حليب من ضرع ناقة-  فأخرجها إليهم، وأعادوها الى والدها سالمة غانمة.

الحلف مثبت في كلّ كتب السيرة والتاريخ، وشهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث يقول جبير بن مطعم إنّ رسول الله قال: "ما أحب أن لي بحلف حضرته بدار ابن جدعان حمر النعم، تحالفوا أن يكونوا مع المظلوم ما بل بحر صوفة، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت". ومعروف أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ألغى أحلاف الجاهلية جميعها إلا حلف الفضول. وبقي المتحالفون يعملون به بعد الإسلام. فيروي ابن إسحاق في تاريخه: أنّه كان بين الحسين بن علي (رضي الله عنهما) وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ـ والوليد يومئذ أمير المدينة أمره عليها عمه أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ـ منازعة في مال كان بينهما بذي المروة. فتحامل الوليد على الحسين في حقه؛ لسلطانه. فقال له الحسين: أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لأدعون بحلف الفضول. فقال عبد الله بن الزبير، وهو عند الوليد حين قال له الحسين ما قال: وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعاً. وبلغ الأمر المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري فقال مثل ذلك. وعلم عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي؛ بما حصل فقال مثلهم. ما أرغم الوليد بن عتبة على إنصاف الحسين برد حقه إليه.

وبهذا المعنى يمثل الحلف أقدم وثيقة عرفها التاريخ الانساني، فيما يتعلق بالأمن والأمان وحقوق الإنسان؛ بل يمكن اعتباره الجد الأكبر لشرعة حقوق الإنسان، حسب توصيف الكاتب جورج جبور، الذي له جهد مشكور في توصيل هذه الوثيقة لمفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة؛ منذ نحو عشرين عاماً. وإلى غاية الآن لم تظهر وثيقة أقدم منها في العالم، تتعلق بحقوق الإنسان، وهو من ثمرات مكارم الأخلاق من دون منازع. ولا يبتعد كثيراً عن فلسفة "الشهور الحُرُم"، التي شكلت في حينها فرصة سنوية؛ تمتد أربعة شهور، غرضها "صناعة الحياة"؛ بمواجهة صناعة الموت السائدة؛ لأنّ العرب لم يريدوها فرصة لدمل الجروح المادية والتعافي من آثارها النفسية فقط، وإنما جعلوا منها أعياداً للتجارة والشعر والغناء والموسيقى. ما يعني أنها كانت بمثابة أعياد للحياة، وتمثّل في جوهرها انتصاراً لقيمة الإنسان، وتعظيماً لصناعة السلام وثقافة الوئام. وهي فلسفة لا تخرج عن منظومة "مكارم الأخلاق" في ثقافة العرب المؤنسنة قبل الإسلام.

حاضنة الفضول  

من أين جاء العرب بتلك الجوهرة المؤنسنة، المعروفة في تاريخهم قبل الإسلام؛ باسم "حلف الفضول"؟. وكيف شَذَّت سجاياهم الأخلاقية عن ثقافة شريعة الغاب، التي كانت سائدة في تلك الأزمنة بين جميع أمم الأرض، وارتقت بحقوق الإنسان - حسب لغة اليوم - إلى مرتبة إنسانوية مدهشة؟ هل هي من متطلبات الوجاهة والمباهاة والمفاخرة، التي يمارسها أصحاب الجاه والعِزِّ أو أهل الشأن وأصحاب السطوة؟ هل اجراء اقتصادي؛ لحماية أسواقهم، ومعبدهم الأهم "الكعبة"، التي كان يحج إليها عموم الناس بما فيهم النصارى واليهود؛ حسب بعض المرويات التاريخية؟ أم أنّها قد تكون لكل ذلك في بعض وجوهها، ولكنها في الجوهر تشكل قيمة أصيلة، لها جذورها في الوعي والوجدان والناموس العربي؟.

للإجابة على تلك الأسئلة لا بدّ من التوقف عند ثقافة العرب في ذلك الزمان. فالعرب هم أبناء شبه الجزيرة العربية، التي تمتد من اليمن جنوباً إلى الشام شمالاً ومن الخليج العربي شرقاً إلى مصر غرباً. ويغلب عليها الطابع الصحراوي. ولمعرفة ثقافتهم لا بُدَّ من معرفة المكان ومعطياته، فالصحراء لها قوانينها وفلسفتها الخاصة، ولصحراء العرب خصوصيتها المميزة، فبواديها لها سحر أخّاذ، وفتنة تدهش المخيال، وتحمله على أجنحة وردية إلى عوالم رومانسة وفانتازية يستعصي حصرها بحدود معروفة، طالما بقي الخيال رفيقاً لإشراقات العقل الإنساني. وتذكر المرويات التاريخية أنّ رجلاً من أهل المدر، مرَّ على فتيان من أهل الوبر يتسامرون في ليلة قمراء، فامسكوا به، وقالوا له: لا ندعك حتى تقول بعض صفات القمر. فقال: حباً وكرامة: يهدم العمر، ويقرب الأجل، ويحل الديّن، ويبلي الكتان، ويشحب اللون، ويفسد اللحم، ويفضح الطارق، ويدل السارق..

فقالوا له: توقف؛ لقد أفسدت علينا صبوة الشعر.

قال لهم: دعوني أزيدكم.

قالوا: لا، إن أهلك بانتظارك، فامض إليهم.

ولكن للصحراء أيضاً سطوتها وجبروتها الطاغية، ولا يعرف فداحة طغيانها وسطوة قسوتها، إلا من يكابد أوجاعها وآلامها عاماً بعد آخر. فنهارها حرّ، وليلها قرّ، وريحها صرّ، كما تقول العرب. وإذا ما ضربها الجفاف والجدب، الذي يمتدّ لسنوات عدة في بعض الأحيان، فيموت الزرع، ويجف الضرع، وتضنّ المراضع على أولادها بقطرة، فتقشعر الأرض، وتغبر السماء، وتتلاشى الألوان، ويغور نبع الحياة، ويستحيل العالم إلى ظلال داكنة وألسنة من غضب ولهب، لا تعرف الرحمة، حسب توصيفات الأولين. أي يميل لون الأرض والسماء - حتى وجوه البشر - إلى ما بعد النار، لذلك سمّى العرب سنوات القحط التي استمرت سبعة أعوام؛ بعهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه "أعوام الرمادة". هذا فضلاً عن ظلم الأتاوات المفروضة عليهم من قبل الإمبراطوريات التي كانت تحيط بهم من كلّ الجهات، وتولي عليهم من تشاء، وبخاصة منهم الفرس، الذين دام جورهم على العرب بدوام إمبراطوريتهم، التي كتب خاتمتها، قيام الدولة الإسلامية. وكان الفرس ينعتون الأعراب بـ"الرعاة الأجلاف"، ومثلهم يفعل الروم؛ قياساً على صحرائهم البلقع. وعلى الرغم من ذلك لم تكن ثقافة العرب قبل الإسلام همجية، موغلة في التخلّف والتوحّش؛ كما صورها الفرس والرومان، وإنما كانت ثقافة إنسانية نبيلة حافلة بالقيم والمآثر والمفاخر الأخلاقية النبيلة، التي مازالت تزهو وتتعالى على العالمين حتى أيامنا هذه، أخصّ بذلك قيم "مكارم الأخلاق". ناهيك عن الرقة والشفافية المدهشة التي خلدتها أشعارهم في الغزل والعشق. ولا أظنّ أنّ أمة من أمم الأرض قاطبة، فاضت قريحتها بحوالى ستين اسماً أو صفة أو نعتاً للحب، ومثلها وأكثر للمرأة، كما فعل العرب. وهم بهذا المعنى أساتذة فلسفة الجمال؛ لأنّ أصل الجمال المرأة. فضلاً عن أنّ بادية الجزيرة العربية كانت حتى صدر الإسلام مهد الفصاحة والبلاغة والبيان بالفطرة. لذلك كانت أخلاقهم مدعاة للدهشة والإعجاب، ليس من عوام الناس أو عليتهم فحسب، وإنّما من أفضل وأكرم الخلق أجمعين سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، حيث يقول عقب عرض نفسه على وجوه قبيلة ربيعة، طلبا للحماية من قريش، التي زادت من آذاها للرسول الكريم بعد وفاة عمه أبو طالب:أية أخلاق كانت للعرب في الجاهليةما أشرفها - بها يتحاجزون في الحياة الدنيا".    

ما يعني أنّ الرسول الكريم على ما كان عليه من سيرة محمودة، وخلق كريم منذ نشأته، فضلاً عما أكرمه به الله سبحانه وتعالى، عندما أرسله "شاهداً ومبشراً ونذيراً"، بآخر رسالاته، وجعله خاتم النبيين والمرسلين. فإنّه لا يكتفي بالتعبير عن دهشته وإعجابه بأخلاق العرب قبل الإسلام وحسب، إنما يتندّر بعظمتها وفضلها على العالمين. ألا يكفي تندر الرسول الكريم بأخلاق العرب، لجعلها تسود ثقافات الأرض قاطبة؟

قيم المكارم

لو توقفنا قليلاً عند كلّ قيمة من قيم مكارم الأخلاق؛ لوجدنا الكثير من العلامات الفارقة، والدلالات الساطعة، التي تطرز سيرة العرب بأحسن المآثر وأجلَّ المفاخر، فمثلاً قيمة الإباء أو الأنفة والعِزَّة عند العرب، وهي واحدة من جملة قيم شهد بأصالتها الأخلاقية وتمايزها المؤنسن أبو التاريخ "هيرودوت"، حينما لاحظ في الجزء التاسع من تاريخه، أنّ العرب يتمايزون عن غيرهم من شعوب المعمورة بالجود والالتزام بالعهود والمواثيق، وعلاوة على ذلك، يتفاخرون بقيم الإباء وعِزَّة النفس، فهم يأبون الذل، ويرفضون القيود، ويعشقون الحرية والانطلاق في فضاء الصحراء الرحب. ويستنتج من ذلك أنّ صحراء العرب على الدوام كانت عصيّة على الغزاة والطامعين، ولم تخضع لإمبراطورية فارس في مختلف عهودها؛ بمعنى الخضوع المطلق لسلطان الإمبراطورية؛ وإنْ كان العرب يدينون بالولاء لمن يختاره الأكاسرة سلطاناً عليهم؛ كما هو حال المناذرة في الحيرة، بوابة العرب الشرقية المطلة على فارس، أو الغساسنة في الشام بوابة العرب الشمالية على تخوم الإمبراطورية الرومانية، التي كانت تعيّن ملوك الشام؛ لأنّ ولاء العرب للجهتين كان في الغالب؛ لضرورات اقتصادية بحتة. أمّا سلطة الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية الفعلية، فلم تكن تتجاوز الحيرة والشام، وهي حقيقة لا تقبل الدحض أو النقض، إذ عندما تجرأ كسرى على التوغل في صحراء العرب؛ "لتأديب مسعود بن هانئ الشيباني"، مجير نساء الملك النعمان بن المنذر بن ماء السماء، الذي تنازل عن ملكه؛ تعالياً على نسب كسرى ورفضاً لسلطانه، فأودعهن بحماية الشيباني. فأرسل كسرى جيشه لانتزاعهن عنوة بعد قتل النعمان، ولكن جيشه هُزم شَرَّ هزيمة في موقعة "ذيقار" الخالدة. ولم يعاود كسرى أو غيره من الأكاسرة الكرة مرة أخرى. وهي قصة مشهورة وعظيمة؛ بدلالاتها الأخلاقية على قيمة الإجارة  وخاصة لجهة الكلفة الباهظة التي تترتتب على المجير. ومع ذلك لا ينكثون بوعودهم أو عهودهم ولا يخفرون ذمتهم مهما عزَّت التضحيات. (لنا وقفة أخرى مع هذه القصة إن شاء الله). ما يعني أن قيم الوفاء والإباء والإجارة، كانت من شيم العرب، وكانوا على استعداد لبذل النفس والنفيس في سبيل الوفاء بها على أكمل وجه.

الجود جود الله

لا يختلف الأمر كثيراً فيما يتعلق الأمر بقيمة الجود، فالكَرَم من المحامد الجليلة. وكان الرجل لا يسود قومه في الجاهلية إلا بالسخاء؛ مهما تسامت صفاته. يقول الواقدي: إنّ قصي بن كلاب بعد أن استرد مكة من خزاعة والبكريين، وأنزل قريش في منازلها، جمع الرئاسات كلها بيده، ودانت له قريش. فأنشأ داراً سماها "الندوة"، لرفع المظلمات وحلّ الخصومات. وهو أوّل من أحدث وقيد النار بالمزدلفة؛ ليهتدي إليها من يأتي من عرفات. وهو أوّل من سنّ الرفادة وهي، إطعام الحجيج أيام الموسم؛ إلى أن يخرجوا من مكة راجعين إلى بلادهم.

ويؤكد ابن إسحاق في تاريخه أنَّ قصي فرض الرفادة على قريش بعد أن جمع رؤساء القبائل في دار الندوة، وقال لهم: يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل مكة، وأهل الحرم، وأنّ الحجاج هم ضيوف الله وزوار بيته، وهم أحقّ بالضيافة، فاجعلوا لها طعاماً وشراباً أيام الحج، حتى يصدروا عنكم. فعاهدوه على أن يفعلوا. وكانوا يخرجون لذلك في كل عام من أموالهم خرجاً يدفعونه إليه، فيصنعه طعاماً للحجيج. وجرى ذلك في الجاهلية دون انقطاع. وحذا حذوه عمرو بن عبد مناف. فيذكر الرواة عادته المعروفة عنه، التي حفظها له التاريخ، أنّه كان يقف أوّل نهار اليوم الأول من شهر ذي الحجة، ويسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها، فيخطب بأهل قريش محضضاً على رفادة وسقاية الحجيج، فيقول: يا معشر قريش، أنتم سادة العرب، أحسنها وجوهاً، وأعظمها أحلاماً، وأوسطها أنساباً، وأقربها أرحاماً.. أنتم جيران بيت الله الحرام، أكرمكم بولايته، وخصكم بجواره؛ دون بني اسماعيل، وحفظ منكم ما حفظ جار من جاره، فأكرموا ضيوفه، وزوار بيته، فإنهم يأتونكم شعثاً غبراً من كلّ بلد. فورب هذه البنية لو كان لي مال يحمل ذلك لكفيتكموه. ألا وإني مخرج من طيب مالي، لم يُقطع فيه رحم، ولم يؤخذ بظلم، ولم يدخل فيه حرام، فواضعه، فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك، فليفعل. وأسألكم بحرمة هذا البيت، ألا يُخرج رجل منكم من ماله لكرامة؛ إلا طيباً، لم يُؤخذ ظلماً، ولم يُقطع فيه رحم، ولم يُغتصب.

وله أيضاً خطبة شهيرة، فصل فيها خلافاً بين قريش وخزاعة؛ بالحض على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال حيث يقول: أيها الناس: الحلم شرف والصبر ظفر، والمعروف كنز، والجود سؤدد، والجهل سفه، والأيام دول، والدهر غِيَر، والمرء منسوب إلى فعله ومأخوذ بعمله، فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد، ودعوا الفضول تجانبكم السفهاء، وأكرموا الجليس يعمر ناديكم، وحاموا الخليط يرغب في جواركم، وانصفوا من أنفسكم يوثق بكم، وعليكم بمكارم الأخلاق فإنها رفعة، وإياكم والأخلاق الدنية فإنها تضع الشرف وتهدم المجد، وأنّ نهنهة الجاهل أهون من جريرته، ورأس العشيرة يحمل أثقالها، ومقام الحليم عظة لمن انتفع به.

ويسجل له التاريخ أيضاَ أنه أطعم أهل مكة جميعهم في إحدى سنوات القحط التي أصابتهم. فيقول الرواة: إنّ عمرو كان من التجار الموسرين، وهو من سنّ رحلة الشتاء والصيف إلى الشام واليمن، وعندما حلّ الجدب في بلاده ذات عام؛ كان يذهب إلى إيلياء الشام - أي القدس – ويعود بقوافل البر - أي القمح – فيعد منه الخبز، ويذبح الجزور – أي الذكور من أولاد الإبل – ويعدّ المرق من لحمه، ويهشم عليه الخبز، فيصير ثريداً ويدعو جميع المحتاجين من أهل مكة لطعامه. لذلك سموه هاشم، إنما اسمه الحقيقي هو عمرو بن عبد مناف. ويقول بذلك شاعر خزاعة كعب بن مطرود:

عمرو العلا هشم الثريد لقومه                 ورجال مكة مسنتون عجاف

سنوا  إليه  الرحلتين   كليهما                 عند الشتاء ورحلة الأصياف

وروى الزبير بن بكار في الموفقيات، وابن كثير في"البداية والنهاية– الجزء الثاني – صفحة- 253-"،  والشامي في "سبل الرشاد - صفحة – 269"، عن عمر بن عبد العزير رضي الله عنه، أنه قال: كانت قريش في الجاهلية تحتفد، وكان احتفادها أنّ أهل البيت منهم كانوا إذا سافت - يعني هلكت - أموالهم، خرجوا إلى بِرازٍ من الأرض فضربوا على أنفسهم الأخبية، ثم تناوبوا فيها حتى يموتوا؛ خوفاً من أن يعلم بخَلَّتهم أحد. حتى نشأ عمر بن عبد مناف، فلما رَبَل وعَظُم قدره في قومه قال: يا معشر قريش إن العِزَّ مع كثرة العدد، وقد أَصبحتم أكثر العرب أموالاً وأعزَّهم نفراً، وإنّ هذا الاحتفاد قد أتى على كثير منكم، وقد رأيت رأياً. قالوا: رأيك رشيد، فمرنا نأتمر. قال رأيت أن أخلط فقراءكم بأغنيائكم فأعمد إلى رجل غني فأضم إليه فقيراً، عَدده بعدد عياله، فيكون يؤازره في الرحلتين رحلة الشتاء ورحلة الصيف، رحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن، فما كان في مال الغني من فضل عاش الفقير وعياله في ظله، وكان ذلك قطعاً للاحتفاد. قالوا: نعم ما رأيت. فألَّف بين الناس.

أيضاً ساد بجوده ولده عبد المطلب جد الرسول صلى الله عليه وسلم . فاشتهر بخروجه في الأماسي إلى ظاهر مكة حاملاً الزاد لإطعام الغرباء الوافدين على مكة؛ ممن ليس لهم بها أحد. فكان يضع الزاد على الطريق ويبقى جواره للهزيع الأخير من الليل، وإن لم يأت أحد، لا يعيد الزاد إلى بيته؛ بل يتركه لوحوش الفلاة. ويقال إنّه كان ينثر الحبوب على رؤوس الجبال، وعندما سئل ذلك، قال: كي لا يمر طائر جائع ببلاد العرب.

ويروي أبو نصر الحسن بن الفضل الطبرسي في كتاب "مكارم الأخلاق"، نقلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: إنّ عبد المطلب سنَّ في الجاهلية خمس سنن أجراها له الله عزّ وجلَّ في الإسلام،: حرَّم نساء الآباء على الأبناء، فأنزل الله عزّ وجل: "ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء" (سورة النساء – الأية 22). ووجد كنزاً فأخرج منه الخُمس وتصدق به، فأنزل الله عزوجل: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه" (سورة الأنفال- الآية-41). ولما حفر زمزمز سماها سقاية الحاج، فأنزل الله تبارك وتعالى: "أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كَمَن آمن بالله واليوم الآخر" (سورة التوبة- الآية – 19). وسنَّ في القتل مائة من الإبل، فأجرى الله عزّ وجل ذلك في الإسلام. ولم يكن للطواف عدد عند قر يش، فسنّ لهم عبدالمطلب سبعة أشواط، فأجرى الله عزو وجل ذلك في الإسلام".

الجود طبع

ومن الأجواد المشهورين عبدالله بن جدعان صاحب حلف الفضول، فمعروف عنه أنه اشترى مائة وسبعة موؤدات. وبخصوص جوده يذكر ابن قتيبة - وآخرون - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ "‏لقد كنت أستظل بظل جفنة عبد الله بن جدعان صكة عُمِيٍّ‏"، أي وقت الظهيرة. دلالة على سخائه في إطعام الطعام واستقبال الغرباء على مآدبه في كلّ الأوقات. ويؤكد صحة ذلك أنّ رسول الله في موقعة بدر، قال لأصحابه، يحثهم للتأكد من مقتل أبي جهل: "أطلبوه بين القتلى وتعرفوه بشجة في ركبته، فإني تزاحمت أنا وهو على مأدبة لابن جدعان فدفعته فسقط على ركبته فانهشمت، فأثرها باق في ركبته‏" فوجدوه كذلك‏.

يروي ابن عبد ربه في العقد الفريد، الدرة الثانية، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال:‏ يا سبحان الله‏!‏ ما أزهد كثيراً من الناس في الخير. عجباً لرجل يجيئه أخوه المسلم في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلاً، فلو كان لا يرجو ثواباً ولا يخشى عقاباً؛ لكان ينبغي له أن يسارع في مكارم الأخلاق، فإنها تدل على سبيل النجاح.‏

فقام إليه رجل وقال‏:‏ فداك أبي وأمي يا أمير المؤمنين أسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قال علي‏:‏ نعم، وما هو خير منه‏.  لما أتي بسبايا طيء وقعت جارية حمراء، لعساء، زلفاء، عيطاء، شماء الأنف، معتدلة القامة والهامة، درماء الكعبين، خدلجة الساقين، لفاء الفخذين، خميصة الخصرين، ضامرة الكشحين، مصقولة المتنين‏.‏ فلما رأيتها أعجبت بها وقلت‏:‏ لأطلبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجعلها في فيئي –أي في حصته من الغنائم - فلما تكلمت أنسيت جمالها لما رأيت من فصاحتها، فقالت‏:‏ يا محمد‏:‏ إن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب، فإني ابنة سيد قومي، وإن أبي كان يحمي الذمار، ويفك العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويقري الضيف، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طيء‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏       "‏يا جارية هذه صفة المؤمنين حقاً، لو كان أبوك مؤمناً لترحمنا عليه، خلوا عنها فإنّ أباها كان يحبّ مكارم الأخلاق، والله تعالى يحب مكارم الأخلاق‏".‏ فقام أبو بردة بن دينار فقال يا رسول الله‏:‏ والله يحب مكارم الأخلاق‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة أحد إلا بحسن الخلق‏‏‏.

ولقد وضع الإسلام السخاء في مرتبة متقدمة من مكارم الأخلاق، لأنَّ الجود من صفات الله تعالى، فهو الكريم وفوق كلّ كريم. وحقيقة الجود بذل المال. قال الله عزّ وجل: "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون". وقال جلّ وعلا: "من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون". وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله استخلص هذا الدين لنفسه ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق ألا فزينوا دينكم بهما". وقال صلوات الله عليه: "تجاوزوا عن ذنب السخي فإنّ الله عزّ وجلّ آخذ بيده كلما عثر، وفاتحٌ له كلما افتقر".  وقال صلى الله عليه وسلم: "الجود من جود الله تعالى فجودوا يجود الله عليكم. ألا إنّ السخاء شجرة في الجنة، أغصانها متدلية في الأرض، فمن تعلق بغصن منها أدخله الجنة. ألا إنّ السخاء من الإيمان".

وكانت العرب قد وضعت الكَرَم في ثلاث مراتب، سخاء وجودٌ وإيثار. فالسخاء إعطاء الأقل وإمساك الأكثر، والجود إعطاء الأكثر وإمساك الأقل، والإيثار إعطاء الكل من غير إمساك بشيء. وكانوا يعتبرون الإيثار من أشرف درجات الكرم، وبه استحق أصحابه ثناء الله عز وجل عليهم في قوله تعالى: "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصةٌ". ومن كلامٍ ينسب إلى جعفر بن محمد رضي الله عنه حيث يقول: إن المعروف لا يتم إلا بثلاثة، تعجيله، وتصغيره، وستره. فالجود زكاة السعادة، والإيثار على النفس موجب لاسم الكرم، وقال: لا يستحي من بذل القليل فإنّ الحرمان أقلّ منه. ويقول الشاعر:

أعط القليل ولا يمنعك قلته                     فكل ما سدّ فقراً محممود

وقيل لعبد الله بن جعفر: إنك قد أسرفت في بذل المال، فقال: إن الله عز وجل قد عودني أن يتفضل علي، وعودته أن أتفضل على عباده، وأخاف أن أقطع العادة فيقطع عني. وقيل لمحمد بن عباد المهلبي: إنك متلاف للمال، فقال: منع الجود، سوء ظن بالمعبود. إن الله تعالى يقول: "وما أنفقتم من شيءٍ فهو يخلفه وهو خير الرازقين". فهذه شذرات من سيرة مكارم الأخلاق عند العرب، ولا يوجد له نظير في ثقافات الأرض.

ولهذه الأسباب أميل للاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى اختار العرب من بين الأمم، واختار قريش من بين العرب، وأختار بني هاشم من بين قريش، واختار النبي الأمي (ص) من بين بني هاشم؛ لحمل آخر رسالاته، بفضيلة "مكارم الأخلاق"، التي توصلت إليها اليوم معظم شعوب الأرض في اللحظة الراهنة؛ تحت يافطة شرعة حقوق الإنسان وقيم الديمقراطية بكل تفريعاتها الحديثة؛ كخلاصة للإنجازات الحضارية التي أبدعتها هذه الشعوب، ويسرت لها أسباب الرفاهية المتنامية يوماً بعد آخر. ولا تروحن بكم الظنون بعيداً فتحسبون أنني أتهم الغرب أو الشرق بسرقة هذه القيم النبيلة من العرب. لا وألف لا؛ لأنني أرى أنّ هذه القيم تولد مع الإنسان، ويمكن أن نسميها "فطرة الخلق"، وتحافظ عليها البيئة الاجتماعية وتنميها، أو تئدها وتقتلها في المهد.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية