حلف الفضول سبق حقوق المواطنة والدساتير العالمية

لم تكن للعرب في العصر الجاهلي وقبل البعثة المحمدية العظيمة دولة بمفهومها الحقيقي والمتكامل، ولا سلطة تحفظ الأمن والاستقرار، ولا إدارة واعية تنظم أمور البلاد والعباد، لكنهم كانوا يحتكمون في حلّ قضاياهم ومشاكلهم إلى تراثهم وتاريخهم، وإلى مناقبهم ومآثرهم، متسلحين بمكارم الأخلاق، لدرجة أنها كانت تقوم مقام الدين والقانون، وكانت بمثابة ناموس ناظم لسلوكهم وعلاقاتهم، ومجمل تفاصيل حياتهم.

لا شكّ أنّ العرب قبل الإسلام اقترفوا الدنايا وانغمسوا في الرذائل، وقاموا بأمور ينكرها العقل ويأباها الوجدان، فالغلبة كانت للأقوى، والنفوذ للأثرياء والتجار، والضعيف يؤكل ويغلب على أمره، والحاكم الأساسي هو العقلية القبلية المعقدة، بعصبياتها ونزعاتها المتوارثة، كما كانت الحرب سجالاً، والغزو مثالاً، والتحكيم ما كان إلا إلى السيف، ولكن كانت فيهم من الأخلاق الفاضلة المحمودة، لطالما حافظوا عليها وتغنوا بها في شعرهم، وجعلوها من مفاخرهم، ومن الشعراء الذين خلدوا هذه المكارم في أشعارهم عنترة بن شداد الذي كان يحتفي بالعزة وعنفوان الغيرة والكرامة، حيث يقول:

لا تسقني ماء الحياة بذلة               بل فاسقني بالعز كأس الحنظل

ماء الحياة بذلة كجهنم                  وجهنم بالعز أطيب منزل

لقد عرف العرب بأخلاقهم الحسنة وعاداتهم الطيبة، وكانت ثقافة مكارم الأخلاق مؤصلة وراسخة في حياتهم، لا تتزحزح، في ظل بيئة صحراوية يسودها القحط والجفاف والفقر، حيث تطبعوا بطابعها، فتشكلت أخلاقهم، وتلون مزاجهم بلون تضاريسها، فنبت الإباء بين صخورها، وانتشر الكرم في مداها الفسيح، وتكحلت أعينهم بالجود والايثار، واستمدوا من أعماقها الشجاعة والفروسية، حيث يقول الأعشى:

إن الأعز أبانا كان قال لنا:                     أوصيكم بثلاث إنني تلف

الضيف أوصيكم بالضيف، إن له              حقاً عليّ، فأعطيه وأعترف   

والجار أوصيكم بالجار، إن له                 يوماً من الدهر يثنيه، فينصرف

وقاتلوا القوم ان القتل مكرمة                 إذا تلوى بكف المعصم العرف

لقد تباهى شعراء مكة بمظاهر الأخلاق العربية حيث يذكر الدكتور محمد إبراهيم في كتابه "شعراء مكة قبل الإسلام" أن أهل قريش وسكان مكة كانوا يتباهون بحبهم لضيوفهم وكرمهم وسخائهم فيقول الزبير بن عبد المطلب في وصف قومه وشجاعتهم وساداته وبيان ما عرفوا به من كرم الضيافة وغوث الملهوف وتأمين الخائف:

يا أيها السائل عن مجدنا                       أربع تنبّأ أيها السائل

فينا مناخ الضيف والمجتدين                  منا وفينا الحكم الفاضل

ونحن مأوى كل ذي خلَّة                       كلّ حداه الزمن الماحل

كما نلاحظ أيضاً في في شعر عبد المطلب شيخ قريش وخادم الكعبة، وله مكانة كبيرة لما يتمتع به من صفات ومناقب جليلة وخلال كريمة، كان له الفضل في تنظيم مناسك الحج والاهتمام بالحجيج وتوفير المياهة للسقاية وإقراء الضيف:

فمن ينشْ من حُضّار مكة عزة                فعزتنا في بطن مكة أتلدُ

نشأنا بها والناس فيها قلائل                   فلم ننفكك نزداد خيراً ونحمدُ

ونطعم حتى يترك الناس فضلهم              إذا جعلت أيدي المفيضين ترعدُ

وانطلاقاً من هذه الفضائل والمآثر المغروسة في النفوس، وتلبية  للدوافع الإنسانية والأخلاقية النابعة من عادات ومكرمات أهل الجاهلية ومن قيم ومبادىء سامية اصطبغت بها فطرتهم، اجتمع أشراف مكة وأعظم بطون قريش على الإطلاق، في الحسب والنسب ومكارم الاخلاق هم: بنو هاشم بن عبد مناف، بنو المطلب بن عبد مناف، بنو أسد بن عبد العزى، بنو زهرة بن كلاب، بنو تيم بن مرة، واتفقوا على عقد "حلف الفضول" الذي هو حلف أخلاقي وإنساني بمقدماته ونتائجه وهو يعتبر أول هيئة للدفاع عن حقوق الإنسان في التاريخ كما عبّر د. جورج جبور، لقد جاء هذا الحلف نتيجة لحاجة مكة إلى الأمن والاستقرار بعد حرب الفجار، فقد كانت هناك مناخات تحتم الإسراع في عقد معاهدة تضمن حق الإنسان فى عدم نهبه وسرقته وظلمه أيا كانت الأسباب، خوفاً من أن يساء إلى سمعة قريش ويشوه صورتها، وذلك في مناخ إمبراطوري فارسي وبيزنطي قائم على العبودية وامتهان كرامة الإنسان، فجاء هذا الحلف من أجل نصرة المظلوم والاستتاب الأمن في مكة، وحفظ الإنسانية، وإصلاح بال المجتمع، ونشر الأمن في كل مكان، وحفظ دماء المسافرين من مختلف الأعراق والأجناس.

وقد اعتبر المؤرخ التاريخي الكبير الدكتور إبراهيم القادري بوتشيش، أن حلف الفضول سبق "الماغنا كارتا" الإنجليزية، وحقوق المواطنة الفرنسية، والدساتير الأمريكية، وهو يعد من الحلقات الأولى التي قام بها المجتمع المدني للدفاع عن حقوق الإنسان".

وما كان هذا ليحدث لولا لم تكن هناك جوانب مشرقة عند أهل الجاهلية، فلقد كان للجوار حقّـه، وللوفاء بالعهد قدره، وللصدق مقامه، وكان للحياء نصيب، ولعزة النفس تبجيل، فقد أنجزت قريش حلفاً لا نظير له، وتمسكت به أيما تمسك، واهتمت به كلّ الاهتمام، فظل صداه يتردد في أروقة الزمن، واستمر نوره يلمع في أعماق التاريخ، لأنه عبّر عن مكارم الأخلاق والمنهج الإنساني النابع من القيم الراسخة.

وقد زخر التاريخ العربي الإسلامي بالقصص والمواقف التي تدلل على مدى أهمية حلف الفضول، وعلى النواة التي شكلت مدخلاً إلى العدالة الإنسانية، حيث جاء في كاتب "أنساب الأشراف" للبلاذري أنّ رجلاً قدم من بارق بسلعة فابتاعها منها أبيّ بن خلف الجمحي فظلمه - وكان سيء المعاملة والمخالطة - فأتى البارقي أهل حلف الفضول فأخذوا له منه بحقه فقال:

تَهضّمني حقي بمكة ظالماً                     أُبيُّ ولا قومي إلي ولا صحبي

فناديت قومي بارقاً ليجيبني                    وكم دون قومي من فيافٍ ومن سهب

سيأبى لكم حلف الفضول ظلامتي             بني جمح والحق يؤخذ بالغصب

وقال الواقدي وهشام بن الكلبي: ظلم الوليد بن عتبة بن أبي سفيان - وهو عامل عمه معاوية على المدينة - الحسين بن علي بن أبي طالب في أرض له فقال: لئن أنصفتني ونزعت عن ظلمي وإلا دعوت حلف الفضول. فأنصفه.

حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده قال: لما عُقد حلف الفضول قالت العرب: لقد فعل هؤلاء القوم فعلاً لهم به على الثابت فضول وطول وإحسان. فسميّ حلف الفضول.

هذه هي المناخات والنتائج التي سادت وأعقبت "حلف الفضول" إذ إنّ قضية رجل واحد تعرض للامتهان والظلم في مكة شكلت منعطفاً في التاريخ العربي، وهزت ضمير المجتمع المكي، وأنّ صيحة مظلوم واحد استجاش عواطف ذوي المروءة وحمية العرب الأشراف والغيارى على حقوق الإنسان، وأجج غيرتهم فهبوا لاستغاثة المستغيث ومساعدة الضعيف، وإن وعدوا وفوا، وهم الموصوفون بالوفاء بالعهد، حيث كان العهد عندهم ديناً يتمسكون به، ويبذلون في سبيله كل غال ونفيس.

إن هذه الصيحة شكلت خطوة إرهاصية في التحول المعرفي والاجتماعي في المنظومة الجاهلية أدت إلى انبثاق أول حلف للدفاع عن حقوق الإنسان، الذي يشهد أن مكارم الأخلاق هي سابقة للإسلام بزمن وموجودة بالفطرة السليمة كالكرم والشجاعة، وهي التي قادت أشراف قريش إلى إنشاء هذا الحلف الذي مدحه النبي صلى الله عليه وسلم رغم عبادتهم للأصنام، ووأدهم للبنات، وغزوهم لبعضهم بعضاً، وهذا دليل على أن مكارك الأخلاق كانت جسرا لعبور الرسول إلى الدولة الإسلامية وإبلاغ رسالته وتجاوب القبائل مع دعوته.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم عقب حوار له مع سادة قبيلة ربيعة بني شيبان في أحد مواسم منى، حيث كان يعرض نفسه على قبائل العرب، لتتاح له فرصة التبليغ برسالة ربه  "أية أخلاق للعرب كانت في الجاهلية؟ ما أشرفها! بها يتحاجزون فيما بينهم في الحياة الدنيا".

تتجلى مكارم الأخلاق شمساً ساطعة في كل نص من نصوص الحلف، وتتوزع أشعة الأنسنة على واقع متعثر يسعى إلى الخروج من عقائد وترهات تحط من قيمة الإنسان، لتسهم في بلورة رؤية جديدة تفتح طاقة أمل في الجدار الجاهلي لتثبيت دعائم الصلح والتعايش والحوار، وهذه الأنسنة التي أعطت الحلف "قيمة" كتبت له الثبات والخلود في صفحات التاريخ، وجعلته مرجعية موثوقاً بها، لما يتمتع من شمولية وبعد إنساني وكونية بعيداً عن التعصب والعنصرية والأغراض السياسية، وقد ترك أثراً كبيراً في وجدان النبي صلى الله وعليه وسلم ليشكل تمهيداً لتأصيل فكرة حقوق الإنسان ومحاربة كل أشكال الظلم والطغيان.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية