حلف الفضول ركيزة في قواعد الشريعة الكلية وأقضيتها

درج العديد من المؤرخين والأدباء على إطلاق مصطلح "العصر الجاهلي" على المرحلة التي سبقت بعثة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، مما يوحي بأنّ قيم الجهالة وأساليبها تطبع جميع مفردات وتصرفات تلك المرحلة، التي هي في نهاية المطاف تمثل جزءاً أصيلاً من حياة الإنسان العربي، بصرف النظر عن ديانته وهويته.

لكن الذي يدافع عنه عدد من الباحثين القوميين خصوصاً، أنّ البعثة النبوية على الرغم من تأثيرها القيمي والسياسي والاقتصادي على العرب، إلا أنهم حتى قبلها كانت لديهم قيمهم وعاداتهم وأعرافهم الطيبة، التي جاء الإسلام وأعطاها أبعاداً أكثر محورية، في مثل معاهدة "حلف الفضول" التي وقعت في ذلك العصر، قبل أن يأتي الإسلام ليقرر المبدأ الذي انطلقت منه، وهو "نصرة المظلوم" ليكون ركيزة في قواعد الشريعة الكلية وأقضيتها، بوصفه مؤدياً إلى حفظ النفس والعرض، ومحققاً للكرامة الإنسانية.

ومن بين الباحثين المعاصرين الذين أبلوا ما استطاعوا في صرف المعايب عن عرب الجاهلية مثل "وأد البنات" البروفيسور السعودي مرزوق بن تنباك، ليقول إنّ ذلك لم يثبت في تاريخ العرب، إذ غاية ما هنالك أنهم مثل العديد من الشعوب يفضلون المولود الذكر على الأنثى ويتخلصون من الأبناء غير الشرعيين، فيما يشبه قاعدة كونية شائعة، وخاض في ذلك نقاشاً حاداً مع المناوئين، الذين حاولوا إلزامه بأنّ قوله ذلك يقتضي تحريفاً لمراد الآية القرآنية "وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت"، مما دفعه إلى كتابة مؤلف مستقل عن الموضوع سماه "الوأد عند العرب بين الوهم والحقيقة".

الباحث نفسه، قاد فريقاً بحثياً من 150 متخصصاً لتأليف موسوعة، تضمنت "القيم ومكارم الأخلاق العربية" التي كانت سائدة عند العرب قبل الإسلام وبعده، فكشفوا النقاب عن 51 قيمة في اثنين وخمسين جزءاً، مارسها العرب في أيام جاهليتهم، قبل أن يأتي الإسلام معززاً لها ومكملاً، في قول خاتم الأنبياء "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، في إشارة لغوية وظفها باحثو الموسوعة في الذهاب إلى أنّ قوله "لأتمم" دليل على أن معظم القيم التي جاء بها المبعوث رحمة للعالمين، كانت موجودة قبله، فجاء ليتمّمها، سواء بالزيادة عليها أو بتنقيته محيطها من الموانع التي تحول دول تطبيقها، مثل التمييز الطبقي، الذي جاء الإسلام بضدّه وهو المساواة.

ولا شكّ أنّ هذا الاتجاه له ما يسنده حتى في الموروث العربي الأشهر، وهو الشعر الجاهلي، الذي وثّق العديد من الحكم المتضمنة وكماً هائلاً من الأخلاقيات والقيم، ما كان للمتفاخر أن يباهي بها لولا أنها في بيئته وعصره خلقاً يمدح فاعله ويذم تاركه، فتراهم يعلون من شأن الكرم، والشجاعة، والإيثار، وإكرام الضيف، وإطعام المسكين، وحفظ الجوار، والوفاء بالعهد وغيرها من مثل ما جاء في شعر زهير بن أبي سلمى، شاعر الحكمة الشهير، وعنترة بن شداد، والشنفرى وغيرهم.

ولم يكن حلف الفضول بدعاً من أحلاف تلك المرحلة، فقبله بفترة ليست طويلة، حدثت واقعة السموأل التي غدت العرب تضرب بها الأمثال، فتقول "أوفى من السموأل"، حينما اختار أن يسلم ابنه للقتل عوضاً عن تسليم أمانة هي دروع ذات قيمة رمزية أودعها عنده الشاعر الجاهلي أيضاً امرؤ القيس.

ففي مجتمع مكة الذي حدث فيه حلف الفضول، كانت القبيلة هي الدولة فهنالك طرائق للكسب والتجارة، وأساليب للتعاطي مع الشأن العام والخاص، وفق ما يعرف الآن بالأعراف والتقاليد، التي ينتظم فيها الجميع، من سادات القبائل إلى الموالي والعبيد، فكل له نطاقه الذي يتحرك فيه، وقيمه التي يهتز لها وجدانه، واهتماماته وتحدياته المعيشية والقبلية، والاجتماعية والعسكرية أحياناً، وحينما يتعلق الأمر بالشرف والكرامة، فإنّ كل قبيلة تحرص على أن يكون لها من ذلك نصيب، وعلى إثر ذلك تقاسمت قريش مهام خدمة البيت الحرام، فكانت السقاية في بني هاشم والراية في بني أمية والرفادة لبني نوفل والسدانة في بني عبد الدار...إلخ، حتى جاء الإسلام وأبقى على كثير من تلك الوظائف مستمرة، فلا يزال بنو شيبة من بني عبد الدار إلى اليوم بيدهم مفاتيح الكعبة المشرفة، يتوارثونه كابراً عن كابر.

ولكن عندما تحدث جلائل الأمور، هناك النبلاء الذي يعرفهم الجمهور، ويقصدهم الغريب في الساعات الحرجة، بحثاً عن أي غاية، سواء أكانت جواراً أو طعاماً، أو ما تكون، فجاء حلف الفضول في هذا السياق، إذ توافق بنو هاشم وبنو تيم وبنو زهرة وتعاهدوا على أن: "لا يظلم أحد في مكة إلا ردوا ظلامته".

والأهم من الأحلاف ذاتها إشاعة مفهومها في ذلك العهد حتى غدا إنصاف الضعيف من القوي، خلق يتسابق إليه الفرسان والنبلاء، وفضيلة يتغنى بها الشعراء، وبقي تأثيرها في المجتمع العربي والقرشي خصوصاً حتى بعد الرسالة المحمدية، وظلت العرب وسواها من بني الإنسان يتداولون هذه الثقافة، حتى غدت من الصفات والسجايا الحميدة، التي تقل في محيط فيذم، أو تكثر في آخر فيحمد له ذلك إلى اليوم. ومن هنا يمكن النظر إلى المبادرة بإحياء قيم هذا الحلف مؤخراً من جانب "منتدى السلم في المجتمعات المسلمة" برعاية كريمة من الإمارات العربية المتحدة وقيادة العلامة عبدالله بن بيه على أنه إحياء لوشيجة الإنسانية في أسمى معانيها بين البشر كافة، وأرباب الأديان بينهم خاصة.

وليس ذلك غريباً على دولة الإمارات، وهي التي تبوأت المركز الأوّل عالمياً كأكبر جهة مانحة للمساعدات الخارجية في العالم 2017 المخصصة لكل صنوف البر والإحسان ودفع الشرور، وقد وجه الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي كلمة بتلك المناسبة قائلاً: "إنه لمن دواعي فخرنا وسرورنا ونحن في عام زايد أن تتصدر دولة الامارات تلك المكانة العالية بين دول العالم كأكثر الدول عطاء والذي يعبر عن جهود إماراتية مضنية تبذل لخدمة البشرية أينما كانت وتستمد جذورها من الأب المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان " طيب الله ثراه"، وهذا ما يمكن استعارته في مناسبة إحياء قيم "حلف الفضول" بدعم إماراتي، يسير على خطى الأب المؤسس، ونبلاء العرب الأخيار.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية