<حلف الفضول> تجربة إنسانية متجددة

يعتبر استدعاء النماذج المضيئة من تاريخ البشرية، والأحداث ذات البصمة الإنسانية، والمواقف النبيلة التي تخدم جمال الحياة، وسيلة في غاية الأهمية؛ لإحياء القيم السامية وتعزيز منظومة الأخلاق، التي على أساسها تُحفظ الحقوق، وتنمو العلاقات بشكل طبيعي، يجد فيه كلّ كائن ذاته الأصيلة، وحقّه في العيش دون مِنَّةٍ من أحد.

جميع الناس "يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء" هذا ما نصّت عليه المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 10ديسمبر 1948م؛ عقب الحرب العالمية الثانية، وما خلفته من ويلات فتكت بكلّ القيم النبيلة وجرّدت الناس من كلّ أسباب الكرامة!

جاء هذا الإعلان من ثلاثين مادة تؤطّر العلاقة بين بني البشر في عالم متعدد الأعراق والثقافات والديانات؛ بإجماع دولي يشي بمدى حاجة الناس في كلّ زمان أو مكان إلى السكينة والعافية والسلام، إلى التلاقي والحوار والتعايش.

هذا الميثاق الحديث، الذي يعتبر من أهم المواثيق الأممية، لم يكن سابقة لا في شكله ولا في جوهره، فقبل أربعة عشر قرناً من إعلانه؛ ولد من رحم الظلم حلف من أعظم الأحلاف الأخلاقية على مرّ التاريخ، سمي حينها بـ"حلف الفضول"؛ لما فيه من إحقاق الحقّ ورد الفضول لأصحابها في بيئة كانت قد امتلأت نزاعات وعصبيات وحروب استنزاف تافهة الأسباب، بحيث يُقتتل الناس أربعين سنة حمية لناقة أو جمل!

حلف الفضول؛ كتجربة إنسانية، بات إطاراً بل وحاضنة تبعث الأمل في نفوس صناع الحياة من بني البشر، الذين تأبى أنفسهم العدوان؛ بفطرتهم الإنسانية السليمة، لذلك ولما شهده عصرنا الحالي من استهتار بالإنسان في مجتمعاتنا واستخفاف بكرامته وهوان دمه في ظل حروب كبدت الإنسانية خسارة أغلى ما تملك من أنفس زكية وأوطان عظيمة، أصبح من اللازم تحرك العقلاء لإطفاء الحريق وإنقاذ الغريق، فكانت مبادرات شيخنا العلامة عبد الله بن بيه التي انطلقت بإنشاء منتدى "تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" الذي احتضنته دولة الإمارات العربية المتحدة، ودعمته بكل أسباب القوة والنجاح، حيث استطاع في ظرف وجيز استقطاب مئات العلماء والفلاسفة والمفكرين والباحثين من جميع دول العالم الإسلامي للنظر بعمق في حال أمتنا المريضة بالفهم السقيم والتأويل الخاطئ للنصوص، المبتلاة بمفاصلات عبثية وفناء داخلي رهيب!

بالفعل كان للمنتدى دوره المهم في إبراز الوجه الحقيقي للإسلام من خلال خطابه الرحيم ودعوته الحكيمة للتعقل والانهزام للمصلحة العامة وردوده المفحمة على دعاة العنف والاقتتال، فعقد لذلك مؤتمرات إسلامية وعالمية تناولت مركزية السلم في تحقيق العدل تأصيلاً وتفصيلاً، إضافة إلى وثيقة "إعلان مراكش التاريخي"، التي أسست لفكرة إنشاء حلف فضول، يضم أولي بقية من جميع الديانات السماوية، يشكلون اتحاداً للعائلة الإبراهمية في وجه الاستخدام السيء لطاقة الدين في الصراعات.

تنطوي فكرة "حلف الفضول" الذي يدعو له الشيخ عبد الله بن بيه على تحميل المسؤولية لجميع أتباع الديانات في مواجهة النزعات الاجتثاثية، الإقصائية على أساس الانتماء الديني والطائفي وحتى العرقي، لأنّ جميع الحروب التي تنشأ في هذا العصر يقحم فيها الدين كعامل ارتكاز حقيقي، فلا حرب ولا صراع يندلع في أي نقطة من العالم إلا واستندت أطرافه على الدين لتشريع الفظائع التي ترتكب.

في ظل هذا الوضع الحرج نحن بحاجة إلى حلف يضم حكماء وعقلاء كلّ الديانات السماوية لوقف استخدام الدين كطاقة دمار وخراب، وتصحيح الوضع القائم على أساس ما جاء في الكتب السماوية من إعلاء لشأن الإنسان وحفظ كرامته بغض النظر عن جنسه ولونه وطائفته وديانته، يقول الله عزّ وجل"ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا"

إنّ قوافل السلام التي استضافها منتدى تعزيز السلم، تضم ممثلين من كل الديانات السماوية، حيث عقدت مؤتمرات في الإمارات والمغرب وفي أمريكا، فهذ الحركة المباركة التي جابت بلداناً مختلفة مثل كندا واليابان وسنغافورة وغيرها من الدول ذات التأثير العالمي... لتعبر عن استعداد العقلاء لإيجاد مخرج واسع للعالم من ويلات الشحناء والبغضاء والحروب، إنه جهد نبيل ونهج قويم لايزال يؤتي ثماره حتى يعم الأمن والسلام بحول من الله وفضل.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية