حلف الفضول وتأصيل ثقافة التسامح في التاريخ العربي والإنساني

عندما نختبر المقولة التاريخية أو الحدث التاريخي، في مختبر القراءة المعاصرة؛ بثقافتها وفلسفتها ورؤاها إنما نُسقط الذات على التاريخ، ونُسقط التاريخ على الذات، أي نقابل مرآة الذات بمرآة التاريخ، فالتاريخ بقدر ما هو مرتبط بزمنه وواقعه وظروفه، أيضاً مرتبط بواقعنا وظروفنا وحاضرنا، أي أنّ الرؤية التي نقرأ فيها التاريخ هي رؤية متحوّلة غير ثابتة، وبالتالي قابلة للتأويل والتغير بجدلها مع الذات القارئة، وجدلها مع الزمن المتغير.

يتقدم البحث نسق من الأسئلة، كانت وما تزال مثيرة للجدل الفكري والثقافي في المشهد العربي والإنساني على السواء: متى يصبح التاريخ ضرورة وحاجة لنهضة الحاضر وتأصيل قيمه ورؤاه؟ وما هي قيمة العودة إلى التاريخ؟ وكيف نقرأ هذا التاريخ؟ وهل الحدث التاريخي قادر على استيعاب الحاضر؟

إنّ العودة للتاريخ لا تعني ارتكازاً خطابياً؛ بمعنى الخطاب المجاني الذي يؤجل الطاقات الكامنة في الذات، بل يعني ارتكازاً حاملاً لجدله، بين المقولة التاريخية وتأويلها؛ عبر استبصارها وتحليلها، أي تحيينها، في نسق الحاضر؛ كي يصبح التاريخ نسقاً محرضاً للذات على قراءة ذاتها؛ بقدر وعيها للدرس التاريخي، ما يسهم في بناء الحاضر وإعادة بناء الذات بعيداً عن أحادية النظرة، وانسجاماً مع تأصيل قيمة الحوار بين نسق الماضي ونسق الحاضر ورؤية المستقبل، وهنا يصبح سؤال التاريخ هو ذاته سؤال الحاضر، وسؤال المستقبل.

بهذه الرؤية يمكن أن نستعيد حلف الفضول؛ كتأصيل لقيمة التسامح والعدالة والحرية في التاريخ العربي والإسلامي والإنساني؛ في ظلّ حاضر أرهقه التفكك، وأدمته الحروب والصراعات، ما جعل المشهد الإنساني مشهداً مأزوماً بقيمه، ومنكسراً بأحلامه، ومحكوماً بانهياراته ونهاياته، وهو يواجه أعتى أنواع التطرف والتعصب والإرهاب؛ تحت مسميات وأيديولوجيات مختلفة؛ سواء أكانت دينية أم قومية، أم فكرية أم ثقافية. وهذا يجعل الحاجة ماسة إلى البحث عن حالة من التصالح مع الذات والعالم، وحالة من التعايش السلمي، في كنف رؤية متسامحة تقبل الآخر، وتتحاور معه، على خلفية من التبادل الإنساني، يعزز المشترك، وينبذ كلّ أشكال التطرف والتعصب.

كثيرة هي الاستراتيجيات والخطط والبرامج والأساليب، التي حاولت وتحاول أن تقف في مواجهة هذه الهجمة، التي خلخلت العلاقات الإنسانية بين المجتمعات، كما خلخلت مبدأ التعايش الإنساني في مجتمع مستقر آمن مطمئن. إلا أنّ كل تلك المحاولات على ضرورتها لمكافحة الإرهاب، لا تكفي لنزع الجذور العميقة لهذه الظاهرة من ذاكرة الإنسانية، بل لابدّ لها من روافد تدعمها، من هنا كان من الضرورة أن تكون هناك ثقافة أخرى توازي تلك المحاولات؛ لمواجهة الظاهرة الإرهابية في العالم. ذلك لأنّ المواجهة لا تعني الحاضر فحسب، وإنما تعني أيضاً مستقبل المجتمع الإنساني. ومستقبل الإنسان، ومن هذا المنطلق يمكن القول: إنّ ثقافة التسامح والتعايش هي الثقافة البديلة التي تسهم مساهمة فعالة في إزاحة كلّ أشكال التطرف، لأنّها ثقافة أصيلة في المجمعات الإنسانية؛ تنهل من فطرة الإنسان، بينما التطرف بأشكاله المختلفة، ظاهرة مرَضيَّة وطارئة، لابدّ من استئصالها والقضاء عليها؛ بترسيخ البدائل الثقافية التي تسهم في تأصيل المشتركات الإنسانية.

إنّ قراءتنا لحلف الفضول تنطلق من أنّ القيم الإنسانية لا يختص بها تاريخ معين، وإنما هي قيم تنهض من كينونة الفطرة الإنسانية، ما يجعلها منفتحة على الحاضر والمستقبل؛ كما هي راسخة في الماضي.

وفي حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "وإنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"؛ تأكيد على هذه القيم التي كانت راسخة في عصر ما قبل البعثة، فأتمها الإسلام وعززها في سلوك الفرد والمجتمع، وجعلها منهجاً أخلاقياً أصيلاً في دعوته.

كما يؤكد حديث الرسول الكريم على أنّ العصر الجاهلي لم يكن عصراً همجياً، لا قيم فيه، وإنما كان العرب قبل الإسلام، أصحاب نخوة، وشهامة، وعزة، وكرامة يعظمون الحرمات، ويحافظون على المقدسات، ويغيثون الملهوف، ويجتمعون لرد المظالم لأصحابها، ما يؤكد أنّ المجتمع العربي كان له رصيده القيمي والأخلاقي، الذي قامت عليه العلاقات بين القبائل والأفراد، واستطراداً بين العرب في ذلك الحين وبين المجتمعات الأخرى. 

وما حلف الفضول الذي تداعت إليه قبائل من قريش للتحالف والتعاهد والتعاقد على نصرة المظلوم وردع الظالم، ورد المظالم والفضول إلى أهلها، وشهده الرسول الكريم، إلا نفحة إنسانية مبكرة من نفحات العرب الأخلاقية والإنسانية، مؤصلاً في ذلك قيمة التسامح في التاريخ العربي وقيمة حقوق الإنسان التي تنتهك كل يوم تحت مسميات مختلفة، في عالمنا المعاصر.

لا نريد الوقوف عند الأسباب التي دعت إلى ذلك الحلف، والدواعي الخاصة إلى قيامه، لأن ذلك من باب التوثيق التاريخي للحدث، وإنما نريد أن نقرأ الحلف كظاهرة إنسانية في ذلك العصر قادرة على الاستمرار، وقادرة على تأصيل قيمها في الحاضر والمستقبل الإنساني، وبالتالي تمنح الحاضر قوة استناد أصيلة، لتفكيك قيمه، وإعادة ترتيبها في ضمير الإنسانية.

وكما تذكر كتب التاريخ والسيرة، أنّ النبي، صلى الله عليه وسلم، رفض كلّ أحلاف الجاهلية؛ باستثناء حلف الفضول؛ لأنه كان حلفاً قائماً على تأكيد العدالة الإنسانية، وميثاقاً للدفاع عن حقوق الإنسان، وبالتالي يعد تأصيلاً لقيم الدين الحنيف التي جاءت من بعده، مؤسساً بذلك منظومة العدالة وثقافة التسامح والتعايش، والحوار والحرية في التاريخ العربي والإسلامي.

كما يرى د. الطيب تزيني، أنّ حلف الفضول كان حدثاً مهماً؛ نظراً لما توصل إليه المتحالفون من نتيجة، شكلت منعطفاً في التاريخ العربي قبل الإسلام. فقد كان ذلك حقاً تحولاً أولياً في التهيئة للخطوة الكبرى التالية. أما حدوث هذا التحول النوعي؛ فقد جاء في سياق القطيعة المعرفية والاجتماعية مع المنظومة الجاهلية والاتجاه إلى ما بعدها. أما النتيجة الحاسمة لذلك الحلف، حلف الفضول، فقد تمثلت في التعاهد "على أن ينتفي الظلم من مكة، وأن يُرد عليه إذا كان موجوداً، حتى تُرد على المظلوم ظلامته".

وباستقرائنا لقيم حلف الفضول على خلفية واقعنا المعاصر، تنهض أمامنا قراءة الرسول الكريم لذلك الحلف، التي تؤكد على ضرورة تدعيم القيم الخيرة في المجتمع، وضرورة التحالف على الخير، والانفتاح على الآخر عبر تعزيز الحوار والتواصل على خلفية المشترك الإنساني؛ لأن الحوار هو السبيل الأرقى، والأجدى لنهضة الأمم والمجتمعات، وهو الوسيلة الأجدى لنبذ العنف والتطرف، وتكفير الآخرين، وإلغاء وجودهم؛ لأن ما يجمع البشر أعمق مما يفرقهم، وبالتالي إن السبيل الوحيد لخروج المجتمع الإنساني من مأزقه، وأزمته الحضارية، لا يكون إلا بالتعايش السلمي والتسامح، والاعتراف بحق الآخر في العيش بأمن وسلام.

بهذه القيم يمكن أن نعيد لتاريخنا أصالته، كما نعيد لديننا الحنيف فطرته الأولى، وبريقه الأنقى؛ لينهض بين المسلمين وغيرهم حلف فضول جديد، يسعى لخير الإنسانية جمعاء، في مجتمع إنساني متسامح متعايش متحاور، عقلاني كي ينتصر الإنسان للإنسان، على قاعدة سيدنا علي بن أبي طالب، رضي عنه "الناس صنفان إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق".


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية