وثيقة حلف الفضول تُجسد السلم وتكفل حرية الإنسان وكرامته

شغل الجانب الثقافي والإبداعي حيزاً كبيراً في العصر الجاهلي حيث وصل إلى ذروة تألّقه وتطوّره فكرياً وفنياً من خلال شعراء الجاهلية وإنتاجهم الشعري، الذي يتدفق بالقيم الأخلاقية والاجتماعية والإنسانية، ويتباهى بمكارم الأخلاق من إكرام الضيف وإغاثة الملهوف والوفاء بالعهود، ففي ظلّ هذه الحالة من القيم والمعارف والثقافة انبرى أكرم بطون قريش وأشرفهم لعقد "حلف الفضول" الذي ينسجم في غاياته النبيلة مع غايات الأدب والإبداع في الارتقاء بالإنسان والتحلّي بالقيم الجميلة والمحافظة على حقوقه وحريته وكرامته.

من هنا تأتي أهمية التعريف بمبادىء "حلف الفضول" واستحضاره في الثقافة المعاصرة، وذلك لتحقيق هدفين رئيسين هما: الأوّل: تعريف العالم بحقيقة البنية الفكرية والأخلاقية للعرب والمسلمين القائمة على مبدأ الحفاظ على حقوق الإنسان، ورفع الظلم، وتحقيق العدالة بين الناس كافة، وهذا بمثابة رد وتفنيد للمروّجين لظاهرة "الإسلامو- فوبيا" التي تُغذّيها جهات متطرفة مختلفة المشارب، تهدف إلى إقناع العالم بأنّ العرب والمسلمين هم مصدر الإرهاب والتطرف. ما يضع أكثر من مليار مسلم في "سلّة الإرهاب والقتل" ظلماً وعدواناً.

أما الهدف الثاني فيشير إلى أنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في عام 1948 قد استند إلى دساتير ووثائق سابقة حاولت صياغة قوانين وأنظمة ومبادىء تحفظ حقوق الإنسان وتكفل حريته وكرامته؛ بعد حربين عالميتين مدمّرتين، دفعت البشرية ثمناً غالياً بسببهماً، وقد استفاد هذا الإعلان من إعلانات شبيهة سابقة في فرنسا وبريطانيا وأمريكا.. وغيرها، لكنه لم يتطرّق  في مواده أو صياغته ولا حتى في ديباجته إلى أيّة وثيقة أو معاهدة أو تعهّد عربي في موضوع حقوق الإنسان، كما جاء في حلف الفضول مثلاً. مع أن هذه الوثيقة قد سبقت زمنياً كلّ الوثائق الأخرى الحديثة نسبياً، وهي وثيقة تُجسّد حالة السلم والعدل والحفاظ على حقوق الإنسان، كما وُثّقت وطُبّقت قبل الإسلام واستمرّت بعده حيث باركها النبي محمد (ص).

وثيقة "حلف الفضول" تلخّص اجتماع القبائل العربية في العصر الجاهلي بعد حروب ونزاعات بينها، والاتفاق على وقف الظلم وإحقاق الحق وتطبيق العدالة؛ بحيث لا ينام أيّ إنسان مظلوماً في مكة. واستحضار حلف الفضول في عصرنا درس يُستفاد به في صراعات الأمم اليوم، فحروب القبائل ونزاعاتها قديماً تشبه حروب ونزاعات الدول الآن، وخاصة بعد حربين عالميتين طاحنتين وحروب أخرى شرسة، تدور الآن في أغلب بقاع الأرض. كما أنّ إحساس القبائل قديماً بالخوف والدمار وفقدان الأمن واستفحال الظلم، دفعهم إلى اللقاء والحوار والاتفاق على بنود "حلف الفضول" السلمية والأخلاقية، تماماً كما حدث عند الاتفاق وإقرار "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948" بعد حربين داميتين.

لكل هذا نجد أن وجه الشبه – مع فارق الأزمنة والمجتمعات – بين "حلف الفضول" و "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" متقارب ومتناغم، فكل منهما يدعو إلى الحفاظ على إنسانية الإنسان وسلامته وحريته وعلى كل حقوقه؛ دون اعتبار للونه أو جنسه أو دينه. ولذلك فإن "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" إذ يعقد ملتقاه السنوي الخامس تحت عنوان "حلف الفضول فرصة للسلم العالمي" مطلع الشهر المقبل في أبوظبي، قد أحسن صنعاً بالتعريف بمبادىء "حلف الفضول"، إدراكاً منه في إيصال البنية الفكرية والثقافية والأخلاقية لهذه الأمة، كما هي واقعياً وتاريخياً، لا كما تُسوّق لها كواليس الجهلاء والمتطرفين والكارهين، الذين يربطوننا بالعنف والإرهاب والمجازر المستمرة في كل يوم.

إن وضع مبادىء أو قيم "حلف الفضول" في إطار عالمي لتحالف الأديان يمثل خطوة متقدمة، بل نقلة نوعية غير مسبوقة على مستوى تعزيز السلم العالمي وصيانة الحياة على كوكب الأرض. ولكن لا بُدَّ من خطوات أخرى، يجب تفعيلها لكي لا يظلّ هذا الحلف وغيره حبراً على ورق.. وأهم هذه الخطوات هو أن تتبنّى الأمم المتحدة هذا التحالف، وأن ترفده بمعادلات موضوعية تمنحه من القوة ما يؤهله لتوصيل أفكاره، وتنفيذ مشاريعه، وأن تكون له سلطة فعلية للتدخل في فض النزاعات وإجراء المصالحات، بحيث يشعر كل إنسان بأنه معني بثقافة السلم وأنه مستفيد من عوائده، من دون استثناءات. وبهذا المفهوم والأداء والتنفيذ، يكون الإنسان قد بدأ يسترد عافيته المنهكة وأحلامه المنهارة، وبعضاً من حقوقه المستباحة.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية