حلف الفضول وثيقة قيمية راسخة في الموروث الثقافي العربي

يشكل حلف الفضول نقطة مضيئة في تاريخ الدفاع عن حقوق الإنسان، وبداية فعلية لوجود الجمعيات الخيرية والإنسانية والمنظمات الحقوقية ذات البعد الشمولي والطابع العالمي، كما يسجّل "براعة اختراع" الإنسان العربي في السبق إلى فضيلة الدفاع عن حقوق الإنسان.

لقد ظلّ الاهتمام الحقوقي العربي والعالمي بهذه الوثيقة هامشياً؛ لدى تشكيل المرجعيات الأساسية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1948، مثل وثيقة "العهد العظيم" الإنجليزية الصادرة في خمسينيات القرن الـ13 الميلادي ببريطانيا، ووثيقة حقوق المواطن الفرنسي الصادرة خلال القرن الثامن عشر الميلادي، مما يصرف ذهن الإنسان المعاصر عن الوثيقة الحقوقية الأقدم في التاريخ، والأرسخ في الثقافة العربية الإسلامية، ومحوريتها في تكامل حقوق الإنسان على الصعيد الأممي.  

ولعلّ من نافلة القول أن نؤكد أنّ العقل العربي - حتى في عصره الجاهلي القلق - استطاع أن يحرز سبق إنتاج ثقافة حقوق الإنسان، ويجسد أحد أروع الأمثلة الأممية التاريخية على صيانة عرضه وحفظ ماله واحترام حرياته، كائناً من كان، من خلال هذه المحطة الهامة في تاريخ حقوق الإنسان؛ فكيف تأسس حلف الفضول؟ ولماذا زكاه النبي صلى الله عليه وسلم؟

يروي المؤرخون وأصحاب السير أنه لم تكد "حرب الفجار" ـ حوالي 591م ـ تضع أوزارها بين كنانة وقيس عيلان حتى وجد المجتمع المكي نفسه مضطراً لمواجهة آثار تلك الحرب البشعة وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية المختلفة، وتبعاتها الماثلة، في بيئتها المحلية القلقة ومحيطها من الامبراطوريات العنيفة.

وفي هذا السياق حدث أنّ رجلاً يمانياً قدم إلى مكة ببضاعة فاشتراها منه أحد رجال المال والجاه في المجتمع الجاهلي بمكة، وحبس عنه حقه، فاستغاث، وأجابه أهل الفضل. وكان ذلك سبباً في قيام الحلف بالاتفاق على أن يكونوا يداً واحدة مع كلّ مظلوم على كلّ ظالم؛ حتى لا يضيع حقّ في بطاح مكة. وفي ذلك قال صلى الله عليه وسلم مزكياً الحلف: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت".

وهكذا نلاحظ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد تجاوز الإشادة بالحلف وتزكيته إلى إبداء استعداده ومد يده الشريفة لجميع الحكماء والعقلاء على تعدد مللهم ونحلهم وتبيان دياناتهم واختلاف ألوانهم وثقافاتهم. ما يعني أنّ "الإسلام يزكي الفضيلة أياً كان مصدَرُها ومصدِّرها، وأياً ما يكن منشؤها ومُنشِئها" وأنّ "الدين واختلافه لا يقف حاجزاً دون التعامل معها، ولا يقف حائلاً دون مدّ اليد إليها" كما يقول مولانا الشيخ عبد الله بن بيه، الذي يرى "أنّ الفضيلة هي مرحلة متقدمة لحقوق الناس وأنّها طور جديد من تطور حقوق الإنسان".

ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام جاءت رسالته الخالدة مفعمة بالعديد من النصوص التي تحثّ ـ جملة وتفصيلاً ـ على احترام سائر أنواع الحقوق، ومنها مبدأ تكريم الإنسان. وهذا يبين مدى رسوخ حقوق الإنسان في الإسلام وتجذرها في الثقافة العربية وقِدمها في الحضارة الإنسانية إلى درجة تؤهل العقل العربي للمشاركة الفعالة في مجال حقوق الإنسان؛ بل وتشعره بمسؤوليته التاريخية عن الإنسان وحقوقه والبشر وكرامتهم؛ ليأخذ زمام المبادرة نحو وضع دولي أكثر عدالة وإنصافاً، وأكثر قابلية للتسامح والتعايش والتكامل الثقافي والتفاعل الحضاري، للمساهمة في وجود بيئة دولية وعالمية أكثر أماناً وسلاماً ومحبة وطمأنينة وسعادة لأبناء البشرية جميعهم.

وإذا كانت البيئة الجاهلية العنيفة، ومحيطها الامبراطوري القاسي قد فرضا في تلك الفترة ضرورة قيام حلف الفضول؛ فإنّ حالة الاقتتال العربي وإراقة الدماء المسلمة، واتسام البيئة الدولية اليوم بثلاث سمات بارزة؛ هي أولاً: "وصول الإنسانية إلى تقدم تكنولوجي غير مسبوق في التاريخ البشري المعروف. وثانياً: أنّ هذا التقدم التكنولوجي أوصل البشرية إلى قدرة على التدمير الذاتي غير مسبوقة في التاريخ. وثالثاً: أنّ البعض قد يكون مستعداً لارتكاب هذه الحماقة". هذا بالإضافة إلى "شعور العالم بالمأزق الذي أصبح فيه وانتشار حالة من القلق وعدم اليقين والثقة" كما يرى معالي الشيخ عبد الله بن بيه، فإنّ ذلك يملي تحالف القيم ويؤكد ضرورة البحث عن "أولي بقية من مختلف الديانات والمشارب والمذاهب من أجل إنشاء حلف فضول عالمي جديد، لإعادة القيم المشتركة في حياة الناس وهي: العدل والوفاء والصدق والحق، وسائر الفضائل والخصال المنبثقة منها؛ من كل ما يزكيه العقل ويشهد له النقل (...) كالرأفة والرحمة والإيثار والحب والأخوة"، داعياً "البشرية إلى ركوب سفينة القيم لأنها آخر ملاذ لنجاتها، وأن تعاد لحياتهم بعد أن دقّ الفلاسفة ناقوس الخطر" كما يقول الشيخ المجدد.

وفي الطريق نحو إنشاء حلف فضول عالمي جديد يستحضر العلامة عبد الله بن بيه قيمة حلف الفضول وتزكية النبي صلى الله عليه وسلم له، مبرزاً منابع ومصادر القيم في الإسلام، مستنبطاً قواعد إسلامية رصينة ترشد إلى إنشاء تحالف للقيم، يمكن أن يقود البشرية إلى رفع الظلم وإرساء قواعد جديدة للتعايش والتسامح، وتكريس حقوق الإنسان والسلام الدائم على أرضية القيم المشتركة، باحثاً عن توسيع دائرة المعايير الأخلاقية والفضائل الإنسانية التي تجمع البشرية، ثم عن أولي بقية من شتى عقلاء الأمم وحكماء العالم، مسترشداً بقوله تعالى: (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ) (سورة هود 116)، ومستعيناً بتجاربه الشخصية المتعددة الأبعاد، ومعرفتة المقاصدية الواسعة، وقدرته الفذة على التأصيل الشرعي والتجديد الفكري الديني؛ فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان، انطلاقاً من الكليات الخمس؛ ضمن دائرة المقصد الضروري، كما يبين ذلك في محاضرة "تحالف القيم" من الدروس الحسنية.

وانطلاقاً مما سبق تتبين أهمية حلف الفضول ومركزية مضمونِه وبنودِه في منظومة حقوق الإنسان، ومكانةُ هذه المنظومة في الإسلام، وتجذرُ الحقوق في العقلية العربية والثقافة الإسلامية، وتعددُ فرص الاستفادة من حلف الفضول؛ كوثيقة مرجعية هي الأقدم في تاريخ حقوق الإنسان وماضي التضامن والتعايش بين بني آدم، حين توجد بصائر ثاقبة وإرادات صادقة، تسعى لإحياء وتجديد تلك القيم، من خلال حلف فضول عالمي وأممي جديد، يسعى لإيجاد فرص للسلم العالمي والتعايش الإنساني، كما هو عنوان الملتقى السنوي الخامس لـ"منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة"، الذي يعقد في ديسمبر المقبل في أبوظبي تحت عنوان: حلف الفضول: فرصة للسلم العالمي.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية