حلف الفضول .. الواقعة والدلالة

     ليس لدينا النسخة - الوثيقة التي نصت على قيام "حلف الفضول"، ولا نملك الفقرات التي تتضمنها الوثيقة، فكل ما لدينا أقوال رواة متأخرين. وإذا أقررنا بوجود حلف الفضول، وأنا أميل إلى تصديق هذا الأمر، فإنه يجب أن تكون هناك بالأصل وثيقة مكتوبة، موقع عليها من قبل المتعاقدين على مبادئ هذا الحلف.

 

بداية لا يُعقل أن يكون الحلف قد تم شفاهياً فقط. فالعرب في الجاهلية كان يكتبون عهودهم، ويشهدون على وثائقهم. كذلك لا يُعقل أن تكون القصة التي قيل: بأنها سبب قيام عقد بين قبائل من قريش كافية؛ لفهم حلف الفضول وتفسيره. فإنْ يكون العاص بن وائل وهو من أسياد قريش قد أكل حق اليماني، الذي لا نعرف اسمه، والذي استجار ولَم يجره أحد، فقام الزبير بن عبد المطلب بدعوة قبائل من قريش على ابرام عقد بينها لنصرة المظلوم.. أن يكون هذا السبب لقيام حلف الفضول لا ينجب اقتناعاً عقلياً في ظل الحقيقة التي تقول: بأن مكة هي المدينة المعبد  الدولة.

وحلف الفضول يجب أن يكون قد تم بين كل ممثلي بيوتات قريش وليس بين

أربعة أو خمسة بيوتات. فالنص القصير الذي بين أيدينا يشير إلى تكوين قوة عامة للحفاظ على الحق في مكة. نصرة المظلوم على الظالم، سواء كان المظلوم شريفاً أو وضيعاً.

والحلف بالعربية هو العهد والاتفاق، أما لماذا سُمي بحلف الفضول فهناك عدة روايات. ولكن الرواية المعقولة هي: بأنه سُمي حلف الفضول؛ لأنه يرد الفضل لأهله.

    وهو الحلف الوحيد الذي تذكره كتب السيرة والتاريخ الذي لم يكن بدواعي الحرب، كحلف الأحابيش، وحلف الأحلاف "لعقة الدم"، وحلف المطيبين.

نعود إلى مكة، فمكة المدينة هي أم القرى، هي المركز التجاري الأهم في عصر ما قبل الإسلام، وتجار قريش الطبقة التي أسست لأسواقها التي ترتادها العرب من كل مكان، كسوق عكاظ ومجنة وذو المجاز وغيرها. فهذه المدينة التي تعج بالساكنين والزائرين والوافدين والعابرين من أقوام شتى، والتي تحتوي على السلع القادمة من اليمن والشام وفارس والحبشة، يجب أن تحكمها قوانين حماية للتجارة والأسواق والزبائن. وعندي بأن حلف الفضول كان حامياً للحياة الاقتصادية المكية، وضامناً لحق الوافدين إليها، ومنظماً للعلاقات بين قريش والوافدين إليها، وتحريم الاعتداء على الوافدين والحفاظ على ثروتهم. ولهذا قد يكون عهداً أقدم من تاريخ ما قاله الرواة.

أما مكة الدولة، فهي التي كانت تحكمها دار الندوة التي تتألف من أسياد-حكماء قبائل قريش، وتشرع للعلاقات الداخلية والخارجية للدولة. ويقال بأن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) كان سفير قريش للقبائل، أي وزير خارجيتها بالمعنى المعاصر للكلمة، وسواء صح هذا الخبر أم لم، فإن علاقة المدينة الدولة بالقبائل الأخرى كانت تتمم وفق قواعد معروفة، وحماية الدولة من الفوضى وخرق قوانينها، وحماية من يقصدها من العرب، تعينت بأشكال متعددة، وقد يكون حلف الفضول أحد أشكال القوانين التي تحكم علاقة القرشي بغيره.

والأهم من هذا وذاك، أي من مكة المدينة والدولة مكة المعبد. فلم تكن مكة المعبد -الكعبة، معبداً لقريش فقط؛ بل لأكثر مدن العرب وقراهم وقبائلهم.

والمعبد لم يكن يقوم بوظيفة دينية فحسب، وإنما وظيفة اقتصادية واجتماعية كذلك. ففي هذا المعبد انتظمت كل أوثان العرب وآلهتهم تقريباً، وكانت طقوس العبادة والحج تتم في المدينة المعبد. وبالتالي فإن حماية الحياة الروحية وتنوعها واختلافها وطقوسها كان جزءً لا يتجزء من مسؤولية المدينة الدولة. فهذه المدينة -الدولة التي يرتادها الآلاف من العرب في مواسم متعددة، لا يمكن إلى أن يكون فيها عهود تحكم العلاقات بين أهليها وهؤلاء القادمين إليها. وعندي أن حلف الفضول هو عهد وعقد للقيام بهذه المهمة أيضاً.

وهكذا، ففي التحليل العقلي لحلف الفضول، وكشف معقوليته نقع على دلالات عملية على غاية كبيرة من الأهمية التاريخية والراهنة تقوم كلها على فكرتي الحق والحرية. فالحفاظ على الحياة الاقتصادية وحيويتها يتطلب الحفاظ على الملكية وحق المالك، ودون ذلك فإن الحركة الاقتصادية لأسواق مكة ما كانت لتستمر لولا وجود أحلاف كحلف الفضول. فحرية التجارة والبيع والشراء مستحيلة دون الأمان على الثروة وحمايتها من النهب والاعتداء والظلم. وإذا ما انتشرت أخبار عن أهل مكة بأنهم يأكلون الحقوق فإنهم، ولا شك، سيخسرون أسواقهم؛ لأن الشرط الأول والأهم للتجارة هو الأمان على المال والثروة، وهذا ما كانت توفره قريش للمدينة. كما إن علاقة السلم والأمان الضروريتان بين قريش وقبائل العرب، يجب أن تنظم في إطار عقد اجتماعي داخل قريش، وبين قريش وجيرانها. وأعتقد بأن حلف الفضول كان يعني ذلك. فحلف الفضول هو صياغة القانون الذي ينظم العلاقة بين قريش والعالم الخارجي، أو هكذا يجب أن يكون.

والدلالة الأعمق المرتبطة بالحق والحرية، تلك المتعلقة بالحفاظ على الكعبة، وحرية العبادة فيها؛ إذ تشير بعض الكتابات عن أن هناك في العهد ما يشير إلى حماية الكعبة وحجاجها وآلهتها، وإذا صح هذا فالعهد (الحلف) يؤكد حماية حرية المعتقد وممارسة شعائره في مكان يجب أن لا يخضع للمنازعات والحرب.

ومع ذلك، يجب أن لا نبالغ في تحميل هذا الحلف في حينه، أكثر ما يحتمل. فالحلف تم بين الأحرار، ولحماية الأحرار في مجتمع فيه طبقة عبيد يٌباعون ويشترون.

ويورد كتاب السيرة والرواة الإخباريون بأن حلف الفضول ظل يعمل به لما بعد ظهور الإسلام لعدة سنوات. غير أن أهميته الراهنة لا تعدوا أن تكون مدخلاً لتأكيد فكرة الحق؛ بوصفها إرثاً قديماً في ثقافة العرب وذهنيتهم. فإذا كانت فكرة الحق المتعينة في حلف الفضول ما يميز المدينة الدولة - مكة قبل ألف وخمسمائة عام، فإنه لأولى بالدولة الوطنية الراهنة أن تكون دولة الحق.

والحق إن حلف الفضول يضعنا مباشرة أمام مفهوم ما زالت البشرية واقعة تحت وطأة تعينه في الحياة، ألا وهم الظلم. فالظلم بالتعريف هو سلب الحق من الآخر، من الفرد أو من الجماعة، وسلب الحق لا يكون إلا بالقوة والغلبة. فالاحتلال ظلم واضطهاد الناس؛ بسبب معتقداتها وآرائها ظلم، وسلب الحرية ظلم، وكل هذه الأشكال من الظلم وغيرها سلب للحق، وكل سلب للحق اعتداء على كرامة الإنسان وحياته. وهذا هو المعنى العميق لحلف الفضول.

ولعمري فإن حلف الفضول يشير إلى تطور في معنى الحق في المدينة الدولة، ولهذا فإن الحق والدولة لا ينفصلان. والدولة المعاصرة لم تعد ممكنة دون الحق الذي يؤسس للقانون الحامي له، والسلطة القادرة على تحقيقه.  

لكن الحدث الأبرز الذي أسس لفكرة الحق بالمعنى الحقوقي والسياسي في تاريخنا العربي الإسلامي، والذي لا يؤخذ بروحه اليوم في بلاد العرب والإسلام، هو دستور المدينة- يثرب. وهذا ما يحتاج إلى قول مستقل.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية