كلمة عن عام التسامح

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على سيدنا محمد المبعوث بالحنيفية السمحة وعلى آله وصحبه

 

أصحاب السماحة والفضيلة إخواني أعضاء مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي

كل باسمه وجميل وسمه

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

يطيب لي أن أرحّب بكم في هذا الاجتماع الثالث لمجلسكم الموقّر، لنمضي قدما في وضع الأسس التنظيمية والقانونية لعملنا، والاتفاق على آلياتنا، وللنظر في ما هو معروض علينا من القضايا الفقهية.  

ولكن دعوني بادئ ذي بدء أهتبل الفرصة السانحة وأتقدم باسمنا جميعا بالتهنئة والمباركة لسيدي رئيس الدولة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ولنائبه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وولي عهده صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولجميع إخوانهم حكام الإمارات، بمناسبة قرار صاحب السمو رئيس الدولة اعتبار سنة 2019 عاما للتسامح، والذي يأتي انسجاما مع رؤية الإمارات، القائمة على قيم السماحة والتسامح، التي جسدها مؤسس هذه البلاد، زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله.

لقد كان عام زايد الخير مناسبة متجددة للتنويه بقيم السماحة، قيم الجود والبذل والعمل الإنساني، وستكون السنة الجديدة مناسبة أخرى للتنويه بقيم التسامح، قبول الآخر، والتعايش السعيد والأخوة الإنسانية. 

إن التسامح في الإسلام يشكل ثقافة متكاملة، لها قيمها ومظاهرها ومجالاتها.

وقد وصفت الشريعة بها حيث جاء في الحديث المسند الذي يرويه أحمد وغيره عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "بعثت بالحنيفية السمحة" أي السهلة الميسرة، وله شاهد من حديث عائشة: "لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة إني أرسلت بحنيفية سمحة"، وعلق عليه ابن القيم: "إنها حنيفية في التوحيد، سمحة في العمل". وذكره البخاري في جامعه كعنوان بقوله: "باب الدين يسر وقول النبي صلى الله عليه وسلم: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة". وورد في مصنف عبد الرزاق تفسيره مرفوعاً بأنها الإسلام الواسع.

فهذه الأحاديث تعطي للسماحة معنى اليسر والسهولة والسعة مما يدل على رفع الإصر والحرج والبعد عن التشدد.

وقد يعبر عن التسامح في القرآن الكريم بأربعة مصطلحات: العفو والصفح والغفران والإحسان؛ حيث يقول سبحانه وتعالى: {فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين}.

فالتسامح في الإسلام معنى فوق العدل، فالعدل إعطاء كل ذي حق حقه، أما التسامح فهو بذل الخير لا في مقابل، فهو من قبيل الإحسان الذي يمثل قمة البرِّ وذروة سنام الفضائل.

إن التسامح هو التسامي عن السفاسف، إنه عفة اللسان عن الأعراض، وسكون اليد عن الأذى.

"فالمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله".

إنه طهارة القلب، ونقاء الباطن من الأحقاد والضغائن والأفكار المنحرفة. وجاء في الحديث "اللهم اسلل سخيمة صدري". والسخيمة والحسيكة والكتيفة: الحقد.

التسامح: التواضع العزيز:" من تواضع لله رفعه"، وعكسه الكبر:" الكبر بطر الحق وغمط الناس".

التسامح: الإيثار ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصةٌ﴾.

التسامح:"إطعام الطعام وإفشاء السلام على من عرفت ومن لم تعرف".

  فلو كنتَ تُعطِي حينَ تُسأَل سامَحت      لكَ النَّفسُ واحْلَوْلاَكَ كلُّ خليلِ

إنه التجاوز عن الزلات والتجافي عن الهفوات. 

التسامح هو ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم

التسامح هو ظن الخير بالناس وحملهم على أفضل المحامل ففي حديث عتبان ابن مالك لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة في بيته وثاب إليه رجال فسأل بعضهم أين مالك ابن الدخيشن فقالوا ذلك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقل لك، وقال : أليس يشهد أنه لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا بلى ولا شهادة له، قال أليس يصلي؟ قالوا بلى ولا صلاة له، فقال رسول الله صلى عليه وسلم : فإنَّ الله قد حرَّم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله.

وللتسامح في الإسلام مظاهره الكثيرة:

 أولا: إن الإسلام يعتبر البشر جميعا إخوة، فيسد الباب أمام الحروب الكثيرة التي عرفها التاريخ الإنساني بسبب الاختلاف العرقي.

 والإسلام يعترف للبشر  بحقهم في الاختلاف﴿ولا يزالون مختلفين......﴾.

ثانياً: اعترف الإسلام للآخرين بحقهم في ممارسة دينهم، فسد الباب أمام الحروب الدينية التي كاد التاريخ البشري أن يكون مجرد سجل لها.

ثالثاً: اعتبر الإسلام الحوار والإقناع الوسيلة المثلى﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾.

رابعاً: اعتبر الإسلام أصل العلاقة مع الآخرين المسالمة التي تقدم على بساط البرّ والقسط والإقساط.

خامساً: تحديد الإسلام أسباب الحرب بأنها الاعتداء وليس الكفر، كما يقول ابن تيمية: "إنه قول الجمهور الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾".   

إن هذه المعاني النبيلة للتسامح هي التي تؤطر رؤيتنا في مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي وجميع فعالياتنا الأخرى.

  • وقد فرغنا منذ بضعة أيام من الملتقى الخامس لمنتدى تعزيز السلم الذي يندرج ضمن هذا السياق حيث خصصناه للدعوة لحلف فضول جديد بين الأديان، يقوم على مبدإ التعارف وآلية الحوار.

وبناء على نجاحات هذ الملتقى والآمال التي أذكاها في نفوس المشاركين من جميع الملل والثقافات، واحتفاءً بعام التسامح، نعتزم بإذن الله تخصيص الملتقى السادس سنة 2019 للتّسامح، ودور الأديان في تعزيز قيمه في العالم.

  • وسينظم منتدى تعزيز السلم خلال عام تسامح مؤتمرا دوليا يصدر عنه ميثاق أبوظبي للمواطنة والتعايش.
  • إلى جانب ذلك يطمح املنتدى إلى تنظيم عدة تظاهرات ثقافية عبر العالم لتعزيز مفهوم التسامح والتعريف بدور الإمارات العربية المتحدة في نشر الرؤية الإسلامية المتسامحة.
  • وعلى مستوى الإعلام ووسائل التوصيل المعاصرة، سيقوم المنتدى بإصدار أفلام وثائقية طريق التسامح" تستضيف القيادات الروحية الممثلة للأديان المختلفة.
  • وسنسعى من خلال مجلس الإفتاء إلى تنظيم دورات تدريبية للمفتين والائمة في الدولة وخارجها على ثقافة التسامح، ووسائل تجسيد هذه الثقافة في فتاويهم وخطابهم التوجيهي.
  • ونطمح في الموطإ إلى وضع منهج تربوي متكامل للتربية على التسامح وتعليم ثقافته، في الكليات الدينية ومراكز تكوين وتأهيل المرشدين الدينيين.
  • وسيخصص مجلات السلم والموطأ والتعايش أعدادها في العام المقبل لإثارة القضايا والإشكالات الفلسفية والفقيه والفكرية المرتبطة بالتسامح.
  • وسنعمل على إصدار جزء من موسوعة السلم حول التسامح.               

 


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية