مؤتمر حماية الأقليات يختتم أعماله بديباجة حقوقية دولية

تاريخ الخبر

27 يناير 2016

بوحي فلسفة القرآن الرحمانية، واستلهام روح الإسلام الإنسانية، وهدي السيرة النبوية الشريفة؛ متمثلة ب"صحيفة المدينة"، أقدم وثيقة عرفها التاريخ البشري؛ بشأن حقوق المواطنة وحماية التنوع والتعدد الديني، أنجز مؤتمر حماية الأقليات في الديار الإسلامية، الذي نظمه "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة (دولة الإمارات العربية المتحدة)، بالشراكة مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب، برعاية سامية من العاهل المغربي جلالة الملك محمد السادس؛ "إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية"، باعتباره وثيقة عالمية، تحتضن القيم الدينية والأخلاقية بكل مفاهيمها المعاصرة، وتختزل الشرائع والأعراف القانونية والحقوقية الدولية؛ كخلاصة علمية ومعرفية ناظمة للناموس الإنساني. ما يستدعي العمل الفوري الحثيث، من قبل العلماء ورؤساء المنظمات الأهلية والمؤسات الدينية، بغرض تأصيل المواطنة شرعياً، وتصحيح المناهج الدراسية، والعمل مع الحكومات لترجمتها تشريعياً، وتنزيلها واقعاً قانونياً في الدستور الوطني لبلدانهم، أسوة بدولة الإمارات العربية المتحدة، حينما جرمت التكفير وازدراء الأديان. ومن ثم العمل بهدف إقرار الإعلان كوثيقة رسمية ضمن وثائق الأمم المتحدة، باعتبارها ديباجة مرجعية حاضنة لمفاهيم المواطنة التعاقدية؛ على غرار معاهدات جنيف الأولى والثانية المتعلقة بحقوق الإنسان، ومطالبة دول العالم بالتصديق عليها.


   وقال معالي الشيخ عبدالله بن بيه رئيس "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" في ختام أعمال المؤتمر إن السلم مبدأ أساسي في الإسلام وكافة الأديان بغرض عمارة الأرض بالخير والمسرة والجمال. مؤكداً بطلان مقولة: "إن الدين سبب الحروب"، التي راجت في القرنين الثامن التاسع عشر. وهذا ما يحفزنا للعمل والاجتهاد لجعل السلام بساطاً للعدل، والعدل أساس المواطنة والأمان للجميع من دون تمييز عرقي أو تفريق ديني؛ لأننا "نريد أن يحيا الإنسان مكرماً في كل مكان أو زمان". موضحاً أن "إعلان مراكش" يؤصل شرعياً مفهوم المواطنة التعاقدية، كما وردت في "صحيفة المدينة"، التي تعتبر أن البشر جميعا على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم ومعتقداتهم كرمهم الله عز وجل بنفخة من روحه في أبيهم آدم عليه السلام؛ باعتبارهم أخوة في الإنسانية. وهو تكريم يقتضي منحهم حرية الاختيار على أساس العدل؛ كونه معيار التعامل بين البشر جميعا منعا للكراهية والحقد؛ لأن السلم عنوان دين الإسلام، وأعلى مقصد من مقاصد الشريعة في الاجتماع البشري.


   وأضاف معالي الشيخ ابن بيه أن "صحيفة المدينة" التي كتبها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لتكون دستورا لمجتمع متعدد الأعراق والديانات؛ كانت تجسيدا للكليات القرآنية والقيم الإسلامية الكبرى. وهي ثابتة عند أئمة الأمة الأعلام، ومتفردة عما قبلها وما بعدها في التاريخ الإنساني، بسبب نظرتها الكونية للإنسان باعتباره كائنا مكرما؛ فهي لا تتحدث عن أقلية وأكثرية بل تشير إلى مكونات مختلفة لأمة واحدة (أي عن مواطنين). ولم تترتب عن حروب وصراعات؛ بل هي نتيجة عقد بين جماعات متساكنة ومتسالمة ابتداء. وهذه الوثيقة لا تخالف نصا شرعيا وليست منسوخة؛ لأن مضامينها تجسيد للمقاصد العليا للشريعة والقيم الكبرى للدين، فكل بند منها إما رحمة أو حكمة أو عدل أو مصلحة للجميع. وتقدم للمسلمين – بالدرجة الأولى – وللعالم أجمع الأساس المرجعي المبدئي للمواطنة؛ إنها صيغة مواطنة تعاقدية ودستور عادل لمجتمع تعددي أعراقا وديانة ولغة، متضامن، يتمتع أفراده بنفس الحقوق، ويتحملون نفس الواجبات، وينتمون - برغم اختلافهم- إلى أمة واحدة. وهي إطار مناسب للدساتير الوطنية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، ومنسجم مع ميثاق الأمم المتحدة ولواحقه؛ كإعلان حقوق الإنسان.


   وأكد معالي الشيخ ابن بيه أن "إعلان مراكش" ينطلق من قاعدة تصحيح المفاهيم وبيان الأسس المنهجية للموقف الشرعي من حقوق الأقليات، وأن الجهل بهذه الأسس أو تجاهلها يسبب الخلط والالتباس وتشويه الحقائق، وبخاصة مسألة استحالة فهم كليات الشريعة كالحكمة والرحمة والعدل والمصلحة، دون ربط النصوص الشرعية بعضها ببعض، مع عدم إغفال النصوص الجزئية التي يتشكل الكلي من مجموعها، وملاحظة السياق الذي نزلت فيه الأحكام الشرعية، وما بينهما من تماثل وتغاير من أجل تكييف تنزيل الأحكام، ووضع كل منها في موضعه اللائق به، بحيث لا تنقلب المفاهيم إلى ضدها، ولا تختل مقاصدها. هذا فضلاً عن اعتبار الارتباط بين خطاب التكليف وخطاب الوضع، واعتبار الارتباط بين الأوامر والنواهي ومنظومة المصالح والمفاسد؛ لأنه ما من أمر ولا نهي في الشريعة إلا وهو قاصد إلى جلب مصلحة أو درء مفسدة. مضيفاً أن كثيرا من الاجتهادات الفقهية في العلاقة مع الأقليات الدينية، تأسست على ممارسات تاريخية في سياق واقع مختلف عن الواقع الراهن، الذي سمته البارزة غلبة ثقافة الصراع والحروب. وأننا "كلما تأملنا مختلف الأزمات التي تهدد الإنسانية ازددنا اقتناعا بضرورة التعاون بين جميع أهل الأديان وحتميته واستعجاليته. وهو التعاون على كلمة سواء قائمة لا على مجرد التسامح والاحترام بل على الالتزام بالحقوق والحريات التي لا بد أن يكفلها القانون ويضبطها على صعيد كل بلد. غير أن الأمر لا يكفي فيه مجرد التنصيص على قواعد التعامل؛ بل يقتضي قبل كل شيء التحلي بالسلوك الحضاري الذي يقصي كل أنواع الإكراه والتعصب والاستعلاء".


ودعا ابن بيه علماء ومفكري المسلمين إلى تأصيل مبدأ المواطنة الذي يستوعب مختلف الانتمـاءات، بالفهم الصحيح والتقويم السليم للموروث الفقهي والممارسات التاريخية، وباستيعاب المتغيرات التي حدثت في العالم. وطالب المؤسسات العلمية والمرجعيات الدينية القيام بمراجعات شجاعة ومسؤولة للمناهج الدراسية؛ للتصدي لأخلال الثقافة المأزومة التي تولد التطرف والعدوانية، وتغذي الحروب والفتن، وتمزق وحدة المجتمعات. كما حض الساسة وصناع القرار إلى اتخاذ التدابير السياسية والقانونية اللازمة لتحقيق المواطنة التعاقدية، ودعم الصيغ والمبادرات الهادفة إلى توطيد أواصر التفاهم والتعايش بين الطوائف الدينية في الديار الإسلامية. وختاماً طالب معالي الشيخ ابن بيه المثقفين والمبدعين وهيئات المجتمع المدني بتأسيس تيار مجتمعي عريض؛ لإنصاف الأقليات الدينية في المجتمعات المسلمة، ونشر الوعي بحقوقها، وتهيئة التربة الفكرية والثقافية والتربوية والإعلامية الحاضنة لهذا التيار، وذلك إلى جانب سعي مختلف الطوائف الدينية التي يجمعها نسيج وطني واحد إلى معالجة صدمات الذاكرة الناشئة من التركيز على وقائع انتقائية متبادلة، ونسيان قرون من العيش المشترك على أرض واحدة، وإلى إعادة بناء الماضي بإحياء تراث العيش المشترك، ومد جسور الثقة بعيدا عن إغراءات التكفير والعنف. هذا بالإضافة إلى ضرورة سعي ممثلي مختلف الملل والنحل والديانات إلى التصدي لكافة أشكال ازدراء الأديان وإهانة المقدسات، وكل خطابات التحريض على الكراهية والعنصرية. كما "لا يجوز توظيف الدين في تبرير أي نيل من حقوق الأقليات الدينية في البلدان الإسلامية".


وكان  وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب أحمد التوفيق تلا الإعلان في مؤتمر صحافي مشترك بحضور معالي الشيخ عبدالله بن بيه رئيس "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة"، وأسقف واشنطن سابقاً الكاردينال تيودور إدغار  إيغو ممثلاً عن الأديان الأخرى، وداوود هليل وزير الأوقاف الأردني، في ختام مؤتمر حماية الأقليات في الديار الإسلامية، الذي عقد في مراكش أمس من25 إلى 27 يناير 2016م، موضحاً أن الإعلان هو حصيلة جهود تواصلت على مدى ثلاثة أيام بمشاركة نحو ثلاثمائة شخصية من وزراء الأوقاف ورؤساء المؤسسات الدينية والعلماء في البلدان الإسلامية، إلى جانبب ممثلين عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، ومختلف الأديان في كوكبنا، توافدوا من 120 بلداً في العالم.


   كما تحدث الكاردينال تيودور فأشاد بالإعلان معتبراً إياه خطوة ضرورية وملحة في هذه الظروف الصعبة التي تواجهها الإنسانية مجتمعة بسبب الجنون الذي يجتاح العالم حيناً بعباءات الغلو والتطرف، وأحيانا طمعاً وجشعاً بخيرات الأرض. مذكراً بالتعاون والتفاهم القائم على التسامح بين المسلمين والمسيحيين على مدى قرون. وختم حديثه بتأييد ومؤازة الإعلان كوثيقة إسلامية لها جذور عميقة في التاريخ الإسلامي والإنساني عموماً.
وفي الختام تلا الوزير هليل رسالة شكر من المؤتمرين إلى العاهل المغربي جلالة الملك محمد السادس على رعايته السامية للمؤتمر.
مباركة إماراتية
   من جانبه نقل الدكتور على راشد النعيمي أمين عام "مجلس حكماء المسلمين"، في كلمته بختام أعمال اليوم الثاني، مباركة ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد جهود المؤتمرين خدمة للإسلام والمسلمين والإنسانية جمعاء. وطالب الدكتور النعيمي بضرورة تشريع هذه الوثيقة قانونياً وحقوقياً وتربوياً وثقافياً، في جميع البلدان العربية والإسلامية؛ "لأن إنصاف الآخر هو إنصاف لله"، حسب تعبيره. مؤكداً استعداد دولة الإمارات لإستضافة مؤتمر آخر يركز على حماية حقوق الأقليات الإسلامية في مختلف بلدان العالم، وذلك بالتشاور مع معالي الشيخ عبدالله بن بيه، "هادينا بأفكاره النيرة، ومبادراته الخيِّرة، جزاه الله كل خير".


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية