مؤتمر حماية الأقليات يواصل أعماله لإنجاز إعلان مراكش

تاريخ الخبر

26 يناير 2016

تواصلت أعمال "مؤتمر حماية حقوق الأقليات في الديار الإسلامية" لليوم الثاني على التوالي في مدينة مراكش المغربية، بحضور معالي الشيخ عبد الله بن بيه رئيس "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة"، وممثل العاهل المغربي وزير الأوقاف أحمد توفيق، إلى جانب وزراء الأوقاف في البلدان العربية والإسلامية وممثلين عن الاتحاد الأوروبي، وأمين عام الأمم المتحدة وكوكبة عريضة من ممثلي الأديان في العالم؛ وسط تفاعل رسمي وشعبي على مستوى واسع عربياً وعالمياً.


وبدأت الجلسة الافتتاحية في اليوم التالي برئاسة مصطفى بريسنتيش مفتى البوسنة والهرسك السابق، فتركزت النقاشات في ضوء الكلمة التأطيرية التي ألقاها معالي الشيخ ابن بية في الجلسة الافتتاحية أمس الأول على البعد الإنساني في الموروث الفقهي بخصوص مسألة حماية التنوع والتعدد الديني في التاريخ الإسلامي، بهدي وإرشاد "صحيفة المدينة" كعلامة هادية لإرث الخلف الصالح، وضرورة بحث هذه الموضوعات بمنهجيات علمية، تضبط المصطلحات، وتؤصل للمفاهيم الشرعية في سياقاتها الدلالية من دون لبس، وبخاصة ما يتعلق منها بالنصوص الكلية التي تؤسس لقيم التعايش، وتبرز المقاصد الكبرى غير الظرفية، التي لا يمكن أن يعتريها نسخ أو تبديل. ومن ثم تواصلت الجلسة الأولى في أعمال اليوم الثاني بعرض تجارب حماية التنوع والتعدد الديني والإثني أو العرقي في العصور الإسلامية الزاهية، وأخر محطاتها في الخلافة العثمانية، حيث تحدث الدكتور رجب شانتو أستاذ الدراسات المللية في جامعة أنقرة، فلاحظ أن فقهاء المسلمين تواصلوا مع الموروث الإسلامي، وبخاصة السنة النبوية الشريفة وأهم علاماتها الخالدة، أو ذروتها الإنسانية الرائدة، المتمثلة ب"صحيفة المدينة"، إلا أن العلماء في تلك المرحلة استنبطوا بدلالات أصولية لا تحتمل اللبس ما عرف باسم "النظام المللي"، الذي يقوم على قاعدة فقهية، مفادها: "الأدمي مكرم شرعاً"، بصرف النظر عن جنسه أو دينه؛ لأن الله عندما خلق الإنسان أكرمه بالعقل والذمة. مضيفاً أن تعبير الأدمي آنذاك هو مرادف لمفهوم "حقوق الإنسان" بلغة اليوم المعاصرة. وتطور هذا المفهوم انطلاقاً من سؤال أخلاقي وديني يرمي إلى التركيز على البعد الإنساني في الشريعة الإسلامية. ما أدى إلى إلغاء "نظام المللة" وعُرف "الجزية"، حيث تم إنشاء أول برلمان في السلطنة العثمانية على أساس انتخابي يشارك به جميع مواطني الدولة من دون تميز ديني أو عرقي. وحصل ذلك في عهد السلطان عبد المجيد الثاني، عام 1876. وتطور لاحقاً هذا المفهوم الحقوقي في برلمان 1908 ، بحيث بات ينطوي على بعد ديمقراطي متقدم في التجربة الإسلامية، لايختلف كثيراً عن مفهوم الحريات في التجارب الإنسانية الراهنة.


بدوره تحدث الدكتور أحمد شحلان أستاذ الدراسات العبرية في جامعة محمد الخامس، فعرض التجربة المغربية في موضوعة تعاش الأديان، معتبراً أن خير بداية في هذا الشأن يمكن أن تقوم على ملاحظة وضع اليهود في تاريخ هذه البلاد، حيث يعلم جميع الباحثين أو الدارسين أن هؤلاء يقسمون إلى قسمين: يهود بلديين، أي يهود مغاربة أصيلين، ويهود وافدين من الغرب بعد سقوط الأندلس، ومع ذلك تعايشوا جميعهم مع الأغلبية الإسلامية بأمان واطمئنان. ما أتاح لهم فرصة كبيرة للمساهمة بفعالية في إغناء العلوم والدراسات الإنسانية بالعربية. هذا إلى جانب تواصل حضورهم الآمن والمتفاعل بندية مع محيطهم حتى يومنا هذا، حيث شاركوا في الوزرات والصناعات ومختلف الأعمال السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
إلى ذلك تحدث وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في فلسطين يوسف دعيس، فتحدث عن تجربة التعايش بين الأديان الضاربة بعمق التاريخ في هذه المنطقة؛ بداية من مرحلة الفتح الإسلامي، أو ما عرف باسم "العهدة العمرية"، وهي تجربة فريدة في الرعاية الإسلامية للتعدد والتنوع الديني في تلك البلاد، إلا أن ما يجري من استباحة للمقدسات والحرمات اليوم على يد المحتلين الغزاة يندى له الجبين، ومع ذلك لا يتحرك المجتمع الدولي لتصحيح هذا الوضع الشائن
من ناحيته تحدث مطران القدس منيب يونان فقال أنا مسيحي عربي أولاً وفلسطني ثانياً ولاجئ ثالثاً. ما يؤكد الظلم والحيف الذي يقع على الفلسطينيين عموماً. مذكراً أن المسيحيين في هذه البلاد هم مسيحيون عرب أصيلون، انطلقوا من القدس برسالة المسيح إلى العالم. ولم يغير واقعهم وأحوالهم في الانتماء والولاء الحكم الإسلامي على مدى قرون. "لذلك لا يشعر المسيحيون بأنهم أقلية، ربما هم قلة في العدد، إلا أننا شركاء كاملين بأتراح وأفراح الأمة العربية، نحمل همومها وتطلعاتها نحو الأفضل، ونشقى ونحزن لمصائبنا وبخاصة نكبتنا في فلسطين. ولكننا نصر على عروبتنا ونصر على مواطنتنا كاملة غير منقوصة. وهذا ما نأمل أن تساعد به وثيقة مراكش، التي نطمح لإصدارها بنهاية أعمال هذا المؤتمر". وتوجه يونان بالشكر والتقدير إلى معالي الشيخ عبدالله بن بيه، حاضن المؤتمر معرفياً ومصوب أهدافه الأخلاقية والدينية على كل المستويات الإنسانية قبل أن يكون إسلامياً، والشكر موصول للدولة المضيفة المشهود لها بحماية التنوع والتعدد الديني في هذه البلاد حتى يومنا هذا.


أيضاً تحدث الشيخ عبد اللطيف هميم رئيس ديوان الوقف السني في بغداد، فعرض ما يشهده العراق من احتراب وصراع عبثي لا ناقة ولا جمل به لعموم العراقيين؛ لأن ما يجري هو في الحقيقة خدمة لمشاريع من وراء الحدود، وتنفذ بأيادينا نحن العراقيين مع الأسف الشديد. داعياً لإنجاز وثيقة مراكش لعلها تعيد المجانين إلى رشدهم، وتردع الباغين أو الطامعين في تعميم الخراب بمنطقتنا.


كما تحدث في الجلسة الصباحية الشيخ سكار جبار حلو باسم شيخ طائفة الصابئة المندائيين في العراق، فلاحظ أنه لا يود التذكير بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة الكثيرة والمتواترة، التي ذُكرت مرات عدة في هذا المؤتمر، وجميعها تدعو إلى المودة والمحبة والرحمة كتعبير عن المضمون الإنساني للإسلام، إلا أننا كصابئة لا نجد منها شيئاً في واقعنا الدامي، مؤكداً أن مسجداً بقرب بيته، يقوم خطيبه في كل جمعة بالدعوة على الصابئة واليهود والنصارى أن تخسف بهم الأرض وأن يتيتم أطفالهم ويلقوا شر النكال صبح مساء. وتحقق بعض من هذا بالصابئة بعد ما سماه الدواعش غزوة آب 2014 على جبل سنجار، التي أسفرت عن مقتل أكثر من ثلاثة ألاف بريء، وخطف 5832 شخصاً منهم أكثر من ثلاة آلاف أمرأة وفتاة جرى اغتصابهن وبيعهن كسبايا وجواري، ومازلن يلقين هذا المصير الأسود حتى اليوم. هذا إلى جانب نزوح 400 ألف شخص، يواجهون أقداراً بائسة في المخيمات، بالإضافة إلى تدمير 18 مزاراً للطائفة. داعياً في ختام كلمته إلى إنجاز وثيقة مراكش على أساس المواطنة كما يُعرفها الإسلام ويعمل بها المسلمون الحقيقيون.
كما تحدث في الجلسة الصباحية محمد جمشيد الشبكي رئيس طائفة الشبك، فأثنى على مداخلات السادة العلماء والشيخ الأجلاء. معتبراً أنه لا يريد أن يكرر ما قالوه، وإنما فقط يشدد على تقديم وثيقة مراش بشكل يحيط بكل الجوانب الحقوقية والقانية لمفهوم المواطنة في بعده الإنساني الراهن.


عقب ذلك بدأت جلسة مغلقة، تقتصر على ممثلي الأديان ونخبة من العلماء والمفكرين والباحثين الحقوقيين، لوضع المحاور الرئيسية ل"وثيقة مراكش" على أن يجري عرضها في الجلسة الختامية في اليوم التالي.
وكان معالي الشيخ عبدالله بن بيه رئيس "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة"، والداعي الرئيس لمؤتمر "حماية حقوق الأقليات في الديار الإسلامية"، أكد في الكلمة التأطيرية ألتي ألقاها في الجلسة الافتتاحية أن محاور النقاش والبحث في موضوعة حماية الأقليات تنطلق من منظور إسلامي تمثله، "صحيفة المدينة" كعلامة هادية على حفظ الحقوق وصيانة الحرمات لغير المسلمين. مشيراً إلى مقدمتين ضروريتين، ينطلق البحث على أساسهما، حتى تصل الخلاصة إلى مضمون معرفي علمي إنساني:
-الأولى: تتعلق بمنهجية هذا البحث، ومنهجية كل بحث فقهي رصين في التعامل مع النصوص المقدسة، ومع التراث بصفة عامة.
- الثانية: تتعلق بسرد جملة من النصوص الكلية التي تؤسس لقيم التعايش، وتبرز المقاصد الكبرى غير الظرفية، التي لا يمكن أن يعتريها نسخ أو تبديل، والتي تمثل "صحيفة المدينة" تطبيقا عمليا ومظهراً من تمظهراتها.


ولاحظ معالي الشيخ ابن بية أن "منهجيتنا في التعامل مع نصوص الشريعة الإسلامية هي منهجية أصولية تسعى لبيان أن الرحمة مبدأ راجح على كل الجزئيات، وأن علاج أمراض الأمة يمكن أن يكون من صيدلية الدين والعقل في آن واحد، وأن حلول معضلاتها يجب أن تخرج من رحم هذا الدين بالأدلة البينات والحجج الواضحات. تلك هي الدعوى وذلك هو التحدي. إننا نعي أن كل نصوص الشريعة لها موقعها وموضعها، وأن التعامل معها تلقياً وفهماً وتنزيلاً ليس أمراً عبثياً، وليس تابعاً لهوى الأفراد أو الجماعات أو إملاءات المصالح الوهمية أو المتوهمة. وهو وعي متحناه من منهج السلف الصالح من العلماء الراسخين، وفهمهم الذي أحاط بأقطار الكون والكينونة، وأبعاد الوجودات الخارجية والذهنية، فأصلوا للعلاقة بين أقسام الخطاب الشرعي، وبين منظومة الأوامر، وأحوال المأمور ودرجات التكليف، ولاحظوا ميزان الزمان والمكان والإنسان، ووزن المصالح والمفاسد، والعلاقة بين الواقع والمتوقع، فأقروا تغيير الأحكام بتغير الأزمان بناء على نصوص منضودة، وسيرة للنبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه مشهودة.


وقال معاليه: "إن منهجيتنا تنظر إلى الإنسان باعتباره كائن مكرم، وتلاحظ السياق الزماني والمكاني والإنساني في حالتي النزول والتنزل؛ باعتبار أن الأوضاع السائدة تفسر النصوص لغة ومضمونا من حيث تفاعلها معها، وتؤثر في فعاليتها في الأوضاع اللاحقة والفقه الإسلامي واجتهاد المجتهدين. إذ لا نريد فهما للشريعة لا يدرك علاقتها بالزمن، أو ينزلها بطريقة حرفية تنأى بها عن مقاصدها المعقولة وعن المصالح البشرية المنشودة، لأن الجمود على المنقولات أبدا ضلال وإضلال، كما يقول القرافي (م1285ـ 684ه). منهجيتنا (تموقع النصوص) في بيئتها، وبنفس الروح (تموضعها) في البيئات الزمنية والبشرية، وبذلك تحقق مقاصدها الباحثة عن مصالح العباد وهو أصل وضع الشريعة، كما قال الشاطبي (790 م/ 1388ه)، وإن عكسها سيؤدي إلى ضد المطلوب، ويجني على النص وعلى مصلحة الإنسان المستهدفة.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية