برعاية ملكية ينطلق مؤتمر حماية الأقليات في الديار الإسلامية

تاريخ الخبر

25 يناير 2016

برعاية العاهل المغربي جلالة الملك محمد السادس، انطلقت أمس في مراكش فعاليات "مؤتمر حماية الأقليات في الديار الإسلامية"، الذي يعقد لأول مرة في التاريخ الإسلامي المعاصر بالشراكة بين وزارة الأوقاف المغربية و"منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" برئاسة معالي الشيخ عبدالله بن بيه. وذلك بحضور ما يزيد عن ثلاثمائة شخصية من ممثلي مختلف الأديان في العالم.
وجاء في الكلمة الافتتاحية التي وجهها جلالة الملك محمد السادس، وتلاها على المؤتمرين وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق أنه لا يوجد فرق بين مسلم وغير مسلم في المغرب، وأن جلالته يضع على عاتقه حماية حقوق المسلمين وغير المسلمين في بلاده، ومن ذلك تمكين المسيحيين المقيمين من أداء واجباتهم الدينية، وتمتع اليهود المغاربة بالحقوق نفسها المخوّلة للمسلمين بالدستور.
وقال العاهل المغربي في كلمته: "لا يوجد أيّ مبرّر لهضم حقوق الأقليات، ولا أن يقع ذلك باسم الإسلام. معتبرًا أن القرآن أكد على اختلاف الناس في أديانهم وعقائدهم، كما يختلفون في ألوانهم ولغاتهم وأعراقهم، وأن الإسلام فرض على أتباعه الإيمان ببقية الأديان، كما أن الجهاد لم يشرّع لحمل الناس على الإسلام".


من جهته قال معالي الشيخ عبدالله بن بيه في الكلمة التأطيرية إن فكرة تنظيم هذا المؤتمر بدأت منذ استهلال الاحتجاجات في العالم العربي، خصوصاً بعد "الانزلاقات التي لا توافق أهداف ومقاصد هذه الاحتجاجات"، معتبرًا أن الحضارة في المنطقة حاليًا مريضة، وأن العلماء والمفكرين هم الأطباء لمعالجة هذه الأعراض. ولذلك يأتي المؤتمر كي يقدم حلولًا ناجعة من رحم الشريعة الإسلامية؛ لتجاوز هذه الأعراض.


وأكد معالي الشيخ ابن بية أن عناوين الأزمة كثيرة ومتنوعة؛ فمنها التكفير، والمظالم المتبادلة، والطائفية، والثارات المزعومة، والتاريخ المزيف، والتأويل المفضي إلى الاقتتال العبثي حتى ولو ألبس لبوس التقوى. ملاحظاً أن المجتمعات المسلمة اليوم بحاجة إلى قراءة جديدة لمكوناتها ونسيجها الوطني في سياق الواقع وعلى ضوء الشرع، وذلك انسجاما مع السياق، ومن باب مطالبة النفس بأداء الحقوق ومراعاة للضرورات التي ينطلق منها منطق المعالجة الدولي؛ عملاً بالمقاصد والقواعد الكلية القائمة على المصالح والحكمة، وتوفير السلم ودرء الغبن والظلم، واستشهادا بالواقع الذي في ضوئه تنزل الأحكام؛ لقيام أسبابها واستيفاء شروطها وانتفاء موانعها، واستشرافا للتوقع والمستقبل، والنظر في المآلات والعواقب.


وقال معاليه إن كلمته تسعى لبيان محاور النقاش والبحث في موضوعة الأقليات من منظور إسلامي تمثله، "صحيفة المدينة"‘ إلا أنه لابد من الإشارة إلى مقدمتين ضروريتين في هذا السياق:
الأولى: تتعلق بمنهجية هذا البحث، ومنهجية كل بحث فقهي رصين في التعامل مع النصوص المقدسة، ومع التراث بصفة عامة.
الثانية: تتعلق بسرد جملة من النصوص الكلية التي تؤسس لقيم التعايش، وتبرز المقاصد الكبرى غير الظرفية، التي لا يمكن أن يعتريها نسخ أو تبديل، والتي تمثل "صحيفة المدينة" تطبيقا عمليا ومظهراً من تمظهراتها.
وجدد معالي الشيخ ابن بيه تأكيده أن "منهجيتنا في التعامل مع نصوص الشريعة الإسلامية هي منهجية أصولية تسعى لبيان أن الرحمة مبدأ راجح على كل الجزئيات، وأن علاج أمراض الأمة يمكن أن يكون من صيدلية الدين والعقل في آن واحد، وأن حلول معضلاتها يجب أن تخرج من رحم هذا الدين بالأدلة البينات والحجج الواضحات. تلك هي الدعوى وذلك هو التحدي. إننا نعي أن كل نصوص الشريعة لها موقعها وموضعها، وأن التعامل معها تلقياً وفهماً وتنزيلاً ليس أمراً عبثياً، وليس تابعاً لهوى الأفراد أو الجماعات أو إملاءات المصالح الوهمية أو المتوهمة. وهو وعي متحناه من منهج السلف الصالح من العلماء الراسخين، وفهمهم الذي أحاط بأقطار الكون والكينونة، وأبعاد الوجودات الخارجية والذهنية، فأصلوا للعلاقة بين أقسام الخطاب الشرعي، وبين منظومة الأوامر، وأحوال المأمور ودرجات التكليف، ولاحظوا ميزان الزمان والمكان والإنسان، ووزن المصالح والمفاسد، والعلاقة بين الواقع والمتوقع، فأقروا تغيير الأحكام بتغير الأزمان بناء على نصوص منضودة، وسيرة للنبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه مشهودة.


وقال معاليه: "إن منهجيتنا تنظر إلى الإنسان باعتباره كائن مكرم، وتلاحظ السياق الزماني والمكاني والإنساني في حالتي النزول والتنزل؛ باعتبار أن الأوضاع السائدة تفسر النصوص لغة ومضمونا من حيث تفاعلها معها، وتؤثر في فعاليتها في الأوضاع اللاحقة والفقه الإسلامي واجتهاد المجتهدين. إذ لا نريد فهما للشريعة لا يدرك علاقتها بالزمن، أو ينزلها بطريقة حرفية تنأى بها عن مقاصدها المعقولة وعن المصالح البشرية المنشودة، لأن الجمود على المنقولات أبدا ضلال وإضلال، كما يقول القرافي (م1285ـ 684ه). منهجيتنا (تموقع النصوص) في بيئتها، وبنفس الروح (تموضعها) في البيئات الزمنية والبشرية، وبذلك تحقق مقاصدها الباحثة عن مصالح العباد، وهو أصل وضع الشريعة، كما قال الشاطبي (790 م/ 1388ه)، وإن عكسها سيؤدي إلى ضد المطلوب، ويجني على النص وعلى مصلحة الإنسان المستهدفة.


وانطلاقا من هذه النظرة الكلية لعلاقة الشرع بالإنسان والواقع، نتعامل مع نصوص الشرع من خلال جملة من الثوابت، هي:
الشريعة كلها بمنزلة النص الواحد.
عرض النصوص على اللغة.
الجمع بين النصوص التي يوحي ظاهرها بالتعارض.
الموازنة بين الجزئي والكلي.
عرض الخطاب الآمر "التكليف" على بيئة التطبيق "خطاب الوضع".
مراجعة سياقات النصوص.
اعتبار العلاقة بين الأوامر والنواهي ومنظومة المصالح والمفاسد.
مراعاة التطور الزماني والواقع الإنساني.
النظر في المآلات والعواقب.
ملاحظة موارد الخطاب طبقا للوظائف النبوية.
استحضار البعد الإنساني والإنتماء إلى الكون.


وختم معالي الشيخ بن بية مفهومه في هذا الخصوص ، بأنه "على هذه المنهجية تقوم مقاربتنا ومخرجات عملنا؛ اعتمادا على تحقيق المناط من خلال الواقع والتوقع، والتأصيل المنبثق عن الأدلة الحاكمة والممارسة التاريخية من خلال اشتغالنا بوثقة أو "صحيفة المدينة"، التي نرشحها أن تكون مرجعاً في مقارباتنا ومخرجات عملنا؛ كونها بعد ما يزيد عن 1400 سنة على كتابتها لا تزال مرجعاً تطبيقياً لعلاقة المسلمين بمحيطهم وتعددية المجتمعات التي يعيشون فيها أغلبية. وهي المنهجية ذاتها التي قامت عليها ملتقياتنا السابقة، اعتمادا على التعليل بناء على الحكم والمقاصد؛ على اعتبار أن عملية تنزيل الأحكام المنوطة بالواقع والمتوقع قد أحيلت طبقاً لما قامت عليه شواهد الشرع وقواعد الأصول إلى أجيال الأمة المتعاقبة بناء على اختلاف الوقائع طبقا لاختلاف الواقع.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية