علماء الأمة ينهضون بواجب السلام مقابل تيار الغلو والتطرف

تاريخ الخبر

18 أبريل 2015

تنطلق فعاليات الدورة الثانية ل"منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة 2015" في فندق "سانت ريجيس" الكورنيش، في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، وتستمر ثلاثة أيام؛ بحضور ومشاركة أكثر من 350 عالماً ومفكراً إسلامياً من مختلف أنحاء العالم، وحشد كبير من الكتاب والاعلاميين.


ويبحث المنتدى المخاطر التي تعصف بالأمة الاسلامية، وإمكانية وضع حد للنزيف الذي يهدد مستقبلها. ويحرص العلماء والمفكرين المشاركين في هذه الدورة على إيجاد المخرجات السلمية لدرء المخاطر المحدقة بالأمة الإسلامية وانعكاسات هذه المخاطر على مناطق مختلفة من العالم. هذا إلى جانب السعي لخلق تيار سلام قوي في المجتمعات المسلمة، يناهض تيار العنف والغلو والتطرف.

وأعربت اللجنة العلمية للمنتدى عن أملها في أن تكون الدورة الثانية، فرصة جديدة لتبادل الرأي بين العلماء والمفكرين والباحثين والخبراء والشباب، وتقديم رؤى وبدائل ومشاريع تسهم في التأصيل لثقافة السلم في الأوساط العلمية والمؤسسات البحثية، وتعميمها كقيم وسلوك على المجتمعات المسلمة.

برمجة الأولويات
وقال رئيس المنتدى معالي الشيخ العلامة عبد الله بن بيه إن الدورة الثانية تهدف لإعادة برمجة الأولويات في المجتمعات المسلمة؛ بتأهيل العقول والنفوس لإدراك محورية السلم في ديننا وشريعتنا وتراثنا. وذلك باعتماد المنهجية الصحيحة في قراءة نصوص الوحي وتراث السلف؛ لأن ما يجري في المنطقة اليوم ليس مما يأباه ديننا وتجرمه شريعتنا فحسب؛ بل هو خارج عن نطاق العقل والإنسانية.

ويشهد المنتدي انعقاد سلسلة من الجلسات وورش العمل بمشاركة نخبة من العلماء والمفكرين لنشر ثقافة السلام وتعزيز الجهود الرامية لمواجهة العنف والتطرف والارهاب وكافة الاعمال التي تخالف القيم الإنسانية ومبادئ الإسلام السمحة وللتصدي لمخاطر العنف الطائفي التي تسود العديد من المجتمعات العربية والاسلامية .

وأكد معالي ابن بيه أن تأسيس تيار السلم في المجتمعات المسلمة في هذه الفترة الحرجة من تاريخ الأمة الإسلامية هو أوجب الواجبات الآن. معتبراً أن هذا التيار لا يمكن أن يتأسس بمعزل عن كليات الإسلام ومقاصده وأحكامه؛ لأنها هي العناصر التي تشكل عمق الثقافة والقيم والسلوك في هذه المجتمعات، وهي التي تمد الجسور بينها وبين الحكمة الإنسانية والقيم التي تناضل البشرية جمعاء من أجلها وتتشوف إلى العيش في ظلالها. مشراً إلى أن الدورة الثانية للمنتدى تستحضر الأهمية البالغة لاصطفاف علماء الإسلام في صف واحد لمواجهة تيار الغلو والعنف؛ لأن الواقع اليوم أثبت أن المجتمع الدولي يتشوف لوظيفة الدين ودور العلماء في إخماد نيران الحرائق التي أججتها المظلوميات والمحن والأحقاد، وألبسها الجهل أو سوء الفهم أو حب الدنيا لبوس الشرعية الدينية.

وأضاف معالي الشيخ ابن بية أن الفرصة سانحة للعلماء خاصة، ثم للمفكرين ولمن لهم تأثير على الرأي العام في المجتمعات المسلمة، ليأخذوا بأيديها ويتحملوا مسؤولياتهم في توضيح الصورة الحقيقية لديننا؛ دين السلام والمحبة والوئام؛ بعد أن أصابها من الغبش والتشويه ما أصابها، وأصبحنا فتنة لغيرنا، يفني بعضنا بعضا، والجميع يرى نفسه من المصلحين، ويقع علينا ظلم غيرنا فنتصرف تجاهه بما يظهرنا كالمعتدين. وقد آن الأوان كي تتحرر نخب الأمة إذا عادت إلى كليات ديننا ومقاصده وأولوياته، وتأملت في مآلات وضعنا وعواقبه، من كل أنواع الضغوط النفسية والثقافية والاجتماعية...لتذكر الناس أو تجابههم بالحق: (ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار- غافر-41)

ويأتي انعقاد الدورة الثانية للمنتدى في أبوظبي كمبادرة أطلقها معالي ابن بيه، الذي يعد أحد أبرز العلماء المعاصرين، ويحظى بمكانة وتأثير كبيرين بين العلماء والمفكرين في مختلف أنحاء العالم كافة .

ويسعى العلماء والمفكرون لاستئناف جهود إطفاء الحرائق المتأججة في جسم الأمة لتجنيبها المزيد من الدمار المادي والمعنوي، وزرع بذور تيار في الأمة يتبنى أولوية السلم، ويعمل من أجل تحقيقه وترسيخه؛ بوصفه الخيار الوحيد لتدبير الاختلاف، والتدافع، والتغيير؛ إلا في حالة الدفاع عن النفس ورد العدوان.


جغرافية الازمات

ويتدارس العلماء والمفكرون خلال جلسات وورش العمل عدداً من المحاور الهامة بمقدمتها "جغرافية الأزمات" في المجتمعات المسلمة وتجارب السلم والمصالحة.

ويعتبر الشق الأول من هذا المحور بمثابة دراسة وصفية شاملة لبؤر الأزمات والتوتر في المجتمعات المسلمة؛ حتى تتضح الصورة لمن لا يزال غافلا عن العواقب الوخيمة الواقعة والمتوقعة لمختلف مظاهر اللاسلم في هذه المجتمعات في شتى المجالات. أما في الشق الثاني من هذا المحور فيجري التركيز على تجلية عناصر الأمل في إحلال السلم الاجتماعي في الواقع المعاصر؛ وذلك من خلال نماذج من المجتمعات المسلمة ومن المجتمعات الأخرى. فحسم الخلاف بالعنف والصراع المسلح ليس ضربة لازب، ولا قدرا محتوما؛ وإنما هو فشل في السمو الفكري والنفسي إلى أفق التعايش والتفاهم، وعجز عن تحمل التبعات النفسية والاجتماعية للتضحية بحقوق وإن كانت مشروعة، والصفح عن مظالم وإن كانت شنيعة، من أجل مستقبل يجد الجميع فيه مكانا وموقعا، ويتعايش الناس فيه في أمن وسلام: ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم- الرعد:11)

ويتضمن هذا المحور عنوانين: الأول هو "جغرافية الأزمات في المجتمعات المسلمة"، و"تجارب السلم والمصالحة في الواقع المعاصر"، كما يحدث في المجتمعات المسلمة (إقليم آتشي- أندونيسيا نموذجاً) وفي المجتمعات الأخرى (جنوب أفريقيا) كنموذج إنساني آخر.

تعزيز السلم

المحور الثاني للمنتدى يركز على تصحيح وترشيد المفاهيم المرتبطة بتعزيز السلم، حيث ارتأت اللجنة العلمية للمنتدى استصحاب هذا المحور اقتناعا منها بأن التباس المفاهيم واضطرابها وغموضها من أهم الأسباب الفكرية للعنف، الذي يمارس باسم الإسلام في المجتمعات المسلمة وفي مناطق مختلفة من العالم. واعتبرت اللجنة أن من أولويات مهام علماء الأمة ومفكريها وباحثيها اليوم التصدي لاستعمالات قاصرة لمفاهيم لم تستوعب في علاقتها بمقاصد الرسالة المحمدية، وبسياق تكوين الأمة، وحفظ تماسكها الداخلي وأمنها الخارجي. وبذلك تتحرر هذه المفاهيم مما تعرضت له من مصادرة، وتتضح حقيقتها ووظيفتها في ديننا.

وحرصا على مزيد من التدقيق في دراسة المفاهيم، اختير لهذا المحور ثلاثة موضوعات انطلاقا من راهنيتها وقوة توظيفها في المواقف والتصرفات التي تشهدها المجتمعات المسلمة اليوم؛ وهي: "الجهاد والقتال"، و"التكفير"، و"تقسيم المعمورة".

شهادات تاريخية


ويتضمن المحور الثالث الذي يحمل عنوان، "السلم في الإسلام - تأصيل وممارسة واستشراف" الموضوعات التالية: تأصيل السلم ( النصوص الحاكمة- المفاهيم- القيم- القواعد- الآليات والوسائل)، وتقديم شهادات تاريخية حول السلم في الإسلام.

والسعي إلى تأصيل مفهوم السلم، تقتضيه الصورة المتداولة عن الإسلام اليوم في العالم؛ بسبب كل ما يرتكب باسمه من فظائع، أو بسبب التحامل. هذا إلى جانب عرض وتحليل شهادات تاريخية لإخواننا في الإنسانية حول الإسهام الذي قدمه الإسلام للحضارة البشرية في مجال السلم. 

وكشفت اللجنة العلمية للمنتدى عن ورشتي عمل إضافيتين: مهمة الأولى علمية تنظيرية، بحيث تبحث فيما يمكن للجامعات الإسلامية أن تقدمه لمشروع تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة؛ بالنظر إلى المكانة الرائدة لهذه المؤسسات، ودورها في توجيه شباب الأمة من جهة، ومقدرتها من جهة ثانية على توجيه البحث العلمي في الدراسات الشرعية إلى وجهة تنفي عن التراث الإسلامي ما علق به من أقوال وتوجهات شذت عن محجة الاعتدال والسماحة، وعلى استبصار ما يحتاجه مشروع تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة من رسم للتوجهات وتحديد للأولويات وتصميم لخطط العمل.

أما الورشة الثانية فتهدف إلى توظيف خبرة الشباب المتمرسين في تقنيات التواصل الإلكتروني في خدمة مشروع تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة؛ إيمانا من "المنتدى" بحاجة المؤسسات العلمية والتربوية والمنتديات الفكرية في المجتمعات المسلمة إلى استثمار هذه الطاقات والمعارف والخبرات في خدمة السلم، وبحاجة الشباب أنفسهم إلى الانخراط في هذا المشروع ليكونوا مصابيح تنير للناس طريق الخير، بدل أن يكونوا وقودا للفتنة العمياء .

وكان المنتدي في دورته التأسيسية الأولى التي عقدت في أبوظبي العام الماضي قد حقق نجاحا كبيرا بالحضور النوعي لما يفوق عن مائتين وخمسين عالما ومفكرا، وبرعاية كريمة من دولة الإمارات العربية المتحدة، ولفت انتباه المفكرين وصناع القرار في العالمين الإسلامي والغربي. وأصبح محل تقدير لدى هيئات دولية عدة.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية