الرسالة

إن رسالة المنتدى ورؤيته التي عمل على نشرها منذ تأسيسه تقوم على الأسس التالية:

تأكيد أولوية السلم:

ما فتئ المنتدى يذكر بأولوية السلم على غيره من المطالب والمقاصد، انطلاقا من تشبثه بالدين الإسلامي أصولا وفروعا جزئيات ومقاصد، غير محرف بالقراءات الاختزالية الإيديولوجية والسياسية، واستلهاما للمرجعية السنية كما تجسدت في التجربة التاريخية للأمة الإسلامية. كما ينبع هذا التوجّه في شقّه التنزيلي من الوعي بخصائص الواقع النتأزّم ومتطلباته والواجب فيه.

السلم الذي يدعو إليه المنتدى هو كما عرفه رئيس المنتدى في كلمته التأطيرية في الملتقى التأسيسي: "حالة تسود فيها الطمئنينة النفسية والروحية والسكينة بين أفراد المجتمع لتنعكس على العلاقات بين الأفراد والجماعات، وليكون السلم الاجتماعي حالة من الوفاق تضمن بالدرجة الأولى الكليات الخمس ومكملاتها: المحافظة الدين والنفس والأموال والأعراض والعقول."

فبهذا الاعتبار يكون السلم هو البساط الضروري الذي يمكن به أن يتحقق مستوى من العدل، فبدون سلم لا يوجد أي شيء، فإذا كانت المطالبة بالحق حقا فإن البحث عن السلم أحق، وهو بحث قد لا يلغي أصل الدعوى، ولكنه سيغير وسائلها فما كل عدل أو حق أو إيمان أو طغيان يبرر وسائل أسوأ ونتائج أردأ. فالبحث عن السلم من أولى الحقوق لأنه حق الكافة في الحياة والراحة في الحركة والسكون والسعي في مناكب الأرض، فلا يحق لأي طرف أن يحرمهم أو يتسبب في حرمانهم من هذا الحق. بدون سلام

لا حقوق لأن فقدان السلم هو فقدان لكل الحقوق بما فيها الحق في الوجود! فالسلام هو الحق الأول والمقصد الأعلى الذي يحكم على كل جزئيات الحقوق.

فإذ كانت بعض الطوائف تجعل من المغالبة أصلا ومن الصراع وسيلة بغض النظر عن طبيعة الوسائل سواء جانبت المصالح أو جلبت المفاسد، فإن مقتضيات القيم الإسلامية التي يدعو إليها المنتدى هي تفضيل المصالح على المكافحة، وترشيح الوسائل التي تتلائم مع المصالح، وتحافظ على الأنفس والأموال، فالبشرية في حاجة إلى التعاون على البقاء بدل الصراع الذي يؤدي إلى الفناء.

 

تمثُّل روح الإطفائي:

إن مبدأ روح الإطفائي  يتمثل في تقديم سؤال الكيف على سؤال لماذا؛ لأن الإطفائي الذي يحاول إطفاء الحريق والإنقاذي الذي يحاول إنقاذ الغريق لا يسأل لمَ ؟ بل يسأل عن كيف ؟ وهذا لا يعني إلا أن الإنقاذ والإطفاء أهم الآن.

إن الرؤية التي يدعو إليها المنتدى متشبعة بروح الإطفائي الذي همه كيف يطفئ الحريق وينقذ الغريق. إنه لا يبحث عن الأسباب، ولا يدعو إلى الدخول في متاهات المحاسبات؛ ليس تهربا من واجب أو محاباة لطرف؛ بل وعيا منه أن البحث عن الأسباب وعمن هو المؤول  لن ينتج في الظروف الحالية إلا مزيدا من الحطب الذي يذكي نيران العنف، ومزيدا من طوفان الدماء المعصومة  بعصمة الشرع لها. فالأولوية هي لإيقاف الحروب، وبناء حصون السلام في النفوس والعقول، وإيجاد فضاء للحوار والتسامح تذوب فيه خلافات الماضي وصراعات الحاضر من أجل الانطلاق إلى مستقبل منتج تبنى فيه العلاقات الإنسانية على أساس الاحترام. فالمنتدى لا يقدم نفسه محكمة لفصل الخصام وتوزيع الأحكام، ليحكم لزيد على عمرو أو العكس، وإنما هدفه الأساس هو الدعوة إلى السلم بمنطق المصالحة.

تعزيز دور العالم:

ينطلق المنتدى في رؤيته للحل من وعيه بالبنية المركبة لظاهرة الإرهاب والعنف الديني، فلا مطمع في معالجتها إلا بمقاربات مركبة متكاملة، لا يلغي بعضها بعضا، ولكن المنتدى في الآن نفسه لديه القناعة بأن العنف قبل أن يكون ممارسات خارجية ينشأ في شكل تصورات في الأذهان، وأن الحروب تنشأ في القلوب والنفوس قبل أن تكون دمارا وفسادا ظاهرا للعيان، ومن ثمّ فينبغي لاجتثاث الداء أن تبنى حصون السلام في القلوب والنفوس ببت روح السكنية فيها، ونشر الفهم الصحيح والمنهجية السليمة للتدين.

من ثمّ فإن العلماء والحكماء والمفكرون وظيفتهم معالجة المرض، إلى جانب كل المؤسسات التي مهمتها معالجة العرض؛ وكلا العلاجين ضروريان لا يغني أحدهما عن الآخر؛ لكن المقاربة الفكرية تجتث المشكلة من جذورها، وتصحح مسار المجتمعات والأفراد. كما أن المنتدى  ينطلق في رؤيته من دعوى يقيم عليها البراهين من كفاية الدين وقدرته على أن يقدم الحل، أو أن يصبح جزءا من الحل بدل أن يظلّ التديّن المأزوم يجعله جزءا من المشكل، فالصيدلية الإسلامية قادرة بحسب رؤية المنتدى على تقديم المضادات والأدوية الناجعة في القضاء على داء العنف الديني.

ولهذا واعتبارا للطبيعة المعولمة لظاهرة العنف، ما فتئ المنتدى ينادي بتأسيس تحالف علمي بين العلماء ومؤسسات المرجعية الدينية والمفكرين والمثقفين لصناعة جبهة فكرية، وبلورة تيار عريض، وإنشاء حراك مجتمعي يتصدى للثفاقة المأزومة  وتيارالحرب والعنف.

 

إحياء القيم:

ينطلق المنتدى في رؤيته من الوعي بضمور القيم الإسلامية الأساسية، قيم الرحمة والحكمة والمصلحة والعدل، والاستعاضة عنها في الفكر المعاصر بقيم الصراع والنزاع وهي قيم ليست إسلامية ولو حاول البعض أن يكسوها لباس التقوى، إنها قيم غربية هيجلية، فهيجل هو الذي كان يرى أن التدمير هو أساس التعمير، أما قيمنا التي يدعو إليها ا نتدى فتقوم على بناء الثقة في النفوس وا حبة في القلوب، فقد ترك عليه الص ة والس م الكعبة ولم يهدمها لكي يبنيها على قواعد إبراهيم كما كان يود تأليفاً لقريش،  ولم يهدم وخلفاؤه كنيسة و بيعة و بيت نار- والك م بن القيم -، ولما ولي الخليفة الصالح عمر بن عبدالعزيز الخلافة وقد قل الفقه كتب إلى ولاته: تهدموا كنيسة و بيعة و بيت نار. فالتدمير ليس قيمة إس مية وإنما هي قيمة ناشئة عن جهل وتعصب غير محمود. أما قيم العقل والعدل وا عتدال والوسطية، فهي التي تحيي الإنسانية وتبث روح المحبة. يجب إحياء قيم المصالحة والمسامحة وليس قيم المبالغة والمضاربة، قيم السلام والوئام بدلاً من الخصومة والصدام.

 

 

فما هي إذاً هذه القيم؟

1) التعاون والتضامن: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) - سورة المائدة: "2"

2) إصلاح ذات البين: (وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ) - سورة الأنفال: "1"

3) الأخوة الإنسانية والتعارف: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) - سورة الحجرات: ”13"

4) الحكمة: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) - سورة البقرة: "269"

5) المصلحة: (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) - سورة الأعرف: "170"

6) العدل: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) - سورة النحل: ”90"

7) الرحمة: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) - سورة الأنبياء: "107"

8) الصبر: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) - سورة الزمر: "10"

9) قيمة التسامح الذي يعني اتساع الصدر والتماس العذر ومعرفة مراتب النهي والأمر.

10) قيمة الحبة وفي الحديث "أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (صحيح البخاري، كتاب الإيمان) وفي رواية: "أن يحب للناس ما يحب لنفسه" (مسند الإمام أحمد، الحديث: 13874).

11) قيمة الحوار.

12) قيمة الوسطية: الوسطية في السلوك، الوسطية العلمية بين الظاهرية الحرفية والتأويلية المحرفة.

 

تصحيح المفاهيم:

إن المنتدى يرى ضرورة تجاوز الإدانة الجملية لإرهاب والردود الجزئية عليه بتبني منهجيته المختلة، بل يدعو العلماء إلى التنزل إلى معالجة المنهجية العلمية العميقة للفكر المأزوم لبيان ما فيها من الأخلال ونقض عراها عروة عروة وتشريح المفاهيم مفهوما مفهوما للتعريف بمضامينها الحقيقية وكشف ما لحقها من تحريف وتحويل.

تكمن قوة التلبيس والاستقطاب في الفكر المأزوم في استنجاده المظهري بالمفاهيم الدينية بعد أن أخضعها لعملية تحويل كبرى خارج الضبط العلمي أدَّتْ إلى تفكيك مركّبها واختزالها في صيغ أحادية مستمدّة من ظواهر بعض النصوص الجزئية المجتزئة فعُدل بها عن مواضعها ومقاصدها وأغفلت سياقاتها ومساقاتها.

وهكذا فإنّ جملة من المفاهيم كانت في الأصل تشكّل سياجاً على السلم وأدوات للحفاظ على الحياة، ومظهراً من مظاهر الرحمة الربانية، التي جاء بها الإسلام على لسان نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم، فُهمت على غير حقيقتها وتشكلت في الأذهان بتصور يختلف عن أصل معناها وصورتها، فانقلبت إلى ممارسات ضد مقصدها الأصلي وهدفها وغايتها، فتحولت الرحمة إلى عذاب للأمة، اكتوى به المذنب والبريء واستوى في إشاعته العالم والجاهل.

اضطلع المنتدى منذ تأسيسه بمهمة تفكيك خطاب العنف من خلال منهجية تصحيح المفاهيم التي تقوم على مراجعة مستوياته الثلاث: مستوى المدلول اللغوي والشرعي ومستوى المقاصد والعلل المولدة للأحكام ثم مستوى الواقع والبيئة التي هي مجال التنزيل.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية