تعزيز السلم

 

البحث عن السلم حق، بل هو أحق في كثير من الأحوال من الحقوق الحقيقية أو المزعومة، لأنه حق الكافة في الحياة والراحة، في الحركة والسكون، والسعي في مناكب الأرض، فلا يحق لأي طرف أن يحرمهم أو يتسبب في حرمانهم من هذا الحق. - العلامة عبدالله بن بيه

الإسلام والسلام صنوان، وكل منهما مرآة الآخر، فالإسلام واحة السلام والرحمة للمسلمين ولكافة العالمين؛ والسلام غاية عميمة لا تقف عند حدود القبيلة، أو الوطن، أو المذهب، أو الفرقة، أو الدين، وكما قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِين َ١٠٧ سورة الأنبياء، الآية: 107.

فقد جاء دين الإسلام لتحقيق سلام الإنسانية والتآلف والإخاء والتعاون الكوني، جاء دين الإسلام لتحقيق أسمى درجات السعادة والسكينة والطمأنينة لكافة البشرية، فالجنوح نحو السلام طبعٌ طُبع عليه الإنسان، وما يتمناه الإنسان من البراءة والسلامة والنجاة هو ما ينشده أيضاً من الإسلام والسِلم والسَلَم والسلام.

نشهد في أيامنا هذه، في عالمنا الإسلامي ودول العالم أجمع أحداثاً جساماً، ونعيش زمناً غدا فيه القاصي والداني يتصدر للفتوى ولإصدار الأحكام الشرعية، وغدونا نرى فتاوى معدة تذر كما يذر الرماد في العيون، دون شرط أو قيد، وتوضع في غير مواضعها، وهو ما أفضى إلى فوات مصالح مرجوة، والولوج لمفاسد مُجتَنَبَة، والانقياد لجدلية الواقع والمتوقع بتقلباته وغلباته وبين الدليل الشرعي الكلي والجزئي، مما يجعلنا نحذر كل من يطلق الأحكام العامة على عواهنها، ومن يقحم نفسه في واقع لا يعرفه، ومواطن لم يعايشها، دون مراعاة لفقه الواقع.

وها نحن نرى ونعايش الشباب الذي تقلبه رياح التحديات، وتقهره تقلبات الواقع، فيتمسك بالصغائر والجزئيات، ويسارع للاستناد إليها في فتواه ليس مدركاً بأن العلماء ينظرون أبداً للجزئي من خلال الكلي، ومرد ذلك إلى ضعف الوعي الشرعي، والاستحكامات الأيديولوجية، وحب الظهور والغلبة والرغبة في الاختلاف.وقد أدى اتخاذ القرارات الخاطئة المبنية على تصورات غير سليمة، إلى انعدام الانسجام الضروري بين الضمير الديني، والأخلاقي، والواقع الإنساني.

من هنا يأتي دور قادة الفكر والعلماء الإسلاميين من مختلف أنحاء العالم في طرح ومناقشة الإشكاليات والقضايا الإنسانية المحدقة بالإنسان في عالم اليوم، والتي نجمت عن الصراعات الفكرية والطائفية في المجتمعات المسلمة، بسبب استقواء كل طرف بمن يعينه ويحتضنه على حساب مصلحة الأمة. وذلك، من أجل الاجتماع على موقف موحد لمواجهة الاضطرابات وأعمال العنف في العالم الإسلامي، التي لم تدع أي نوع من الأسلحة إلا واستخدمته في الصراعات الدائرة، دون أن ترعى حرمة أو ترقب ذمة.

ويأتي المنتدى العالمي "تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة"،كجهدٍ متميزٍ لتبديد عوارض الحذر والتخوف والريبة، وكاستهلال لمشروع يمضي بخطوات واثقة لترسيخ كل ما يتجلى في ديننا الحنيف من مظاهر السلم والأمن والأمان والانفتاح على الآخر.